وتفوقت نفقات هذه الدول على إجمالي إيراداتها واجمع المحللون على ان عجز الموازنة لأي دولة لا يعد في كل الحالات مؤشراً إلى سوء إدارة الأصول المالية بل يعتمد على أوجه الإنفاق ومبرراته، وأدى هذا الإنفاق إلى وجود عجز أي زيادة في النفقات عن إجمالي الإيرادات.ولدى بعض الحكومات عموماً سياسات إنفاقية توسعية نتيجة ظروف اقتصادية أو سياسية طارئة أو مطالب اجتماعية ملحة تتطلب استقراراً اجتماعياً وسياسياً وأمنياً أو توسعاً في الإنفاق من اجل إنعاش الاقتصاد عند تعرض البلاد إلى أزمات أدت إلى تراجع مواردها البارزة، سواء من قطاع النفط أو قطاع السياحة أو الصادرات أو تحويلات العاملين في الخارج أو قطاع الاستثمار، فتعمد إلى إنفاق يحفز النشاط الإنتاجي من خلال رفع الطلب الكلي والاستهلاك والاستثمار وهذا ما يُطلق عليه الإنفاق المنتج للثروة.هذا الإنفاق الذي يساهم في زيادة معدل النمو وانخفاض مؤشرات الفقر والبطالة وعجز الموازنة مستمر في الأردن، على سبيل المثال، منذ 15 سنة، وتضاعف خلال السنوات الخمس الأخيرة نتيجة الانعكاسات السلبية للأزمة المالية العالمية وأزمات «الربيع العربي» والظروف الإقليمية الصعبة، إضافة إلى الارتفاع الكبير في أسعار النفط قبل الانخفاض الأخير وانقطاع الغاز المصري وهي تطورات أدت إلى ارتفاع كلفة فاتورة الدعم الرسمي للسلع والخدمات والمحروقات إلى أكثر من 1.25 بليون دينار (1.77 بليون دولار).وعانى الأردن من تباطؤ النمو الاقتصادي وتراجع الصادرات وتدفق الاستثمارات الأجنبية وعائدات السياحة ولجوء أكثر من 1.5 مليون سوري إلى المملكة وهو تطور أثر سلباً في العديد من القطاعات وأهمها قطاعات التعليم والمياه والصحة والطرق والطاقة في مقابل دعم دولي محدود. وفشلت الحكومات المتعاقبة في ضبط الإنفاق في ظل سلبية المناخ العام فتحول العجز من عجز ظرفي إلى عجز هيكلي.والأصل في الإنفاق العمومي على الاستهلاك أن يبقى في حدود إمكانات الدولة أي دولة، فمن غير المعقول أن تلجأ الحكومات إلى العجز من أجل الإنفاق على شراء السيارات الفخمة ودفع الرواتب والمكافآت والامتيازات العالية وغيرها من نفقات البذخ وهو ما يطلق عليه الهدر في الإنفاق في مقابل تهرب ضريبي كبير. وهناك دول تعطي دروساً مثالية عن الإنفاق الحكومي المسؤول والخاضع للرقابة الشعبية نتيجة تعمق الديموقراطية والحق في الحصول على المعلومة وقوة المجتمع المدني وفاعليته.وتراكم عجز الموازنة في الأردن ساهم في ارتفاع نسبة الدين المحلي والأجنبي إلى ما نسبته 94 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي وهي مستويات تحمل أخطاراً مختلفة ولها انعكاسات سلبية على كل المؤشرات الاقتصادية والمالية، مع الأخذ في الاعتبار تراكمات خدمة الدين التي تجاوزت قيمتها حاجز بليون دينار ما ساهم في استنزاف نسبة كبيرة من الموارد المالية المتاحة بدلاً من إنفاقها في مشاريع استثمارية تساهم في نمو الناتج المحلي الإجمالي وبالتالي تخفض نسبة البطالة التي ارتفعت إلى 15 في المئة.في المقابل ساهم اقتراض الحكومة الأردنية من السوق المحلية في مزاحمة القطاع الخاص في الحصول على القروض وارتفاع سعر الفائدة ما تسبب بتراجع استثمارات القطاع الخاص وانعكس ذلك سلباً على النمو الاقتصادي. والعجز المستمر في الموازنة يساهم في تراجع التصنيف الائتماني للاقتصاد والمصارف كما يساهم في ارتفاع مستوى التضخم وتراجع القيمة الحقيقية للعملة الوطنية وتضارب أدوات السياسة النقدية والمالية، كما ان استمرارية العجز ولسنوات طويلة يؤكد انه ليس عجزاً دورياً مرتبطاً بدورات اقتصادية تختلف مدتها باختلاف قدرة الاقتصاد على الخروج منها والوصول إلى مرحلة الانتعاش وإنما يُعتبر عجزاً هيكلياً لارتفاع قيمته باستمرار وهذا يتطلب إجراء إصلاحات إدارية ومالية واقتصادية تساهم في التقويم والمحاسبة وتعزيز الشفافية والمساءلة.

زياد الدباس

الحياة: ٤-٢-٢٠١٧