رئيس الوزراء الإسرائيلي عاد من جديد للحديث عما تصفه تل أبيب بالتهديد الإيراني لوجود الدولة العبرية. نتنياهو اتهم طهران بأنها تتخذ حاليا خطوات لنشر قاعدة بحرية دائمة لها على الساحل السوري، مؤكدا أن سبب زيارته لموسكو هو معارضته للوجود العسكري الإيراني الدائم في سوريا وتعزيز مواقع أنصارها هناك، ومن بين هؤلاء حزب الله اللبناني الذي اكتسب خبرة لا مثيل لها خلال سنوات الحرب الماضية لتدعم مكتسباته في حرب 2006 .. أوراق تعامل معها الكرملين بحذر ليؤكد أنه لم يتم بحث موضوع توجيه ضربات جوية إسرائيلية للحزب من داخل الأجواء السورية، وهو ما تحدثت عنه الصحافة العبرية مؤخرا ..

اللافت في هذا اللقاء كان البراغماتية البوتينية. فضيف الكرملين استهل لقاءه في موسكو ليشن هجوما مفاجئا على إيران مع أن الهدف الرئيس لزيارته كان إقناع موسكو الاعتراف بشرعية احتلال إسرائيل للجولان السوري أو على الأقل إعادة فتح الموضوع مع تأكيد موسكو أن أمن إسرائيل مرتبط بالسلام في المنطقة ومع الدول العربية ..  نتنياهو المدرك جيدا لتعقيدات المنطقة رد على تهنئة وجهها إليه بوتين بمناسبة عيد المساخر / بوريم اليهودي، بالتذكير بالأحداث التاريخية التي يرتبط بها هذا العيد، والتي وقعت في القرن الخامس قبل الميلاد في الإمبراطورية الأخمينية .. بوتين لم يعلق على تصريحات نتنياهو حول "الإرهاب الإيراني"، مشددا على أن العالم اليوم يختلف عما كان عليه قبل 2500 سنة، وعلى ضرورة بحث التطورات الراهنة في المنطقة .. بعد اللقاء لم يكن هناك أي مؤتمر صحفي ..

هذه التطورات تحديدا كانت أيضا في صلب لقاء الرئيس الروسي مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان في اليوم التالي للقائه نتنياهو .. حديث بوتين عن العودة إلى سبيل الشراكة الحقيقية لا يعني أبدا تجاوز الخلافات لا سيما منها تلك المتعلقة بالمشهد الميداني شمال سوريا وهو ما تحدثنا عنه في مقالات سابقة .. كما أن الاتفاق على التعاون النشيط لمحاربة الإرهاب لم يلغ الخلافات حول التصنيف والتعريف، فأردوغان شدد من جديد على موقف بلاده من تعريف حزب الاتحاد الديمقراطي السوري وذراعه العسكرية وحدات حماية الشعب الكردية على أنها "تنظيمات إرهابية"، وهو ما تجنب بوتين بشكل لافت التعليق عليه خلال المؤتمر الصحفي في ختام القمة مع تأكيده على أن إعادة وحدة أراضي سوريا شرط ضروري لتسوية أزمتها وإحلال السلام في المنطقة ..

اللقاء الرابع خلال الأشهر الـ12 الماضية بين بوتين وأردوغان سمح بإعادة إطلاق عمل الآليات الثنائية المحورية، بما في ذلك المجموعة المشتركة للتخطيط الاستراتيجي واللجنة الحكومية للتعاون الاقتصادي، وذلك بالإضافة إلى الاتصالات بين الوزارات والبرلمانين والسلطات الإقليمية .. أردوغان أعرب عن أمله في أن تلغي روسيا جميع القيود الاقتصادية المفروضة على تركيا وتعيد النظر بقرارها في موضوع التأشيرات، وهو ما سيبقى على ما يبدو رهن الخطوات العملية التي على تركيا اتخاذها لا سيما في الملف السوري ومسار أستانا تحديدا، وذلك في ظل الأزمات المتصاعدة حدتها بين أنقرة والدول الأوروبية واقتراب موعد الاستفتاء في تركيا والذي سيعزز قبضة الرئيس أردوغان على السلطة في بلاده ..

ولئن كانت أهداف الحجاج إلى الكرملين واضحة يبقى السؤال عما يتطلع إليه قيصر الكرملين .. الأوساط السياسية في روسيا عادت مجددا للحديث عن أهمية استثمار الانتصارات العسكرية التي يحققها الجيش الروسي اقتصاديا .. وهو ما يعني عمليا تمكين الشركات الروسية في الخارج لا سيما في منطقة مليئة بالمشاريع الواعدة كالشرق الأوسط .. فهناك عقود التسليح والنفط والغاز وأنابيب النقل وهناك أيضا مشاريع إعادة الإعمار للدول التي دمرتها الحروب الأهلية والتدخلات الأنغلوساكسونية .. وعليه تبحث روسيا عن مصالحها القومية وشراكات مع دول المنطقة على أساس المساواة والندّية، وعما ينعش اقتصادها وعملتها الوطنية بعيدا عن الشعارات الرنانة التي نسمعها بين الحين والآخر من هنا ومن هناك ..