ويبدو أن زيارة مسؤول روسي لعمَان والرياض تمهد على ما يببدو لزيارات ملكية لموسكو في الأسابيع القليلة القادمة ولزيارة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين للشرق الأوسط الذي من المتوقع أن يقوم بزيارة إلى سوريا مع نهاية هذا العام. وتأتي زيارة بهذه القوة عقب توتر دبوماسي لم يسبق له مثيل بين الدولتين العظميين وهو الأقوى والأشد منذ الحرب العالمية الثانية والتي قد تفضي إلى تحالفات جديدة وتغيرات جيوستراتيجية بناء على المصالح المستقبلية لا على أساس الصداقات القديمة.

المتابعون لإيقاع السياسة الروسية في المنطقة والعالم يرون أن موسكو لا تسعى للعب دور الولايات المتحدة الأميركية أو تبادل الأدوار معها ولكنها أي روسيا تريد إثبات أنها قوة لا بد من أن يحسب الجميع حسابها. فمن حيث الأهمية نرى تركيز روسيا اليوم منصباُ على دعم  صمود “اتفاق عمان” بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية والأردن بعد أن وقعت الدول الثلاث في الأول من (يوليو) على تخفيض  التصعيد في منطقة جنوب غرب سوريا وزيادة رقعة تلك المنطقة بما يضمن عدم وجود قوات ميليشوية أو إيرانية على طول الحدود الأردنية بمسافة تصل إلى أكثر من 40 كم داخل الحدود السورية. ولن تقتصر زيارة لافروف إلى كل من عمَان والرياض على بحث سبل وقف الاقتتال في سوريا بل سبل حل الخلاف الخليجي مع قطر نظراً لقرب موسكو من أطراف الصراع ولعلاقة التطورات الأخيرة في الصراع الخليجي بالوضع السياسي في سوريا ما يعني ضمناً أن الأردن بات يؤيد توسع وتمدد الجيش السوري إلى الحدود الأردنية حيث طلبت عمًان من الجيش الحر والألوية المنضوية تحته من أسود الشرقية وأبناء العشائرإلى تسليم المناطق الحدودية للجيش السوري وفي هذا اعتراف ولو رمزي ومبدئي بشرعية النظام السوري وصلاحيات الجيش السوري في الدفاع عن الأرض السورية ووحدتها.

ولما كان الأردن من أشد المؤيدين لفتح حدوده مع كل من العراق وسوريا نظراً لأن كلتا الدولتين تمثلان شريان الحياة ورئتها بالنسبة لكثير من الأردنيين الذي عانوا الأمرين من جراء فقدان الجيشين العراقي والسوري السيطرة على منافذهما الحدودية ما أثر سلباً على الواقع الاقتصادي في الأردن فإن توسيع رقعة مناطق خفض التصعيد تعني بالنسبة للأردن زيادة الضمان والطمأنينة قبيل إعادة فتح حدود جابر- نصيب مع سوريا قبيل انتهاء هذا العام مع انتهاء معركة دير الزور التي ستحدد معالم شرق أوسطية جديدة.

تبدو جولة لافرف في المنطقة بمثابة تدخل موسكو بمستقبل الشرق الأوسط وعدم الرضوخ كما كان عليه الوضع إبان حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين أو الرئيس الليبي معمر القذافي والتسليم لواشنطن بزمام الأمور.فموسكو اليوم هي الطرف الوحيد الذي يلعب سياسياً على حبال كل من سوريا والصراع الخليجي ويزاوج بينهما إذ ترى الدبلوماسية الروسية أن لا حل للصراع الخليجي القطري دون حل  للصراع السوري وأن لا حل للصراع السوري دون حل الأزمة الخليجية. لذلك يعتبر الكثير من المحللين السياسيين والأمنيين أن زيارة لافرف لكل من  عمًان والرياض ما هي إلا استكمال للحلقة المفقودة مع اللاعبين الإقليميين في الشأن السوري والخليجي ( الأردن والسعودية)، مشيرين إلى أنه قد يتشكل تحالف بين دول ويختفي تحالف آخر قائم.  فالأردن أبدي رغبة في عودة العلاقات بين عمَان ودمشق إلى مجاريها. وهذا يعني وبلا أدنى شك أن هناك طلباً إردنياً من روسيا  لضمان فتح المعبر مع الجانب السوري مع مراقبة الروس للحركة على الحدود الأردنية السورية ولو بشكل مؤقت لحين عودة الأمن والأمان إلى كافة ربوع سوريا.

هذا الترتيب مقدمة أساسية لاستتباب الوضع على الحدود الجنوبية لسوريا مع الأردن إذ من المفترض أن تعقبه تفاهمات وإجراءات باتجاه العمل على فتح معبر جابر-نصيب، عقب فتح معبر طريبيل- الكرامة مع العراق على التوجه بهذا الاتجاه بما يهيئ الظروف لاستعادة النشاط الاقتصادي وتمكين حكومة بغداد ودمشق من تحمل عبء السيطرة الكاملة على حدودهما بعدما استمر الأردن في تحمل جزء مرهق من هذا العبء.

زيارة لافروف لعمَان والرياض والدور الروسي في الشرق الأوسط

د. شهاب المكاحلة

الوطن: ١٠-٩-٢٠١٧