هو ليس بكلام عابر من قبل روسيا ويحمل رسائل ذات أبعاد أمريكية .. فوعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانتخابية التي تضع محاربة الإرهاب على رأس الأولويات ذهبت أدراج الرياح بسبب ضغوطات تعرض لها الرجل من الداخل والخارج .. أو هكذا يبدو الأمر حاليا وهو ما دفعه للإقدام على هذه الخطوة التي يصعب تقدير أبعادها الآن .. وزير الخارجية الروسي حذر من أن العدوان الأمريكي سيعمل على  تقويض العملية السياسية وتفعيل العمل العسكري وهو تماما ما حصل في العراق عام 2003، عندما تدخلت الولايات المتحدة وبريطانيا مع بعض حلفائهما بذريعة وهمية هي "مسحوق الغسيل الأبيض" الذي وصفه وزير الخارجية الأمريكي آنذاك كولن باول بالسلاح الكيميائي .. لكن هناك تناقضات تدركها الإدارة الأمريكية وإن حاولت تجنب الخوض في تفاصيلها، فخان شيخون التي قصفتها القوات السورية في محافظة إدلب، كانت خاضعة لسيطرة تنظيم جبهة النصرة الإرهابي، وكان يوجد هناك معمل يحتوي على مواد سامة .. فإلى ماذا إذاً استند ترامب ؟؟ هو لم يصغ إلى موسكو التي قدمت هذه المعلومات وطالبت بإرسال خبراء من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية من أجل إجراء تحقيق في الحادث .. من هذا المنطلق ذهب البعض للحديث عن نية الإدارة الأمريكية تحويل الانتباه عن جبهة النصرة التي لا يزال البعض في الإقليم يعتبرها وحدة احتياطية للتحول من المفاوضات في أستانا وجنيف أي التحول من التسوية السياسية في سوريا إلى سيناريو عسكري من أجل الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد .. فهل هذه هي الحقيقة ؟؟

مما سبق ومن المعطيات المتوفرة يمكننا وصف التصعيد الأمريكي بالنقلة النوعية في المشهد الميداني السوري. وفي هذا السياق أكدت وزارة الدفاع الروسية أن من المخطط له القيام قريبا بسلسلة من الإجراءات لتعزيز فعالية منظومات الدفاع الجوي للجيش السوري لضمان حماية المنشآت الحيوية للبنية التحتية في سوريا، لكن اللافت كان التالي :

أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن الضربة الأمريكية نُفذت بين الساعة 3.42 و3.56، انطلاقا من مدمرتين أمريكيتين متواجدتين في مياه المتوسط قرب سواحل جزيرة كريت، وأن 23 صاروخا من طراز توماهوك فقط من أصل 59 ، أصابت قاعدة الشعيرات السورية في ريف حمص، مضيفة أنه يجري حاليا البحث عن 36 صاروخا آخر .. فأين اختفت هذه الصواريخ ؟؟

في الحقيقة أسفرت الضربة الأمريكية عن مقتل 4 عسكريين سوريين، فيما ما زال عسكريان آخران في عداد المفقودين .. بالإضافة إلى ذلك، أصيب 6 عسكريين آخرين بحروق في أثناء مشاركتهم في إخماد الحرائق التي نشبت جراء سقوط الصواريخ الأمريكية .. وهو ما يعني بحسب وزارة الدفاع الروسية أن "الفعالية القتالية للضربة الأمريكية المكثفة على القاعدة الجوية السورية متدنية للغاية" .. إذاً لماذا جاءت الضربة ؟؟ هل لخرق مذكرة التفاهم الروسية الأمريكية الموقعة في 2015 لضمان سلامة التحليقات في سماء سوريا والحيلولة دون وقوع حوادث غير مرغوب فيها، كما حصل؟؟ أم لكبح جماح الرؤوس الملتهبة داخل الولايات المتحدة ولدى حلفائها في الشرق الأوسط ؟؟ وما هي ماهية النقلة النوعية التي نتحدث عنها؟؟

أسئلة كثيرة جدا لكن الجواب حتى اللحظة واحد .. وواشنطن اتخذت بكل تأكيد القرار بتوجيه الضربة مسبقا، أما الأحداث في بلدة خان شيخون فأصبحت ذريعة ظاهرية لاستعراض العضلات. فمثل هذه العمليات يتطلب إجراء حزمة واسعة من عمليات الاستطلاع والتخطيط وتوزيع المهمات ووضع الصواريخ في حالة الاستعداد لإطلاقها..  وعليه بعيدا عن شاشات الإعلام المتناقضة مع الموضوعية والتي تقوم بتلبية طلبات مموليها .. الأيام المقبلة ستمحو غبار الضربات الأمريكية وستظهر النتائج الحقيقية والتي ستكون مفاجئة للكثيرين ولن تكون كما تشتهي سفن البعض، فصواريخ توماهوك المجنحة لا تختفي هكذا .. هذا إلا إذا قرر الرئيس الأمريكي الجديد المضي قدما في إثبات رجولته أمام من يتهمه بالتقاعس والموالاة لروسيا .. وهنا لن تقف موسكو مكتوفة الأيدي ولن تسمح بتكرار سيناريوهات العراق وليبيا وقائمة الجرائم الأمريكية تطول ..