أيها  الفرسان النبلاء، من الآن فصاعداً الفنونُ ستكون لكم والكلمات. 

وهي ستفرش لكم الأسرّةَ والدروب والأفكار. وستكلّلكم بذهب لبنان.

لن تشعروا بالوحشة أيها الجنود الأشاوس. ولا بالمهانة.

ستقيمون في هديل الأرز، وستألفون صداقة النسور وأعشاب القلوب. 

الأشجار الأبيّة الوارفة ستهتزّ لكم أغصانُها الظليلة من أجل أن لا يؤلمكم حرّ هذا الصيف. 

وسيكون سقف لبنان عالياً ومتيناً تحسّباً للعواصف والأنواء في أوجاع الشتاء.

أفترض أن هواء ليلياً سيزوركم لئلاّ يُتاح للكوابيس أن تستبدّ بنعاس أحلامكم. 

في جروح الكلمات سنبني لكم عرزالاً طيّباً لكي في وعر الجرود يؤنس نجومكم الساهرة.

لن تحتاجوا إلى أحد. وإذا احتجتم حناناً وألحاناً عذبة في نعاسات الفجر، فستسعد البلابل والحساسين بأداء المهمة.

مَن مثلكم لا يحتاج إلى قصورٍ منيفة في السهول ولا في الجبال. 

في المدن ستكونون الضيوف، وفي الأرياف سنزيّن لكم الأرياف لكي ترتاحوا من عناء التجوال في المتاهة.

أما في الخيال، فسيسلس الخيال لخيولكم والبنادق المطهّمة، من أجل أن تكون الأرض كما السماء ملاعب لفنونكم الأبيّة. فهناك تُزرَع أرضُ لبنان. 

■ ■ ■

أيها الفرسان النبلاء، يمكنكم أن تطمئنوا إلى يومكم وإلى غدكم. 

الرسوم بيوتكم، والكلمات. 

لا طعن هنا في الصدور أو في الظهور، ولا أعمال غدر. 

لن يفاجئكم لغمٌ أرضيّ، ولا مكمنٌ إرهابيّ خسيس. 

إطمئنّوا. لن يُفسَح لأحدٍ من "أهل" الداخل ولا من "أهل" الخارج أن يتاجر بكم بعد الآن. ولا أن يربح ويخسر على ظهركم.

حسابات الربح والخسارة، سقطت بالضربة القاضية في امتحان كراماتكم العالية.

وستسقط تباعاً كلّها. 

المصالح سيعفّرها دنسُ الوحول. 

اسمعوني جيّداً أيها الجنود. 

لن تحجبكم عن عسل الشمس دناءاتُ أهل الأرض ورجال السياسة. 

صغائر الدول، سفاهات الأحزاب والطوائف، ومطامع أمراء الأحزاب والطوائف، يا لكم كيف ترمقونها بشذر، وتعبرون من أمامها كمَن يعبر بجرائم مكروهة.

ما أجملكم لأنكم تفضحون الجميع. وتتعالون على الجميع. وتحفظون سرّ لبنان. 

■ ■ ■

أيها الفرسان النبلاء، سيحملكم الرسّامون عالياً وعميقاً في أهازيج رسومهم وأَنَفَتها.

غيومهم ملوّنة، وستكون ليّنةً وسلسةً، كأنهار القرى وأمواج البحر. 

أعرف أنكم ستستدرجون النسيم ليكون في الخدمة، وستأتيكم وفود الأحلام والشعراء من أجل إشعال الحدائق والصباحات بخفر الحوارات اللذيذة وعطورها.

ستصنعون حياةً جديدةً لكم ولنا. 

وستكونون أصحاب لغة جديدة. 

وستفتحون لنا النوافذ والشبابيك من أجل أن لا نختنق بذلّ فضائحنا ونفاياتنا.

أفترض أنكم تعرفون هذا كلّه. وأنكم ستقولون لأهلكم ما لا يُقال علناً، لئلاّ يُنشَر الغسيل المتسخ على السطوح.

لقد كشفتم المستور، وستحتقرون الكثيرين من جرّاء ما اكتشفتم، وما ستكتشفون. 

أعرف مَن هم الذين ستحتقرونهم. كُثُرٌ متعدّدون وغفيرون هؤلاء الذين ستحتقرونهم. 

يقيني أنكم لن تنصتوا إلى أحد بعد الآن.

وأنكم ستطلبون من دولتكم أولاً، ثمّ من حكومتكم، ومن نوّابكم، ومن الأحزاب، ومن الطوائف والمذاهب، ومن أمراء الطوائف والأحزاب والسلاح... أن يرتفعوا إلى مستوى لبنان. 

عيبٌ ألاّ يرتفعوا إلى مستوى لبنان. 

قولوا لهؤلاء جميعاً: لا تسترخصوا لبنان، ولا تتاجروا به في الداخل والخارج، ولا تسترهنوه، أو تجيّروه.

بل اجعلوه دولةً ديموقراطيةً مدنيةً، ودولةَ قانونٍ بامتياز.

هذا هو واجبكم الأخير، أيها الفرسان البواسل، وليس لي أن ألفتكم إلى واجبٍ أخير. 

أعرف في المقابل أنكم ستواصلون المسير. من أجل الأبناء والأحفاد. ومن أجل النساء والأمهات والآباء.

ومن أجل لبنان، ستواصلون المسير. 

أنا أشاهدكم الآن واحداً واحداً. حيث أنتم. رافلين مضمّخين بثياب الخدمة العسكرية.

أسمع رنين قلوبكم ووقع خطواتكم الواثقة.

لقد هزمتم الأهوال تلو الأهوال، وها أنتم تفتحون السماء سماءً وراء سماء.

لن يبخل عليكم الرسم واللون. ولا الكلمات. 

أنتم ملح لبنان. وأنتم تستحقّون مجد لبنان. 

فطرِّزوه. طرِّزوا عرس الجرود بلون لبنان وخبرة البطولة والكبرياء!

 

عقل عويط

النهار: ٨-٩-٢٠١٧