في كتابه "الذات في الفكر العربي الإسلامي"، يبحث محمد المصباحي في التراث العربي الإسلامي، الفلسفي والصوفي والكلامي، عن عناصر معرفية، وتجارب وجدانية، كتلك التي كانت وراء الانقلاب الفلسفي الذي دشن الحداثة الفكرية، وأعطى الأصالة للذات الفردية بصفة نهائية وجازمة على حساب الذات العامة، ممثلا في عبارة ديكارت "أنا أفكر إذا أنا موجود".

مواطنة ضد السياسة

شغف ابن باجة بالأنا الفردية دفعه إلى ابتكار علم جديد خاص به هو «تدبير المتوحد»، في مقابل "تدبير الاجتماع البشري"، ومهمته الدفاع عن استقلال الفيلسوف الفكري التام عن محيطه، وتحرره من كل ما من شأنه أن يجعله خادما لغيره، فعليه مصاحبة نظرائه من أهل الحكمة والعلم مهما تباعدت المسافات والأزمنة واختلفت الملل والنحل.

لا يُخفي ابن باجه نفوره من المجتمع، وكل ما يتصل به، لأنه يشوش على مشروع الفيلسوف المتمثل في تجاوزه ذاته الأصلية نحو ذات عليا، ولم يشأ أن يقرأ سيكولوجية الفرد وأخلاقه ومصيره في مرآة الدولة كما فعل أفلاطون، ومن بعده الفارابي وابن رشد، بل عمل على فك الارتباط بين الفرد والبنية العامة للمدنية، بحيث يمكن للفيلسوف الفاضل الكامل العيش في مدينة ناقصة، دون التأثر بها.

وإن كان الاجتماع المدني شرطا ذاتيا لوجود الإنسان، فإن العزلة أمر اضطراري كاضطرار المريض الى تناول الدواء المر. ولم يكن التدبير بحكم ارتباطه بالمتوحد متوجها نحو توفير الشروط الضرورية لنيل السعادة المدنية، بل من أجل خدمة الذات لنيل سعادتها الخاصة، ممثلة في الاتصال بالعقول المفارقة.

المصباحي يرى في مشروع ابن باجة الفلسفي "تدبير المتوحد"، تبشيرا بالمواطنة الفلسفية المتعالية على الوطن والزمان والانتماء المذهبي والعقائدي، عبر خطاب جديد للوجود السياسي المنتصر للوجود المعرفي المطلق، ودعوة لتربية المواطن خارج حيزه السياسي والتوجه إليه باعتباره طاقة عقلية خالصة وقيمة وجودية غير قابلة للمداولة في سوق السياسة.

ذات خارج السياسة والاجتماع

في قصته حي بن يقظان يبدو ابن طفيل غير مقتنع باستراتيجية «تدبير المتوحد» عند ابن باجة إذ بقيت اسيرة العقل، رغم استغنائها عن المدينة بكل ما تقتضيه من مواطنة ومن خدمة للأغيار. وعبر حالة توحد شبه مطلقة، تبدو سابقة على الحالة الطبيعية التي وصفها أصحاب العقد الاجتماعي، يتوفر للذات شرط التحرر من أي تأطير لغوي أو اجتماعي أو سياسي أو عقدي، فيمضي حي باحثا عن ذاته.

يتعرف عليها أولا بوصفها جسدا، ثم بوصفها عقلا، لكنه لم يقنع بهذه الأنا المفكرة التي تشوش عليه حين تفرض نفسها في أثناء إدراكه المطلق، فخاض تجربة وجودية مناهضة لمنهجية العقل في فصل الذات عن الموضوع، ليحقق ذاتا متحررة من ثنائيتها، وقادرة على الفناء عن نفسها في الموضوع الشريف (مبدأ الوجود). هنا ينتصر النفي على الاثبات، وتفضيل متعة المحو على طمأنينة الإثبات، وإيثار غياب الذات في الأحدية على حضورها في الوجود.

هكذا يتوصل حي إلى ذاته الكشفية بوصفها طورا فوق طور العقل، فينتقل من لحظة الذات إلى ما بعد الذات. إنها جدلية الكشف والتجلي عما هو بشري وطبيعي، لمصلحة ما هو لا طبيعي ولا بشري.

رهان ابن طفيل من وراء هذا البحث الدرامي عن الذات، والتخلي عنها في الوقت نفسه، هو الفوز بالسعادة الروحية الدائمة التي لا تتحقق إلا بنبذ الطبيعة والدنيا والحياة، وما يتصل بهما. وفي نهاية المطاف، يجد في طريق المشاهدة الكشفية بدلا من طريق النظر العقلي، السبيل الوحيد للتخلص من عيبين: عدم الدوام، وعدم الإخلاص في الفناء.

هكذا يطيح ابن طفيل بالتعريفين الفلسفيين الشهيرين بأن «الإنسان حيوان ناطق« وأنه «مدني بالطبع». يقوّض الأول حين ي ينكر أن يشكّل البدن أحدى حقيقتي الذات البشرية، وهي الحياة، وأن يمثل العقل الحقيقة الأخرى لها، وهي العلم النظري. ويقوّض الثاني بالهجوم على المدنية (السياسة) لعدم تجاوب أهلها وقادتها معه، وعجزه عن إصلاحها، وبإمكان الإنسان أن يكتشف الصفات البشرية والإلهية كلها دون أن يكون جزءا من المدينة.

حدود العقلانية الإسلامية

أسهمت العقلانية الفلسفية في تحويل الانسان من فرد إلى ذات عاقلة، وأسهمت العقلانية العمرانية في تحويل الذات العاقلة إلى ذات عمرانية تاريخية. لكن، هل أدى ذلك إلى بلوغ الغاية القصوى على صعيد بناء الذات؟

انتهى بحث الغزالي عن"الحق"الذي بناه بتساوقه مع العقل، إلى القول بـ "تعدد الحق"، إلا أن ذلك لم يكن اعترافا بـ"حق الاختلاف"، إذ سرعان ما يعود الغزالي إلى التمسك بوحدة "أهل الحق" (أهل السنة في نظره). وحين تنتقل الإشكالية من الدفاع عن الحق إلى الدفاع عن أهله، تتوقف عن الاشتغال طرائق المجادلة بالموعظة الحسنة، وتبدأ سلسلة من التصرفات التمييزية تصل إلى حد المطالبة باستعمال السيف ضد الخارجين عن أهل الحق ومجتمعهم.

أما الحق العملي المندرج تحت أخلاق الحق عند الغزالي، فلم يكن، بحسب المصباحي، نتيجة صراع الفرد مع الدولة أو المجتمع، بل ثمرة انتصار الإنسان، ممثلا بالعقل، على نفسه، بتحرره من شهواته وغرائزه وأهوائه المتصلة بجسمه ودنياه، هذا التحرر ليس إلا مقدمة لتحقيق العبودية لله. يخلص المصباحي إلى أن الغزالي لم يفكر بالحق بما هو حق بل نظر إلى الحق بما هو حق ديني.

عند خصمه الفكري ابن رشد، يخلق الفعل العقلي الذات، ولما كان هذا الفعل صادرا عن العقل، فإن العقل هو الذات البشرية، لكن لها جهتين: جوهرية هي العقل، وإضافية تبدو فيها الذات فعلا معرفيا لا تعي ذاتها إلا عبر معرفتها الموضوع، أو أنها لا تدرك ذاتها إلا من خلال غيرها، خلافا لما ذهب إليه ابن سينا وابن طفيل، وحتى هيغل، من أن الذات تدرك نفسها بنفسها، أو أنها تدرك نفسها متى استقلت وانفصلت عن غيرها.

يحاول ابن رشد اثبات وجه خاص من الذات هي "الذات المؤمنة"، واضطر للتمييز بين نوعين من الإيمان، إيمان العلماء الكامل الذي يَعلَم الصانع بأفضل الصنائع، وهي صناعة البرهان، وإيمان عام هو إيمان الجمهور الذي لا يحتاج إلى استعمال صناعات العقل لمعرفة الله، والامتثال لأوامره. والغاية حصر الفهم العقلي للدين في أهل العلم والفلاسفة.

صحيح أن الدين أصبح مع ابن رشد موضوع نظر فلسفي، إلا أن المصباحي يؤكد على وجوب الاعتراف أن ابن رشد لم يتناول الدين تناولا موضوعيا مستقلا عنه، بل كما لو كان يشكل ذات ابن رشد العميقة. فلم ينظر إلى الدين في ذاته، بغض النظر عن هذا الدين أو ذاك، كما سيفعل فلاسفة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بل نظر إلى الدين بوصف إسلاماً، أي أفضل الأديان إطلاقاً.

إن تعامل ابن رشد مع النص الديني لم يكن بحياد الفيلسوف، وموضوعية العالم، بل بالتزام المتدين العقلاني الذي يدافع عن براءة الدلالة الأصلية للشريعة الأولى، وعن وحدة الأمة حولها، فكان ينطلق من الإيمان لينتهي إلى الإيمان، ويملأ المسافة الفاصلة بينهما بالعقل.

أما مع ابن خلدون فكان "علم العمران البشري" رؤية مستحدثة للكون، محورها الإنسان ككائن تاريخي، يحوّل الطبيعة إلى عمران بإدراكه ذواتها وأفعالها وأسبابها الذاتية. هذه مهمة الإنسان ككل، أي عقلا وجسما متصالحان فيه، فالعمران وما يتبعه من حضارة نتيجة العقل، لكن العقل المتصل بالجسم لا المنفصل عنه عمليا وأنطولوجيا. ورغم اعترافه بقدرة العقل على معرفة الطبيعة، الا أنه يشكك بأن تكون تلك المعرفة مطابقة للوجود كما هو موجود، لأن العقل غير قادر على الإحاطة بأسباب الوجود وأطواره كلها.

لم يقصد ابن خلدون من القول بحدود العقل البرهاني جعله يتخفف من عبء مالا يستطيع إدراكه، ليتفرغ للتشريع للطبيعة والإنسان كما فعل كانط، وإنما فتح الباب على معرفة أخرى متحررة من الزمن والسببية والمقولات والعقل. ولم يكن إقراره بالقول بمحدودية عالم الطبيعة والإنسان حبسه في نطاقهما كي يكون فاعلا، كما فعلت الحداثة الأوروبية، بل دعوة كي يتطلع الانسان إلى ما وراء تلك الحدود.

ورغم أن ما اكتشفه ابن خلدون كان مدوّيا وهائلا، كما كان الحال مع ديكارت في نهاية القرون الوسطى، ونيتشه مع نهاية المثالية الألمانية، وهايدغر في نهاية الميتافيزيقا الغربية، ودريدا في نهاية الحداثة، والتأويلية في نهاية العقل والأنطولوجيا، إلا أن ابن خلدون جاء في نهاية لا تتطلع إلى بداية جديدة، فقانون العمران الذي اكتشفه لم يمنح الحضارة العربية الإسلامية فرصة لتستأنف وجودها من جديد.

من الأنا إلى الـ "لا أنا"

بانطلاقهم من مسلمة نفي العقل وإنزاله من عرشه المعرفي، والالتحاق بالوجدان العرفاني، طمع المتصوفة إلى نفي الذات للوصول إلى ما بعد الذات. هنا يتخذ الفناء معنى آخر يفضي إلى ذوبان الذات واستغراقها في الموضوع (الله)، فتتوقف نفس الإنسان أن تكون غير الهوية الحق. فهل كانت إجابة التصوف عن سؤال الأنا تمهد للتأسيس لذات حضارية؟

يرى المصباحي أن التصوف بطبيعته مضاد لمظاهر الحضارة، لأن تجربة الآحاد المحظوظين من الناس هي نعمة يمن الله بها على من اصطفاه من عباده، وليس تجربة جماعية أو مجتمعية أو مدنية، فلا يأبه المتصوف بالمجتمع، ولا بالدولة، وما يتصل بها من سلطة وأبهة ونفوذ، فالعارف ينشد لذة الفناء لا مباهج الحضارة.

وإذا كان العلم العقلي يبني الحضارات والمجتمعات، ويحل المشكلات التي تثيرها الطبيعة في وجه الإنسان تباعا، بناء على رؤية سببية تروم الاستفادة من المعرفة لبناء صناعات وتقنيات تحفف عناء الإنسان، فإن موضوع العلم الصوفي التلذذ بمعرفة الحق، وما يتصل به من عبادات ومعتقدات وعوالم غيبية، فهو موجود بذاته لا لمآرب نفعية تخدم الدنيا.

صحيح أن هناك أخبار عن كرامات لكبار المتصوفة، أثّرت في مجرى الطبيعة، كشفاء مرضى، أو انتصارات في معارك، أو سقوط انظمة استبدادبة...، إلا أن هذه الكرامات، كما يؤكد المصباحي، تبقى نادرة، ولا تخضع لحتمية، ولا تأسس علما عقليا، أو صناعات عملية، ولا تبني حضارة مزدهرة، لأن تدخلات هؤلاء الأولياء تكون بعلم مدني، لا يعطى إلا لمن اصطفاه الله. 

هذه اللاعقلانية الكشفية حاولت تذوق طعم عدمي لحرية ميتافيزيقية مطلقة تذوب فيها الأنا في الـ" لا أنا"

خاتمة:

إحدى النتائج الهامة التي يصل إليها المؤلف، أن مفكرينا حين طرحوا سؤال الذات الإنسانية (سواء أخذت بمعنى الجسم أو العقل أو القلب) قصدوا التحايل عليها، لربطها بالذات المطلقة، وكأنهم كانوا عاجزين عن تصور وجود ذاتين في فضاء وجودي واحد، إحداهما إنسانية بزَمَنها ورغباتها وأشواقها وانفعالاتها وشهواتها وأفكارها وأخطائها ونهايتها، وأخرى إلهية مطلقة ولانهائية بصفاتها المثالية وأسمائها الحسنى.

هذا الموقف من الذات كان ضحية نظرة متعالية للمعرفة قائمة على الشك في العالم، بما فيه الذات، بقواها الإدراكية الحسية. النتيجة المباشرة لهذه الرؤية المعرفية القائمة على الشك في الموجودات كانت تأجيل النظر في الذات السياسية، وبالتالي في موضوع الحرية بماهي حرية فرد مدني بالتعاقد الاجتماعي، وليس بالطبع والطبيعة.

كتاب المصباحي من إصدارات "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" (بيروت: ط1، تموز / يوليو 2017)، يشكل إثراء حقيقيا للمكتبة العربية بالنسبة لموضوعه، ومع صعوبة طرح سؤال الأنا في وقت بات فيه بعضنا لا يملك مقومات الوجود، في ظل ثقافة تقبل التحديث دون الحداثة، وتناوئ الحرية، وتشتم الديمقراطية، وتعاني فيه من فجوة حضارية في علاقتها بالآخر، الذي نضجت لديه إشكالية الذات مبكرا، فانتقل من الذاتية في زمن الحداثة، إلى البينذاتية في عصرنا الراهن، عصر ما بعد الحداثة. إلا أن الكتاب يثير الانتباه إلى اسقاطات ذاك السؤال، وما يتصل به اجتماعيا وثقافيا وسياسيا ووجودياً، بالنسبة لنا، وبالنسبة إلى علاقتنا بالعالم والآخر.

حسام ابوحامد

ضفة ثالثة: ١-١٢-٢٠١٧