مبدئيا يبدو أن نتائج الاستفتاء التركي لم تثلج قلب الرئيس رجب طيب أردوغان نظرا لضآلة الفارق بين نسبة من صوتوا بـ نعم ومن قالو لا ، 51,2 مقابل 48,8 ، وهو أمر فتح شهية المحللين الروس للخوض في تداعيات الاستحقاق الذي حمل عنوان العودة عن مسار التكامل مع أوروبا ودعم جهود السلطة الحالية الرامية إلى تحقيق التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي في البلاد. لكنه في الوقت نفسه طرح أسئلة أكثر مما قدم أجوبة في مرحلة حساسة بات فيها المجتمع التركي منقسما على نفسه .. اللافت خلال حديثنا مع العديد من المعنيين هو ربطهم الاستفتاء بتطلعات أردوغان الشخصية ونزعته العثمانية الجديدة أكثر مما هو عليه الأمر بمستقبل تركيا وهيكلية منظومتها السياسية. بطبيعة الحال الجميع تحدث عن التطورات في سوريا وشمال العراق وعن الوعود التي قدمها أردوغان للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد اعتذاره عن اسقاط المقاتلة الروسية على الحدود السورية التركية، وعن نكوصه بتعهداته بعد حديث الإدارة الأمريكية الجديدة عن المناطق الآمنة ودعم حكومة العدالة والتنمية للضربات الأمريكية على مطار الشعيرات السوري، وهو ما اعتبرته موسكو انتهاكا للقوانين والأعراف الدولية .. لذا فالدعوة كانت للحذر والتريث والابتعاد عن توصيفات صديق أو حليف واستخدام مصطلح شريك ..

الاستفتاء التركي مرتبط بطبيعة الحال بمحاولة الانقلاب .. فروسيا دعمت أردوغان عندما حاولت بعض قطاعات الجيش عزله عن السلطة، أو حتى تصفيته، وهي تدرك جيدا أن عودة العسكر إلى الحكم في أنقرة يحمل سلبيات بالنسبة لها أكثر من الإيجابيات، وذلك من منطلق أن الجيش التركي هو جيش في حلف شمال الأطلسي وهو من حيث عديده الثاني في الناتو، لذا فإن التعامل مع طموحات أردوغان التوسعية وهو المتخاصم من أروربا، مريح أكثر من تركيا أطلسية، من حيث الانتماء والعقيدة السياسية، على تخوم روسيا الجنوبية .. في المقابل تزداد الدعوات للتعامل مع جمهورية أردوغان من منطلق التكتيك وعدم التعويل على الاستراتيجية لا سيما ما يتعلق بالملفات الاقتصادية وعلى رأسها "السيل التركي" الذي سيسمح لأردوغان بالضغط أكثر على القارة العجوز إلى جانب ملف اللاجئين، أضف إلى ذلك أن النبرة القومية والدينية في حديث أردوغان تدفع المحللين للخوض في تأثير عودة العثمانية بنسختها الجديدة إلى الساحة الدولية على المشهد في منطقتي القوقاز الروسي وآسيا الوسطى، أي الجمهوريات الروسية وبلدان الرابطة المستقلة، حيث النفوذ التركي قوي .. كذلك يتم تداول موضوع "الشرق الأوسط الجديد" بنسخته الأمريكية. وما الحديث عن تركيا أردوغانية إسلامية إلا ركيزة لهذا المشروع الذي يعمل على تقسيم المنطقة على أساس عرقي ومذهبي. لذا فإن تصفية العلمانية التركية أمر ضروري من حيث المبدأ .. وفي هذا السياق لا يغيب عن المحللين في موسكو الوضع في سوريا حيث باتت الساحة هناك طاولة لتبادل الرسائل. المحادثات الأخيرة في العاصمة الكازخستانية أستانا أزعجت الجانب الروسي، فالشريك التركي لم يضغط على المعارضة المسلحة كي تحضر الاجتماعات ما يعني عمليا إفشال المساعي الروسية لتثبيت وقف إطلاق النار والمساعي الهادفة لدفع عملية جنيف التفاوضية قدما ..

على أية حال تختلف التحليلات والتوقعات.. لكن ما هو أكيد أن تركيا بعد الاستفتاء لن تكون كما قبله .. وهذا الأمر يطاول الشأن الخارجي كما الداخلي .. عدا أن الانقسام في المجتمع التركي يثير المخاوف من حرب أهلية. لا سيما وأن السجون التركية باتت مكتظة بمعارضي أردوغان من العسكر والساسة والصحفيين وإلخ .. وعليه تراقب موسكو التطورات بحذر وهي تتطلع إلى تركيا مستقرة ومزدهرة على حدودها الجنوبية ..