وفيما لا تسمح القوانين الأميركية لمكافحة الاحتكارات بعقد اجتماعات رسمية بين الشركات النفطية الأميركية و «أوبك» التي تعتبرها هذه القوانين منظمة احتكارية، تفيد تقارير وكالتي «بلومبرغ» و «رويترز» بأن الغداء شكّل لقاء غير رسمي، تبودلت خلاله الآراء حول تطورات الصناعة النفطية. وأبلغ رؤساء شركات النفط الصخري باركيندو أن هذه الشركات، بسبب الانهيار الأخير للأسعار، خفضت نفقاتها، ما قلص كلفة الإنتاج في بعض حقول النفط الصخري الكبرى، مثل حقول حوض برميين الممتد من تكساس إلى نيو مكسيكو، إلى نحو 40 دولاراً أو حتى أقل للبرميل، مقارنة بنحو 55 - 80 دولاراً سابقاً.

 

 

طبعاً لا يشمل هذا الخفض كل الحقول، فالتكاليف تختلف من حقل إلى آخر، كما هو الأمر في حقول النفط التقليدي. لكن انخفاض التكاليف طرأ على الحقول الضخمة حيث الإنتاج الأكبر. وسيشكل سعر التكلفة الجديد هذا تحدياً للدول المنتجة في تحديد سعر النفط في موازناتها المقبلة. لكن هناك آثاراً بعيدة المدى أيضاً. فالتراجع إشارة واضحة إلى ضرورة إجراء إصلاحات اقتصادية أساسية وشاملة في الدول النفطية، إذا لم يعد ممكناً الاستمرار في الاعتماد على النفط في رفد موازنات الدول المنتجة.

 

 

تمر صناعة الطاقة العالمية عموماً وصناعة النفط خصوصاً بتغيرات مستمرة. ومن التغيرات النفطية هو أن منظمة «أوبك» لم تعد تستطيع أن تحقق وحدها استقرار الأسواق. وتوضح التجربة الأخيرة بين 2014 و2016 أن تحقيق استقرار الأسواق يتطلب التعاون والتنسيق بين «أوبك» والدول غير الأعضاء في المنظمة، خصوصاً الدول المنتجة الكبرى. وبالفعل فإن ما ساعد على لجم تدهور الأسعار إلى أقل من 30 دولاراً وساهم في زيادتها إلى 50 - 55 دولاراً للبرميل، هو التنسيق بين السعودية وروسيا ومعهما دول «أوبك» ونحو 10 دول أخرى من خارج المنظمة.

 

 

ويتضح الآن، بعد مرور أكثر من شهرين على تنفيذ الاتفاق، أن التحديات لا تزال كبيرة. فخلال الأسبوع الماضي انخفض سعر «برنت» من نحو 55 دولاراً إلى نحو 50 - 51 دولاراً للبرميل. وعلى رغم أن هذا المستوى الجديد هو في نطاق المتوقع، أي 50 - 55 دولاراً، ثمة تخوف من استمرار زيادة المخزون الأميركي الذي يضغط على الأسعار. وتعني الزيادة ارتفاعاً في إنتاج النفط الأميركي الصخري، خصوصاً مع توافر معلومات تشير إلى ازدياد عدد الحفارات في الولايات المتحدة. والهدف الرئيس من خفض الإنتاج هو تقليص المخزون العالمي، الذي يشكل المخزون الأميركي نسبة عالية منه.

 

 

وأشار التقرير الشهري الأخير لمنظمة «أوبك» حول الأسواق إلى أن مخزونات النفط في الدول الصناعية زادت إلى مستوى يفوق متوسط خمس سنوات بنحو 278 مليون برميل، وورد في التقرير: «على رغم خفض الإنتاج، تواصل المخزونات الارتفاع ليس في الولايات المتحدة فحسب، لكن أيضاً في أوروبا... إلا أن الأسعار حصلت من دون شك على دعم من اتفاقات خفض الإنتاج».

 

 

وفي الوقت نفسه، تستمر وكالة الطاقة الدولية في التحذير من احتمال حصول عجز كبير في الإمدادات بسبب اتفاق خفض الإنتاج. وأوردت في تقريرها الشهري الأخير حول الأسواق أن «خفض إنتاج منظمة أوبك ربما يدفع سوق النفط إلى تسجيل عجز في النصف الأول من 2017». وتوجهت الوكالة إلى الدول المنتجة في تقريرها الأخير، فأكدت لـ «الذين يتطلعون إلى استعادة سوق النفط توازنها، أن الرسالة هي أنهم يجب أن يتحلوا بالصبر ويلتزموا الهدوء».

 

 

واضح أن هناك وجهتي نظر مختلفتين في الأسواق، كل منهما تعكس مصلحة صاحبها. والتغييرات في الصناعة النفطية متوقعة وغير مفاجئة، فهي نتيجة عوامل مثل اكتشاف حقول نفطية ضخمة جديدة، وتوافر تقنيات جديدة تؤدي إلى تقليص النفقات، وكذلك احتمال تقليص سوق النفط مستقبلاً من خلال استعمال السيارة الكهربائية أو الهجينة، وتقليص سوق الغاز الطبيعي تدريجاً نتيجة ازدياد استعمال الطاقات المستدامة (الطاقة الشمسية وطاقة الرياح). أما الخلافات السياسية بين البلدان المنتجة فهي مزمنة وإن اختلفت حدتها بين فترة وأخرى.

وليد خدوري/ كاتب عراقي متخصص بشؤون الطاقة

الحياة - الأحد، ١٩ مارس/ آذار ٢٠١٧