ولا شك أن فرض حالة الطوارئ في فرنسا لقى انتقادات واسعة ليس فقط من بعض القوى في الداخل الفرنسي، بل وأيضا من جانب بعض الدول الأوروبية، وهذا أمر يتعلق بمنظومة القيم الأوروبية. ومع ذلك فرضت السلطات الفرنسية هذه الحالة مع الأخد بعين الاعتبار كل مستويات الحرص والحذر من أجل عدم الإضرار بحقوق المواطنين، وتفادي الفوضى وأخواتها.

الجميع يعلم أن لا قوانين الطوارئ، ولا "الهزل" الإعلامي، ولا تفريغ المواضيع من مضامينها، ولا توجيه الأنظار بعيدا عن المخاطر الحقيقية، ولا إلقاء الاتهامات جزافا وبعشوائية.. لا شئ من كل هذا يمكنه أن يتصدى للإرهاب أو يواجهه، أو حتى يساعد على هزيمته. هناك عوامل وأدوات أخرى أكثر أهمية وفاعلية في مواجهة الإرهاب، وعلى رأسها ضرب الفساد السياسي والإداري والاجتماعي بشدة، وتجفيف منابع الإرهاب ليس فقط على المستوى المالي، بل وأيضا على مستوى الكوادر والعلاقات والاتصالات، ومحاصرة الحاضنة الشعبية والاجتماعية له، والالتزام بالقانون من أجل عدم دفع المواطن الذي قد يتضرر بسبب العشوائية إلى ارتكاب جرائم ذات طابع محدد أو الانضمام إلى مجموعات وقوى إرهابية بدافع الانتقام.

الفوضى وأخواتها (العشوائية والتعسف) يمكنها مفاقمة ليس فقط الإرهاب، بل وأيضا زيادة عدد الجرائم، وإشاعة حالة من انعدام الثقة واليأس. والأخير بالذات (اليأس) هو أحد أخطر الدوافع للإرهاب، أو في أحسن الأحوال ارتكاب جرائم خطيرة تتسم بإيذاء النفس والغير. ومن هنا تحديدا تراعي سلطات أي دولة عملية التوازن بين مواجهة المخاطر والتهديدات بقوانين استثنائية وبين تنفيذ القانون بحرص وحذر وصرامة ومهنية.

الضربات الإرهابية الخسيسة التي وجهها الإرهاب الدولي إلى العمق المصري في محافظتي الغربية والإسكندرية، فرضت على السلطات إعلان حالة الطوارئ لمدة 3 أشهر، قد يتم تمديدها لفترات أخرى. ومن حيث المبدأ، لا يمكن على الإطلاق الاعتراض على فرض قوانين الطوارئ في ظل توحش الإرهاب الذي يتحدى ليس فقط السلطات الرسمية ومرافق الدولة ومؤسساتها، بل وأيضا المواطنين وكافة القيم والأخلاقيات الإنسانية تحت دعاوى ومزاعم دينية أو حتى وطنية.

ولكن فرض قوانين الطوارئ بدون مراعاة الضوابط، لا يمكنه أن يحقق أي نتائج إيجابية إطلاقا، بل على العكس، ستتجه الأمور إلى الأسوأ. وبالتالي، فالهدف من تطبيق هذه القوانين "الاستثنائية" هو مواجهة الإرهاب فقط، وليس لاستخدام الإرهاب من أجل تمرير قوانين أو قرارات أو اتفاقيات محل نزاع قضائي وشعبي، أو من أجل تصفية حسابات مع قوى معارضة، أو تقييد الحريات من أجل التمهيد لتطبيق إجراءات اقتصادية من المتوقع أن تلقى معارضة شديدة. ففي حالة تحديد الهدف والالتزام بالضوابط، يمكن أن نحصل على نتائج إيجابية ومهمة. ولكن في حالة استخدام هذا الهدف كغطاء للأمور السابقة، سنجد أنفسنا في مواجهة ليس فقط الإرهاب، بل وأيضا في مواجهة غضب عام قد يتسم بانعدام الثقة واليأس!

عندما فرض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قوانين الطوارئ بعد الانقلاب، كان الهدف المعلن هو محاصرة الانقلاب والحفاظ على السلطة الشرعية. ولكن تحت هذا الغطاء، جرت حملات اعتقال واسعة لم تشهدها تركيا في تاريخها الحديث، وعمليات انتقام تتسم بالفوضى والعشوائية والتعسف، وتصفية حسابات مع قطاعات واسعة من الشعب التركي الذي يضم قوميات وديانات مختلفة. الأمر الذي انعكس سلبا على صورة تركيا نفسها، وتسبب في خلافات كثيرة بين أنقرة وحلفائها الأمريكيين والأوروبيين. وربما كانت الحرب في سوريا هي التي أنقذت تركيا (على الأقل إلى الآن) من مشاكل وأزمات، وصدامات داخلية بين مكونات الشعب التركي (العرقية والدينية). ولكن لا يمكن استبعاد حدوث ذلك في ظل سياسات حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي المحافظ، واستخدام أردوغان ورقة الإرهاب لضرب معارضيه. وفي كل الأحوال، فقد وقعت عمليات إرهابية في تركيا نفسها رغم كل ما ذكرناه آنفا، بل وتعرَّض دبلوماسيون أجانب للاعتداء والقتل. أي أن كل ما يفعله أردوغان لم ينقذ تركيا من ضربات الإرهاب، لأنه ببساطة لم يلتزم بجوهر وهدف قوانين الطوارئ، وإنما استخدمها لأهداف أخرى تماما.

وفي الحقيقة، فمصر دولة مركزية لا توجد بها أزمات تتعلق بالأعراق والديانات. ولكن هذا لا ينفي وجود مقدمات لهذه الأزمات في ظل مشاكل التعليم، وتدني مستوى المعيشة، والفساد، والاستهتار، والاستسهال. ومن الصعب أن ننكر وجود مشاكل طائفية حقيقية، وإن كان الوقت لم يفت بعد لتداركها. وبالتالي، فهناك مخاوف من إمكانية أن تحدث تحولات خطيرة في مصر لأسباب داخلية بالدرجة الأولي، ولأسباب خارجية بالدرجة الثانية.

الأسباب الداخلية معروفة للجميع، ومن الممكن الوقوف عليها كلها من ما يجري تداوله في وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الأخرى وتقارير مراكز الأبحاث والدراسات. هذا إضافة إلى ما يمكن رصده من فوضى قانونية وقضائية وتشريعية، وفساد، وأزمات تعلمية ومعيشية وثقافية، وفساد غير عادي، واستهتار ناتج عن فقدان الثقة. أما الأسباب الخارجية فهي موجودة بالنسبة لمصر كما بالنسبة لأي دولة أخرى، لأن هذا الأمر مرتبط بالسياسة الكبرى، وبمصالح وأموال وتوسيع نفوذ وتجارة أسلحة وسيطرة علي منابع الطاقة وطرق نقلها. وبالتالي، من الصعب أن نتحدث هنا عن مؤامرات صُنِعَت وحِيكَت لمصر فقط. لكن ما يمكن أن نتحدث عنه، هو قدرة مصر، مثل أي دولة أخرى، على تحقيق مصالحها الإقليمية والدولية في ظل المشهدين الإقليمي والدولي المعقدين للغاية، وهو ما يتطلب جهودا وقدرات وسياسات معينة، وإلا سيطول الحديث عن مؤامرات خارجية وداخلية، وستتواصل الشكوى من الاضطهاد، وإطلاق الاتهامات يمينا ويسارا.