يعتبر الدكتور عمار علي حسن أن الفاطميين سعوا لجلب المتصوفة من أرجاء العالم الإسلامي من أجل تثبيت شرعيتهم وإبعاد الناس عن السياسة بالإغراق في الزهد واختلاق المناسبات التي تشغلهم عن الحكم وإقامة القبور على أضرحة بعضها وهمي ، على حد تعبيره ، لشخصيات لها مكانتها في نفوس المصريين[8] .
   والواقع أن ما ذكره الدكتور عمار علي حسن ليس تاريخياً على الإطلاق فالفاطميين كان لهم أيدولوجية مذهبية خاصة كانت هي الشرعية الأساسية بالنسبة لهم كأئمة لمذهب شيعي ، وهي التي سعوا لترويجها بين الشعب المصري ، ولم يكن المتصوفة المتواجدين بمصر ضمن المؤيدين للدولة المصرية ، بل أن بعضهم كان يضمر لها العداء سراً مثل أبو عمرو عثمان بن مرزوق القرشي (ت/ 564) ، الذي ذكر الباحث أن الفاطميين كلفوه بتربية مريدي الصوفية وتنظيمهم في طوائف وطرق لنشر المذهب الشيعي[9] ، متناسياً أنه بالأساس كان فقيهاً حنبلياً[10] ، وقد نقل عنه المقريزي في اتعاظ الحنفا عدائه السري للفاطميين وكان المحرض للقائد الكردي السني شيركوه لغزو  مصر بعد أن تنبأ له بامتلاكها ، بالإضافة للشيخ محمد بن إبراهيم الأنصاري الكيزاني الشافعي (ت/ 562)[11] وهما الفقيهين المتصوفين الذين التقى بهما القائد الكردي في زيارته الأولى لمصر .
   لقد ذكر الباحث من ضمن أدلته بترويج الفاطميين للتصوف أن الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله قاد بتجديد قصر القرافة وأقام بداخله مصطبة للصوفية ، وكان يجلس بالطابق العلوي ويرقص الصوفية أمامه بالمجامر[12] ، وهو لا يعد ترويجاً للصوفية بقدر ما هو نوع من رغبة الخليفة في اللهو ، وهنا نشير إلى أن المتصوف عثمان بن مرزوق القرشي والذي كان يعد من كبار الصوفية المقيمين في مصر أثناء الدولة الفاطمية لم يتجاوز عدد تلامذته المنخرطين في طريقته خمسمائة تلميذ[13] كما أشار الشعراني ، مما يدل على أن التصوف لم يكن له تواجد حقيقي بمصر في تلك الفترة ، ولو تبنته الدولة الفاطمية بالفعل لكان له جماهيرية أكبر كما حدث في العهدين الأيوبي والمملوكي .
   ويبدو أن التصوف بصورته الطرقية كان قد بدأ يتشكل باستحياء في النصف الثاني من الدولة الفاطمية والتي شهد تراجعها وبداية سقوطها حتى من الناحية المذهبية بعد الانشقاق الذي قاده النزارية وأدى لضعف الدعوة الشيعية الإسماعيلية ، وقد تلاه إنشقاق آخر تم في عهد الخليفة الحافظ لدين الله ابن عم الخليفة الآمر ، بعد أن أعلن نفسه خليفة متجاوزاً قواعد الإمامة الشيعية المقرر كونها في الأعقاب ، ومنكراً وجود نسل لسلفه الآمر ، بينما أكد الشيعة الإسماعيلية في اليمن بقيادة آل الصليحي أن للآمر ابن وأطلقوا عليه الإمام الطيب[14] .
   والملاحظ هنا أن الباحث يسعى بكل تعسف لمحاولة الخلط بين التصوف كإتجاه سلوكي وبين المذهب الشيعي ، عبر تبني الرأي بالتشابه بين الصوفية والتشيع نظراً لاتفاقهما على تقديس الأئمة من أهل البيت[15] ، وهي مقولة مغلوطة من الناحية التاريخية ، فاعتقاد الشيعة بخصوصية الأئمة من أهل البيت أدى لاعتقادهم بضرورة إتباعهم والبراءة من أعدائهم ، نظراً لأن هذا الاعتقاد يرتبط بالشقين الديني والسياسي ، بينما كان ارتباط الصوفية بأهل البيت سلوكياً وروحياً فقط ، وبالتالي فلم ير الصوفية مشكلة في إظهار تقديسهم لأهل البيت وكذلك تقديس شخصيات أخرى في التراث الإسلامي لم تكن علاقتها بأهل البيت جيدة ، وبينما أقتصر الشيعة على تقديس الأئمة العلويين من أهل البيت المنصوص عليهم بالإمامة ، لم ير الصوفية بأساً في وصول الكثير من غير الأئمة العلويين لمرتبة الولاية والقطبية .
   وبالرغم من أن الوسط الشيعي إنتشرت به كذلك طرق واتجاهات صوفية ، فقد كانت أكثر ثورية وإيماناً بالعدالة الإجتماعية من نظيرتها السنية وبالتالي فقد تبنت نوعاً من الاشتراكية الأخوية المثالية والإيجابية السياسية كما يشير المستشرق الروسي بتروشوفسكي[16] .
   على أن تقديس الأئمة العلويين لا يعد أصلاً راسخاً من أصول التصوف ، فالملاحظ أن مشايخ الصوفية في مصر في الفترة السابقة على الدولة الأيوبية لم يرتبطوا بالنسب العلوي ، ولم يعتقدوا بخصوصية ما للسلالة العلوية ، ولم يبدأ الصوفية في النظر بخصوصية لأهل البيت إلا عندما أصبح النسب العلوي جزءاً من التأسيس لأي طريقة صوفية في فترة لاحقة ضمن محاولات الاحتواء التي كانت الدولتين الأيوبية والمملوكية تقومان بها في مواجهة الطوائف الشيعية المتواجدة بمصر وخاصة في الصعيد[17] .
   لقد كان على الباحث عمار علي حسن أن يتساءل عن سبب عدم وجود أي تكايا أو خانقاوات للصوفية في مصر طوال العهد الفاطمي لو كان للتصوف تواجداً حقيقياً أو لو كانت الدولة تسعى للترويج له كما تم لاحقاً ، ومثل هذا الإهمال لإنشاء أي مؤسسات تخص التصوف إنما يشير إلى أنه لم يكن له تواجد ملموس بمصر ، كما أن الدولة الفاطمية لم تهتم كثيراً به كإتجاه سلوكي إلا بما يتعلق بإجادة أتباعه لنوع من الرقصات اعتبرت وسيلة لهو دون النظر لمدلولاتها الروحية .
   لقد كان العهد الأيوبي هو بداية تبني الدولة المصرية للتصوف كأحد المظاهر الرسمية للتدين في مصر ، وكانت البداية من قيام صلاح الدين الأيوبي مؤسس الدولة بتحويل دار سعيد السعداء إلى خانقاه لتجمع الصوفية ، وهو ما يعد إشارة واضحة لسياسة الدولة في جلب المتصوفين لمصر بأعداد كبيرة ليس فقط بهدف نشر التصوف ، وإنما في محاولة لمواجهة الانتشار الكبير للتشيع في مصر والذي اعتبرته الدولة الأيوبية ذا خطورة على بقائها واستقرارها .
   إن الملاحظ أن كل الأولياء المعروفين في مصر قد قدموا إليها فيما بعد تأسيس الدولة الأيوبية وسعيها الواضح لتمرير التصوف الطرقي كمعتقد أساسي في مصر بالتوازي مع تبنيها لنمط الإقطاع العسكري (الأجنبي)[18] في الإنتاج ، ومثل هذا الإرتباط الملحوظ بين التصوف الطرقي والإقطاع العسكري شمل العالم الإسلامي بشكل عام ، وذلك في إطار السعي للقضاء على الانتشار الشيعي ، بشقيه التجاري الإسماعيلي ، أو الفلاحي الإثنى عشري ، ذو الطبيعة المناقضة للإقطاع عموماً من الناحيتين الاجتماعية والسياسية . 

في كتابه عن ثورة الفلاحين في ألمانيا أشار فريدريك أنجلز إلى وجود هذه الحالة الواضحة من الصراع الطبقي والذي يتخذ كذلك مظهراً دينياً ، فإذا كانت السلطة الإقطاعية في أوروبا بالعصور الوسطى قد احتمت بتعاليم الكنائس الرسمية ، فإن المعارضة لها عبرت عن نفسها بتعاليم دينية ثورية من الناحيتين السياسية والاجتماعية اتهمت بالهرطقة : " ومن الجلي أنه كان لابد في ظل هذه الظروف من أن تكون كافة الهجمات العامة ضد الإقطاعية وخاصة الهجمات ضد الكنيسة وكذلك كافة التعاليم الثورية السياسية والاجتماعية هرطقات لاهوتية . وكان يجب تجريد الأوضاع الاجتماعية القائمة من هالتها القدسية قبل أن يمكن مهاجمتها "[19] .
   فانتشار التصوف في مصر إذن لم يكن مبكراً كما يتصور بعض الباحثين ، كما لم يكن دعماً للتشيع أو للدولة الفاطمية الشيعية ، وإنما كان في فترة لاحقة لسقوط الفاطميين ومثل النقيض الطبقي والأيديولوجي للتشيع بمذاهبه المتنوعة ، وسعي الصوفية إلى الارتباط بالنسب العلوي وتقديس أئمة أهل البيت العلويين ، كان ضمن محاولة الدولتين الأيوبية والمملوكية سحب الشرعية العلوية من المذاهب الشيعية[20] .
 

[1] الكندي . ولاة مصر . نسخة إلكترونية – موقع مكتبة المصطفى www.al-mostafa.com . ص 80 .
[2] كامل مصطفى الشبيبي . الصلة بين التصوف والتشيع . طبعة دار الأندلس . بيروت 1982 . ج1 . ص 138 ، 202 ، 363 . من الملاحظ أن هذه الشخصيات التي إنتمت للتصوف ولصناعة الكيمياء في مصر ، يربط بينها رابطين ، الأول التأثر بجابر بن حيان ، والثاني هو الانتماء لمدينة أخميم .
[3] محي الدين بن عربي . الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري . تحقيق / سعيد عبدالفتاح . طبعة دار الانتشار العربي . بيروت 2002 . ص72 . الاتهام بالزندقة كان في الأحيان إشارة لاعتناق آراء دينية إسلامية معادية للسلطة السياسية القائمة ، ويبدو أن سبب القبض على ذي النون المصري هو ارتباطه ببعض آراء جابر بن حيان .
[4] عبدالحليم محمود . العالم العابد العارف بالله ذو النون المصري . الطبعة الثانية . ط دار الرشاد . القاهرة 2004 . ص 129 .
[5] عمار علي حسن . التنشئة السياسية للطرق الصوفية في مصر . الهيئة العامة لقصور الثقافة . ط 2 . القاهرة 2011  . ص 144 ، 145 .
[6] بتروشوفسكي . الإسلام في إيران . ترجمة / دكتور السباعي محمد السباعي . الطبعة الخامسة 1999 (بدون ذكر دار النشر) . ص345 – 348 ، 357 ، 360 – 368 .
[7] أحمد صبري السيد علي . المهمشون في التاريخ الإسلامي . مجلة أدب ونقد . عدد 249 . القاهرة مايو 2006 . ص 34 .
[8] عمار علي حسن . م . س . ص 145 .
[9] من الغريب أن يتورط الباحث في مثل هذا الخطأ دون محاولة لمراجعة المعلومة التي نقلها عن أحمد صبحي منصور في كتابه السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة ، وهو باحث موتور في تناوله للتصوف ولا يتكلف اقل قدر من العلمية والمنهجية في كتبه .
[10] ابن رجب الحنبلي . الذيل على طبقات الحنابلة . موقع http://library.islamweb.net/ (6/8/2014) . وفيات المائة السادسة . ترجمة عثمان بن مرزوق بن حميد بن سلام القرشي الفقيه العارف . ومن الملاحظ مدى التقدير الذي يحظى به هذا الشيخ لدى الحنابلة وحتى المتشددين منهم مثل ابن تيمية الذي كان من أشد أعداء الصوفية .
[11] تقي الدين المقريزي . إتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا . تحقيق / الدكتور محمد حلمي محمد أحمد . مجموعة الذخائر 60 . الهيئة العامة لقصور الثقافة . القاهرة 1999 . ص 265 ، 272 .
[12] عمار علي حسن . م . س . ص 145 ، تقي الدين المقريزي . م . س . ص 131 .
[13] أحمد صبحي منصور . السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة . موقع أهل القرآن http://www.ahl-alquran.com(19/3/2014) . ومن الغريب أن أحمد صبحي منصور يتهم فقيهاً حنبلياً كابن مرزوق بالتشيع المستتر بالتصوف ، بينما يتهم الكيزاني الشافعي بالتسنن المستتر بالتصوف دون توضيح للمعيار الذي اعتمد عليه أثناء توزيعه لهذه الاتهامات .
[14] المقريزي . م . س . ج 3 ص 136 ، 147 . الداعي إدريس عماد الدين القرشي . زهر المعاني . تقديم وتحقيق / الدكتور مصطفى غالب . المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع . الطبعة الأولى . بيروت 1991 . ص 258 ، 259 ، 264 ، 265 .
[15] محمد فهمي عبداللطيف . السيد البدوي ودولة الدراويش في مصر . مكتبة الدراسات الشعبية . القاهرة 1998 . ص26 – 28 .
[16] بتروشوفسكي . م . س . ص 358 ، 359 .
[17] أبي الفضل كمال الدين جعفر بن ثعلب الأدفوي . الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد . تحقيق / سعد محمد حسن ، مراجعة : طه الحاجري . الدار المصرية للتأليف والترجمة . القاهرة 1966 . ص34 ، 37 ، 38 ، 39 ، 41 . شمس الدين الدمشقي . نخبة الدهر في عجائب البر والبحر . طبعة بطرسبورج 1865 . ص233 .
[18] اعتمدت الدولة الأيوبية في تكوينها للجيش على العناصر الكردية والتركية ، وبالرغم من أن هذا الطابع لم يكن جديداً على مصر فإن الدولتين الأيوبية والمملوكية تميزتا بالحرص على عدم استخدام المصريين في الجيش ، ورفض عناصرهما العسكرية التمصير والاندماج في الواقع المصري ، على عكس الكيانات السياسية السابقة . وقد تشكلت لاحقاً شريحة إجتماعية مميزة من المماليك الذين تصاهروا مع المصريين وسميت سلالتهم بـ " ولاد الناس " ، تمييزاً لها عن كل من العنصرين المملوكي والمصري . ويستخدم المصريون هذا التعبير حتى الآن لوصف الشريحة الأعلى من الطبقة الوسطى .
[19] فريدريك أنجلز . حرب الفلاحين في ألمانيا . تعريب / محمد أبو خضور . طبعة دار دمشق (بدون ذكر سنة الطبع) . ص 47 .
[20] من الضروري الإشارة إلى أن المقصود من هذه النتيجة هو التصوف الطرقي وهو الشكل الرجعي للتصوف وليس المقصود التصوف كتعاليم وسلوك .

أحمد صبري السيد علي

المنصورة 4 أكتوبر 2017