فرغم وصف الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن بأهل الحكمة إلا ان أهلها اليوم غاب عنهم هذا الوصف. أهل الحكمة فقدوها تماما. فاليمن اليوم ليس سعيدا لأنه يكتوي بنار حرب أشعلها أصحاب الحكمة بأنفسهم. الحرب في اليمن خلال المائة العام الأخيرة من تاريخه مشتعلة باستمرار وتحت مسميات مختلفة. فقد أديرت بحقد في زمن الأئمة وأستمرت في زمن الجمهوريين بعد قيام ثورة الـ26 من أيلول/سبتمبر 1962م. وتوالت الإنقلابات العسكرية والسياسية مرة تلو الأخرى وكثرت المآسي وزاد الفقير فقرا وجوعت الأمة بأكملها. وحتى بعد قيام الوحدة اليمنية في 1990م التي حلم بها كل مواطن يمني وعمل من أجل تحقيقها الكثير أشعلت الحرب في 1994م وخلفت دماراً إقتصادياً واجتماعياً وإنسانياً من الصعب تلافيه في القريب العاجل. وبعدها أشعلت أغرب الحروب. حروب شمال الشمال التي عرفت بالحروب الست بمحافظة صعدة إبتداء من 2004م. وهكذا أشعلت حروب خلال مائة عام في بلد كان قد أطلق عليه اسم "الشعب السعيد".

إلا ان الحرب الأخيرة والتي كان سببها اقتحام العاصمة اليمنية صنعاء في 21 أيلول / سبتمبر 2014 من قبل الحوثيين "أنصار الله" وبمشاركة قوات تابعة للرئيس السابق على عبدالله صالح هي عمليا أكبر الحروب تأثيرا في التاريخ اليمني المعاصر.

فعملية إلأقتحام هذه كانت بحجة انتهاء الفترة الإنتقالية للرئيس التوافقي عبد ربه منصور هادي والمنتخب في 2012م وتعتبر إنقلابا على المبادرة الخليجية والتوافق السياسي ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل.

الحوار في أي مكان هو لغة راقية جدا للوصول الى الأهداف المنشودة. التي يجب ان يصل اليها المتحاورون. فمؤتمر الحوار الوطني الشامل في اليمن كان قد أنهى أعماله في مطلع 2014م وبمشاركة كل أطياف المجتمع اليمني... حتى أولئك الذبن كانوا سببا في إشعال هذه الحرب الكبرى. والحوار هذا كان بمثابة عودة الحكمة لأهل هذا البلد. والدعوة اليه كانت صوتا يرتفع دائما كمطلب للعقلاء وخاصة بعد كل دورة دم جديدة، دم يروي التربة اليمنية. فأكثر من مرة كان يجتمع اليمنيون في الستة العقود الاخيرة للحوار، الا ان أصوات المدافع كانت هي المدوية والطاغية على حكمتهم ولن يكتب للحوار النجاح.

الحرب الاخيرة التي ما زالت دائرة حتى هذه اللحظة أشعلت تقريبا في كل مدينة وسهل وواد. راح ضحيتها الكثير ممن أشعلوها او من مقاوميها، وكذا من اولئك الأبرياء الذين يهربون من جحيمها كالأطفال والنساء والشيوخ. فكل من يحمل السلاح لا يرى حكمته إلا بالقتل وسيل الدم والسلب والنهب والطغيان في الارض. فهل ستعود إلى من حملوا السلاح وقتلوا الأبرياء يا ترى الحكمة فيلقوا السلاح جانبا ويعودوا الى طاولة الحوار الانساني لينشدوا السلام وقبول الاخر؟

الحكمة اليمانية اليوم لا يمكن ان نراها الا بترك السلاح ووقف الحرب وتحقيق السلام فقط والعودة الى مبدإ التوافق السياسي والإجماع الوطني المتمثل في الالتزام بتنفيذ مخرجات الحوار الوطني الشامل وبتنفيذ توصيات التوافق الأممي حول حل الأزمة اليمنية.

التاريخ الإسلامي والعربي واليمني مليء بالعبر المؤلمة. فمن ينتصر بالسلاح اليوم هو عمليا مهزوم بعد وقت. فانتصروا اليوم لحكمتكم، أيها اليمانيون. ليتنازل بعضكم لبعض. تنازلوا من اجل ان تصنعوا السلام. من اجل ان يعيش أبناؤكم وأحفادكم في أمن وآمان دائم ووطن مزدهر. يزول فيه الحقد والكراهية بين أبنائه.

ذكرى ثورة 26 أيلول / سبتمبر 1962 م على نظام الإمامة في اليمن تطرق الأبواب وذكرى اقتحام العاصمة اليمنية صنعاء في 21 من ايلول / سبتمبر 2014 من قبل أحفاد الأئمة "أنصار الله" ايضا على الأبواب ولا يفصل بينهما إلا غياب الحكمة اليمانية.

الحدثان المذكوران أيلول/ سبتمبر 1962م وأيلول/ سبتمبر 2014م يشبهان فكرة المظلوم والظالم فكيف للمظلوم ان يستسلم. فالحدث الأول حلم بالسلام وعمل من أجله والأخر أعد للحرب وأعلنها. لهذا لن ينتصر بينهما الا الحق. الحق هنا هو انتصار وقوة للحكمة اليمانية وللسلام يعود إلى ربوع المجتمع اليمني ووقف للحرب العبثية التى تعتبر مصدرا للثراء الفاحش يجنيه أمراؤها.

المطالبة بانتصار الحكمة اليمانية هي مطلب لكل العقلاء والحكماء وهي تعني وقف الحرب الداخلية والخارجية في كل ربوع اليمن وتقديم المساعدات الإنسانية العاجلة للمحتاجين والجياع ومعالجة مرضى الكوليرا وكذلك معالجة الجرحى والاعتناء بالمعوقين بسببها وسد حاجات الأرامل الضرورية وتأمين حياة الأطفال لأن من يحمل السلاح يموت به ومن يشعل الحروب يشوى بنارها. فبالله عليكم قفوها أيها اليمانيون يا أهل الحكمة.