شغلت الأزمة القطرية الأوساط السياسية في الدول العربية والغربية، منذ بدايتها من أربعة أشهر في يوم 5 يونيو 2017 بإعلان كل من مصر والسعودية والإمارات ومملكة البحرين قطع علاقاتهم الدبلوماسية مع دولة قطر لتمر الأزمة بعدة مراحل من تقديم الدول الأربع 13 مطلبا لقطر ثم يتبعها رد قطر بدحض المطالب وعدم الاقدام على تنفيذها، ثم اجتماعات لرؤساء أجهزة المخابرات في الدول المقاطعة، وإعلان قائمتين بأسماء كيانات وأشخاص تقوم قطر بدعمها للقيام بأعمال إرهابية من شأنها التدخل في الشؤون الداخلية للدول وزعزعة الأمن والاستقرار في دول المنطقة وخاصة الدول الأربع ودول الثورات العربية، وقد ظهر عدد من الفاعلين الدوليين في الأزمة سواء الفاعلون الإقليميون مثل تركيا وايران أو فاعلون آخرون دوليون مثل ألمانيا وفرنسا وأمريكا ومن خلف الستار روسيا، فضلا عن قوى محركة وحاكمة على سير الأزمة وهو الأمر الذي دفع للتساؤل عن الرؤية المستقبلية لهذه الأزمة.

بداية يمكن القول أن درجة التغير السريع وظهور أحداث مفاحئة في سير الازمات الدولية يجعل عملية التوقع بمستقبل هذه الأزمات أمرا غاية في الصعوبة، ويمكن طرح رؤية مستقبلية ولكن على المدى القريب لأن أزمة مثل تلك التي يتم تناولها مع ظروف المنطقة يصعب استمرارها لأمد طويل لأنه بلا شك سوف تظهر أزمات أخرى في المنطقة قد يكون البعض منها يمثل تداعيات لهذه الأزمة.

أولا: خلفية الأزمة القطرية:

يعود الخلاف القطري الخليجي أو القطري العربي إلى بداية فترة التسعينات منذ انقلاب الشيخ حمد بن جاسم والد الأمير تميم الحالي على والده الشيخ جاسم عام 1994، ورفض كل الدول الخليجية هذا التصرف كما رفضته مصر آنذاك بل ساعدت بعض هذه الدول الأب على العودة لنظام الحكم مما زاد من درجة العداء بين الأمير الأبن ورؤساء وملوك وامراء الدول الخليجية والعربية. 

هذا العداء للأمير الجديد ورفضه من قبل الدول الشقيقة المجاورة وغير المجاورة جعل قطر تستشعر الخوف على استمرار نظام الحكم بها وكذلك استمرار بقاء الدولة على خلفية مطالب تاريخية سعودية تعود إلى عام 1913، حيث طالبت السعودية بضم قطر إليها كجزء من إقليم الإحساء مما جعلها تنتهج سياسة خارجية مستقلة بها هدفها الأول بقاء النظام السياسي ونظام الحكم في يد أسرة الشيخ حمد وأبنائه من خلال استخدام مقومات الدولة في تحقيق هذا الهدف، حتى لو كانت نتيجة هذه السياسة الخارجية عدم استقرار الدول الخليجية والعربية وتغيير أنظمة الحكم فيها بأنظمة أخرى تدين بالولاء للنظام القطري دون غيره.

عملت السياسة الخارجية لدولة قطر لسنوات عديدة بشكل فعلي خارج إطار دول مجلس التعاون الخليجي. وقد تسبب النهج المستقل للدوحة في سياستها الخارجية في كثير من الأحيان في إغضاب المسؤولين في الرياض وأبوظبي، الذين اتهموا القطريين بتقويض الأمن الجماعي لمجلس التعاون الخليجي. وكان دعم قطر للإخوان المسلمين مصدرا للتوتر بين الدوحة ودول الخليج العربي الأخرى، وكذلك مصر. وأصبحت قناة الجزيرة في نظر العديد من الأنظمة العربية هي مجرد بوق لجماعة الإخوان المسلمين.

في مارس عام 2014، أثار هذا التوتر أزمة دبلوماسية تسببت في قيام كل من البحرين والإمارات والمملكة العربية السعودية بسحب سفرائهم من قطر في محاولة لمعاقبة قطر على دعمها لجماعة الإخوان المسلمين. وعلى الرغم من عودة السفراء بحلول نوفمبر، إلا أن أمير قطر الجديد "تميم" الذي صعد إلى العرش بحلول عام 2013 ادعى سعيه لإصلاح علاقات الدوحة مع سائر دول مجلس التعاون الخليجي في حين أنه في نفس الوقت يقدم الدعم للفصائل الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فضلا عن تعميق علاقات الدوحة مع تركيا، التي لديها جدول أعمال للسياسة الخارجية يتشابه مع الدوحة، وفتح علاقات مع إيران التي تتوجس الدول الخليجية وخاصة السعودية من أطماعها ونفوذها في الخليج مما يعني أن الدوحة تسعى لتأمين قدر أكبر من النفوذ في مواجهة جيرانها في الخليج.

يمكن القول أن من حق قطر كدولة أن تنتهج سياسة خارجية مستقلة لكن ليس من حقها انتهاج سياسة خارجية من شأنها تهديد استقرار وأمن الدول والتدخل في شؤون الدول الأخرى واسقاط الأنظمة ونشر الفوضى لتنصيب أنظمة موالية لها، أيضا ليس من حقها انتهاج سياسة خارجية تهدد مصالح الدول الخليجية وتماسك دول الخليج ومجلس التعاون الخليجي، مما نتج عن سياستها من انعدام الثقة بينها وبين دول الخليج وخاصة السعودية والدول العربية وخاصة مصر.

ثانيا: القوى المحركة للسياسة الخارجية القطرية:

1-  ثروات قطر من الغاز: تعد قطر رابع أكبر منتج للغاز في العالم، حيث تمتلك قطر ثالث أكبر احتياطي للغاز (885 تريليون قدم مكعب) أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، وتمثل صادراتها منه ما يقرب من ثلث الصادرات العالمية من الغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد سعت قطر-كما الدول الغربية-إلى إحداث شراكة بين الشركات القطرية المنتجة للغاز المسال وشركات عالمية للاستفادة من هذه الشركات كأداة ضغط وقت الحاجة إليها على حكومات هذه الدول بما يحقق أهداف قطر المذكورة.

2-  الاستثمارات الخارجية: (صندوق الثروة السيادية (جهاز قطر للاستثمار )): سعت قطر إلى توظيف العوائد المالية الضخمة في مجال الاستثمار الداخلي والخارجي، وخاصة الاستثمارات المدرّة للدخل، وتنفذ قطر معظم استثماراتها الخارجية عبر "جهاز قطر للاستثمار"، الذي تقدر قيمة أصوله بنحو 335 مليار دولار، وقد وصل حجم الاستثمارات القطرية في أوروبا إلى حوالي80-100 مليار دولار، و بلغت فى بريطانيا 35 مليار جنيه استرليني، وفي فرنسا حوالي 8 مليار دولار وفى ألمانيا حوالي 13 مليار دولار وفى هولاندا حوالي 2.33 مليار دولار، وتحاول قطر استخدام الأداة الاقتصادية في الضغط على المؤسسات الاقتصادية في الدول التي من شأنها دعم النظام السياسي القطري.

3-  الشراكة في الدفاع: اعتمدت الدوحة استراتيجية للأمن الدولي تقوم على "تبني مجموعة من الدول كشركاء للدفاع" لذا قررت قطر منح الولايات المتحدة الأمريكية ثانى أكبر قاعدة جوية فى العالم، كما وقعت قطر وفرنسا اتفاق دفاع بين البلدين في عام 1994، وقعت مع تركيا اتفاقيتين عسكريتين في عام 2012، كما وقعت ايضا اتفاق لإقامة قاعدة عسكرية تركية بها عام 2015 كما أن هناك بندا سريا في اتفاقية إنشاء القاعدة العسكرية التركية بالدوحة ينص على تعهد تركيا بحماية "أمير قطر".

4-  جماعات الإسلام السياسي (الاخوان المسلمين- الجماعات الارهابية في سوريا واليمن وليبيا): فتحت قطر أبواب إعلامها في قناة الجزيرة لجماعة الإخوان المسلمين لينشروا عداءهم للحكام واظهار مساوؤي الحكم في الدول العربية وعلى رأسها مصر، وكان لها دور في دعم جماعات الإسلام السياسي في الوصول للحكم في الثورات العربية ووصل حجم التمويل القطري "المبدئي" للإرهاب نحو 65 مليار دولار خلال الفترة بين عامي 2010 و2015 وهو ما كشفته اجهزة مخابرات الدول المقاطعة وعكسه قائمتي الكيانات والاسماء الداعمة للإرهاب ومنها شخصيات تنتمي للعائلة الحاكمة في قطر، كما تدعم جماعات ومراكز إسلامية متشددة إذ تشير تقديرات متواضعة من وسائل الإعلام الأوروبية - كما ذكرت صفحة خريطة الجماعات الإسلامية Islamism Map - إلى تقديم قطر 85 مليون يورو لمساجد ومراكز وجماعات يديرها الإخوان فى بعض دول أوروبا.

5-  الأداة الإعلامية: بدأت قطر في استخدام قناة الجزيرة التي أنشأتها عام 1996 في انتقاد حكومات الدول العربية من خلال استضافة المعارضين السياسيين فيها، كما كانت منبرا لجماعة الإخوان المسلمين، وكان للقناة دورا رئيسيا في تغطية الثورات العربية والتعاطف مع مطالب المتظاهرين ضد الحكام، ومن ثم تم توجيه اتهام للقناة بأنها ألقت نيران التمرد التي هددت الملكيات في المنطقة، كما هاجمت ثورة 30 يونيه في مصر.

6-  التغلغل في مؤسسات صنع القرار في الدول الأوروبية والأمريكية من مؤسسات الفكر والبرلمانات والمؤسسات الرئاسية ووسائل الإعلام، للتأثير علي صانعوا القرار في هذه الدول والحصول على دعمهم لسياسات قطر الخارجية أو الوقوف موقف المحايد من القضايا التي تكون قطر طرفا فيها أو إطالة أمد الأزمة القطرية حتى تأتي غيها من الأزمات للتغطية على الأزمة الحالية.

ثالثا: الأطراف الفاعلة في هذه الأزمة:

أطراف التحالف الرباعى العربى:

1-  البحرين: قطعت البحرين علاقاتها مع قطر بسبب إصرار على المضي في زعزعة الأمن والاستقرار في المملكة البحرين والتدخل في شؤونها ودعم الانشطة الارهابية المسلحة وتمويل الجماعات المرتبطة بإيران للقيام بالتخريب ونشر الفوضى في البحرين، والعمل على إسقاط النظام في البحرين؛ ومما تم كشفه أن قطر كانت وراء إحداث الفوضى التي حدثت عام 2011 في مملكة البحرين ودعم المعارضة لولا تدخل قوات درع الجزيرة بقيادة سعودية لوقف الفوضى في البحرين.

2-  السعودية: يرجع سبب قطع علاقاتها لأنها بذلت والدول العربية جهودا مضنية ومتواصلة منذ عام 1995 لحث السلطات في الدوحة على الالتزام بتعهداتها، والتقيد بالاتفاقيات، والتوقف عن الأعمال العدائية ضد السعودية، والوقوف ضد الجماعات والنشاطات الإرهابية، وكان آخر ذلك عدم تنفيذها لاتفاق الرياض عام 2013، والاتفاق التكميلي في2014.

3-  الإمارات العربية المتحدة: قطعت علاقاتها مع قطر بسبب مواصلة دعمها وتمويلها واحتضانها للتنظيمات الارهابية والمتطرفة والطائفية وعلى رأسها جماعة الاخوان المسلمين والتي القت الإمارات على خلايا تابعه لها كانت تهدف لزعزعة الأمن فيها والاستيلاء على السلطة وعملها المستمر على نشر وترويج فكر تنظيم داعش والقاعدة عبر وسائل اعلامها المباشر وغير المباشر، وكذلك نقضها البيان الصادر عن القمة العربية الاسلامية الامريكية بالرياض في 21 مايو 2017 لمكافحة الارهاب الذي اعتبر ايران الدولة الراعية للإرهاب في المنطقة الى جانب ايواء قطر للمتطرفين والمطلوبين أمنيا على ساحتها وتدخلها في الشؤون الداخلية لدولة الامارات وغيرها من الدول، وكذلك ما تنتهجه السلطات القطرية من سياسات تؤدي إلى الوقيعة بين شعوب المنطقة.

4-  مصر: قررت مصر قطع العلاقات بسبب إصرار الحكم القطري على اتخاذ مسلك معادي لمصر، وفشل كافة المحاولات لإثنائه عن دعم التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم الإخوان الإرهابي، وإيواء قياداته الصادر بحقهم أحكام قضائية في عمليات إرهابية استهدفت أمن وسلامة مصر، بالإضافة إلى ترويج فكر تنظيم القاعدة وداعش ودعم العمليات الإرهابية في سيناء، فضلا عن إصرار قطر على التدخل في الشؤون الداخلية لمصر ودول المنطقة بصورة تهدد الأمن القومي العربي وتعزز من بذور الفتنة والانقسام داخل المجتمعات العربية وفق مخطط مدروس يستهدف وحده الأمة العربية ومصالحها.

2- الأطراف الإقليمية:

أ‌-    تركيا: جاء التحرك التركي سريعا وداعما لقطر، حيث صادق البرلمان التركي في 7 يونيو 2017على قانون لنشر قوات من الجيش التركي في قاعدة عسكرية تركية تتضمن 5 الاف جندي تركي، ويعكس هذا التحرك السريع إلى أن تركيا تنظر لقطر منذ تولي الشيخ حمد الحكم في النظر بوصفها الحليف العربي الأكثر ثقة. ومن ثم كان التعاون العسكري والاستراتيجي بين البلدين، كما تعترف الدولتان أنهما تواجهان أعداء مشتركين، مما يعني وجود تقارب في أهداف السياسة الخارجية لكل من الدوحة وأنقرة، وتقومان برعاية نفس الجهات الفاعلة غير الحكومية، ويقدمان دعما علنيا لجماعات الإسلام السياسي رغم تصنيف بعضها كإرهابية، كما يوجد تعاون تركي قطري في تمويل الجماعات الإرهابية بالمنطقة ومنها “داعش، النصرة، القاعدة”، حيث تقدم قطر التمويل المالي وتقدم تركيا الدعم اللوجيستي لهم للعبور من محافظات جنوب تركيا للأراضي السورية، وهناك المئات من التقارير الاستخباراتية الدولية الموثقة المؤكدة لذلك، ومن ناحية أخرى، يواجه التواجد الأخواني بتركيا جزءا من الرأي العام التركي ودوائر صنع القرار ووسائل الإعلام كما انتشروا بين أئمة المساجد، وبالطبع فإن الموقف الإخواني مؤيد وداعم لقطر بشكل كبير في تلك الأزمة وربما يكون قد أثر على الموقف التركي، كما أن لديهما مواقف متماثلة بشأن العديد من الأزمات الإقليمية في سوريا واليمن وليبيا، وتشتركان في نهاية المطاف في عدة أهداف طويلة الأمد.

ب‌- إيران: جاء الموقف الإيراني متحيزا كما التركي لقطر،حيث فتحت اجوائها الجوية للطيران القطري وصدرت إليها السلع الغذائية لتقليل من المقاطعة ، وتدفع طهران بالأزمة القطرية إلى التصعيد إلى حد التدخل العسكري، بما ينعكس على فعالية الدور السعودي في اليمن لصالحها وعلى حساب التحالف العربي، كما تهدف إيران إلى تأمين موطئ قدم شرعي لوجودها في الخليج وعلى الحدود المباشرة مع السعودية، وتعتقد طهران أن الأزمة من شأنها أن تتسبب في تراجع كل من قطر والسعودية عن مساندة المعارضة السورية ضد نظام الأسد مستقبلا، وهو ما يطلق يد طهران في سوريا بالتنسيق مع موسكو وأنقرة. وهو ما قد يعزز صورة إيران كمنقذ للدول العربية وقوة يمكن الاعتماد عليها، وبرغم أن الدبلوماسية الإيرانية ترفع شعار "الحوار" كأداة لحل المنازعات الإقليمية والدولية، فأنها لا شك ستكون أكثر الدول حرصا على استمرار هذا الصراع القطري – الخليجي لأطول فترة ممكنة من أجل إضعاف بنيان مجلس التعاون الخليجي ، وتحطيم محاولات إقامة جبهة هجومية جديدة ضد إيران، خصوصا في ظل إدارة أمريكية أكثر ميلا لمناوئة إيران والتحيز لصالح الأمن الإسرائيلي .

جـ-  إسرائيل: تجد إسرائيل لنفسها دورا في ظل الخلافات العربية- العربية، حيث لا تتردد أن تطرح نفسها كبديل لأي طرف عربي في الصراع، ولأن هناك عدو مشترك بين السعودية وإسرائيل وهو إيران فقد جاءت تصريحات إسرائيل معادية لقطر رغم التنسيق الكبير بينهما والغير معلن في العديد من قضايا المنطقة مشابها لعلاقة قطر وتركيا في العديد من القضايا الخاصة بالمنطقة، حيث اعتبر وزير الدفاع الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان، أن قرار عدد من الدول العربية قطع علاقاتها مع قطر يمثل فرصة ممتازة لتوحيد الجهود مع إسرائيل في محاربة الإرهاب، أي أن اسرائيل لا تنظر لنفسها كعدو للدول العربية ولكنها تضع نفسها في مصاف الدول العربية التي تواجه عدو مشترك وهو الإرهاب، وقد ذكرت بعض المصادر الإخبارية عن زيارة وفود اسرائيلية لقطر وهو ما يعني أن إسرائيل تحاول أن تتحرك على طرفي الخلاف، ليس لحله ولكن لتطرح نفسها كجزء من الحل للإبقاء على الخلاف واستمراريته للنيل من إمكانية عودة العلاقات الخليجية -الخليجية أو العربية- العربية للأفضل وبما يضر من مصالحها التي تحققها على حساب الخلاف المستمر بين الدول العربية بعضها البعض.

3-الدول الغربية:

جاءت الأزمة القطرية العربية في وقت تعاني فيه أوروبا من العديد من المشكلات منها تداعيات أزمة اللاجئين والفارين من مناطق النزاعات والحروب جنوب البحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى المواقف التركية الملتبسة والانتهازية، أو بسبب تصاعد نفوذ اليمين المتطرف المعادي لعملية الوحدة الأوروبية، وأخيرا بسبب أزمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، فضلا عن تصاعد الخلاف الأوروبي - الأمريكي في ظل الإدارة المرتكبة والمتناقضة للرئيس دونالد ترامب.

ويمكن القول أن الدول الأوروبية تتحرك من خلال كل من ألمانيا وفرنسا فضلا عن دور أمريكا وروسيا ولكل منهما مصالح مشتركة مع طرفي النزاع القطري – العربي، ومن ثم فإن التحرك الأوروبي سيظل محصورا في إطار محاولات البحث عن تهدئة للنزاع، وتدعيم جهود الوساطة، التي غالبا ستكون بيد الطرف الأمريكي، الذى ينتظر بدوره حتى تصل الأزمة إلى أقصاها دون العمل العسكري طبعا.

أ‌-    ألمانيا:

تتحكم المصالح الاقتصادية للدول الخليجية وخاصة القطرية والسعودية في طبيعة الدور الألماني في الأزمة الحالية، وهو ما عكسه الحذر الشديد من التصريحات من قبل المسؤولين السياسية وعرض ألمانيا لدور الوساطة في الأزمة منذ بدايتها ورفض مديري الشركات الادلاء بتصريحات حول الأزمة أو الاعراب عن رغبتهم في أن تحل قريبا، وهو ما يمكن إيضاحه من خلال حجم استثمارات شيوخ الخليج في الشركات الألمانية، حيث دخلت مؤسسات خليجية تابعة لإفراد من الأسر الحاكمة إلى السوق الألمانية بقوة من خلال صفقات بالمليارات واستثمارات عملاقة،  فضلا عن الاستثمارات القطرية فيها والتي تبلغ أكثر من 25 مليار يورو، على شكل مشاريع وحصص في العديد من الشركات الألمانية. ويدرس صندوق الاستثمارات العامة في السعودية ضخ استثمارات في خمس إلى 6 شركات ألمانية بحصص لا تتجاوز 10%، كما بلغ عدد الشركات الألمانية بالمملكة السعودية 220 شركة ألمانية باستثمارات بلغت 4 مليارات دولار.

ب‌- فرنسا:

يبدو أن علاقة الدوحة بباريس باتت من الثوابت الإستراتيجية في فرنسا، لكن التقارب السياسي بين الدوحة وباريس الذي يصل حد التطابق في العديد من القضايا السياسية يعود أساسا لعمق العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حيث ضخت قطر عشرات المليارات من اليورو في العديد من المشاريع الاستثمارية والشركات العملاقة في فرنسا، كما أطلقت قطر وفرنسا صندوقا مشتركا لاستثمار 300 مليون يورو في الشركات الفرنسية الصغيرة، وقد حاز العديد من الشركات الفرنسية على نصيب كبير من المشاريع الكبرى في قطر، حيث فاز تحالف شركة "QDVC" بمناقصة في مشروع السكك الحديدية تجاوزت قيمته 7 مليارات ريال، بينما فازت شركة "إيجيس" بعقدين لأعمال تتعلق بالطرق والبنية التحتية بلغت قيمتهما 780 مليون ريال.

ووفقا لرئيس مجلس إدارة غرف قطر التجارية الشيخ خليفة بن جاسم بن محمد آل ثاني، تضاعف حجم التبادلات التجارية بين البلدين في الأعوام الثلاثة الأخيرة، حيث قفز من 4.7 مليارات في 2009 إلى 8.3 مليارات ريال في 2012.

بلغت الاستثمارات القطرية في فرنسا 25 مليار يورو، ومن المتوقع أن ترتفع في السنوات الخمس المقبلة لتبلغ 30 مليارا، تتوزع على القطاع العقاري والعلامات التجارية والأسهم.

وهذا التعاون الاستراتيجي والاقتصادي جعل العلاقات بين قطر وفرنسا تحتل زخما كبيرا في دوائر القرار في كلا البلدين، حيث صمدت أمام كل المتغيرات.

وقعت قطر وفرنسا اتفاق دفاع بين البلدين في عام 1994، كما يخضع التعاون مع قطر في مجال الأمن الداخلي لمذكرة تفاهم  عام 1996 وتدبير فني عام 2005 تم توقيعهما مع الدرك الوطني الفرنسي.

ب- الولايات المتحدة

تكشف التصريحات المتناقضة بين أقطاب الإدارة الأمريكية الراهنة، عن درجة من التباين فى توجهات بعض مكوناتها، ولأن مرتكزات القوة فى النظام السياسي الأمريكي لا تتركز في يد الرئيس بل هناك مؤسسات أخرى مثل البنتاجون ووزارة الخارجية وأجهزة الاستخبارات، فقد كان لها رأى آخر، يقوم على ضرورة الحفاظ على كيان مجلس التعاون الخليجى ووحدة موقفه ليكون رأس الحربة فى جبهة المواجهة المرتقبة ضد إيران وحركات المقاومة ضد إسرائيل فى المنطقة، لذا أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، أن أزمة الخليج لم يكن لها تأثير، ولا يتوقع أن يكون لها أي تأثير على العمليات العسكرية الأمريكية في قطر. وقال المتحدث باسمها جيف ديفيز: "لم تتأثر عملياتنا سواء في قطر أو فيما يتعلق بالمجال الجوي المتاح حولها، ولا نتوقع أن يكون هناك أي تأثير".

ومن ثم فمن المؤكد أن تقوم الإدارة الأمريكية كإدارة وليس كرئيس، بالتدخل في الوقت المناسب للتوسط بين الطرفين، لأن قطر لعبت -كما غيرها من بقية دول الخليج العربى- دورا وظيفيا فى خدمة المصالح الاستراتيجية الأمريكية على عقود طويلة، ومن ثم فإن هناك حرصا أمريكيا على استمرار هذه العلاقات قائمة، وتجنبا لأن تذهب قطر في تعاونها مع إيران وتركيا إلى اتجاه بعيد من ناحية، أو أن تتفاعل الأزمة داخل قطر فتعصف بنظام حكم متعاون معها، وفى نفس الوقت سيكون كفيلا إلى حد ما بانتزاع تنازلات قطرية تناسب المطالب السعودية والخليجية ومصر إلى حد معقول، خاصة وأن قطر كانت وما زالت تحتفظ بعلاقات جيدة مع إسرائيل، وتملك تأثيرا على بعض قيادات حركة حماس في نفس الوقت.

ولذا يمكن القول إن خيوط اللعبة، وحدود النزاعات في المنطقة وخصوصا في الخليج ما زالت، وسوف تستمر لفترة أخرى من الزمن في يد الولايات المتحدة، ولذا ستعمل أمريكا على احتواء النزاعات الثانوية التي قد تنشب بين الأطراف الخليجية بعضها وبعض بين الفينة والأخرى أو تحركها أو توجهها كيفما تشاء وفى الوقت المناسب لمصالحها.

جـ- روسيا الاتحادية: تبنت موسكو خيار الدبلوماسية كآلية لإدارة الأزمة بين طرفيها، وهو ما حقق مصالح متبادلة لكل من الطرفين الروسي والقطري، ففي الوقت الذي نجحت فيه قطر لضمان الموقف الروسي إلى جانبها وهذا كان هدف زيارة وزير الخارجية القطري إلى موسكو عقب بدء الأزمة مباشرة. على الجانب الآخر، ترى موسكو أن التقارب المحسوب مع قطر في هذه الأزمة دون خسارة دول الخليج الأخرى يحقق لها حزمة من المصالح وفي مقدمتها كسب ود قطر لتغيير مواقفها كلية تجاه الصراع في سوريا، ومن ثم، فمساندتها في هذه الأزمة يفرض على الدوحة إعادة النظر في مواقفها وسياستها حيال النظام السوري وقد تنتقل إلى الحلف الإيرانى الروسي الداعم لوجود بشار الأسد واستمراره في أية ترتيبات خاصة بالوضع السوري.

إضافة إلى ذلك تخشى موسكو من قيام تحالف تركي إيراني قطري في ضوء ردود الفعل الإيجابية الداعمة بصورة مطلقة للموقف القطري من جانب كل من طهران وأنقرة، سواء كان دعما عسكريا كما هو الحال في تركيا أو اقتصاديا وإنسانيا كما هو الحال في إيران، وهو ما قد يمثل خصما من الهيمنة الروسية في المنطقة.

كما تأتي العلاقات الاقتصادية بين البلدين لتمثل عنصرا مهما في حرص روسيا على عدم خسارة قطر، إذ تعد العلاقات الاقتصادية بينهما في أعلى مستوى، ويسعى البلدان إلى رفع حجم التبادل التجاري بينهما ليصل إلى 500 مليون دولار في المرحلة المقبلة، كما أن الاستثمارات القطرية في روسيا كبيرة من خلال صندوق الثروة السيادي القطري، فضلا أن قطر لاعب رئيسي في اتفاق فيينا بخصوص تخفيض الإنتاج النفطي لامتصاص الفائض من النفط في الأسواق، ففي حال انسحاب قطر من الاتفاق وانهياره قد يؤدي هذا إلى هبوط أسعار النفط وتكبد الاقتصاد الروسي خسائر كبيرة.

وفى ضوء ما سبق، ظلت روسيا حريصة سواء في تصريحات مسؤوليها أو تحركاتهم على التأكيد على لعب دور الوساطة بين أطراف الأزمة، وهو دور لا يتجاوز الدبلوماسية الحذرة الرامية إلى تهدئة الأوضاع بين الأطراف كافة حفاظا على ما حققته موسكو من مكاسب في المنطقة أعادت لها جزءا من نفوذها القديم.

د. سماء سليمان، خبيرة في الدراسات المستقبلية