تسبب إخفاق الرئيس ترامب في أعقاب حوادث شارلوتسفيل الدموية، في اتخاذ موقف اخلاقي وسياسي قوي ولا لبس فيه ضد المتظاهرين البيض المتعصبين من النازيين الجدد وغيرهم من التنظيمات المتطرفة التي تسببت باعمال العنف، في تعرضه لانتقادات مباشرة وعلنية من بعض كبار مساعديه، وذلك في تطور مفاجئ وغير معهود. يوم الأحد الماضي، قال وزير الخارجية ريكس تيليرسون خلال مقابلة مع شبكة "فوكس" أن العالم يجب أن لا يشكك بالقيم الاميركية والتزام الحكومة بنشر هذه القيم والدفاع عنها. وحين سؤاله "وماذا عن قيم الرئيس؟"، أجاب تيليرسون دون تردد "الرئيس يتحدث نيابة عن نفسه". ولتأكيد موقفه المختلف عن موقف ترامب الأولي الذي بدا وكأنه يساوي بين النازيين الجدد والمتظاهرين ضدهم، اضاف تيليرسون "لقد ادليت بتصريحاتي حول قيمنا في خطاب القيته في وزارة الخارجية الاسبوع الماضي". وقبلها بيومين انتقد المستشار الاقتصادي للبيت الابيض غاري كوهين علناً رد ترامب على عنف شارلوتسفيل، بعد تسريبات للصحف أوحت بأنه يعتزم الاستقالة، قائلاً ان ترامب "يجب ان يفعل أفضل مما فعل لجهة إدانته التي لا لبس فيها وبشكل مستمر" للعنصريين الذين يؤمنون بتفوق البيض والنازيين الجدد. وتعرض كوهين وهو من أبرز مساعدي ترامب اليهود، الى انتقادات حادة من شخصيات ومنظمات يهودية لانه لم يقدم استقالته لترامب بعد تردد التأخير في ادانة النازيين الجدد الذين كانوا يرددون شعارات معادية لليهود خلال تظاهرات شارلوتسفيل. ولو استقال كوهين، لكانت استقالته قد تسببت في توتر في الاسواق المالية في نيويورك، وهو المعروف جداً في هذه الاوساط. وفي تصريحات فسرت على انها دحض لمواقف ترامب، قال وزير الدفاع جيمس ماتيس لجنود اميركيين خلال زيارته الاخيرة للاردن، "بلادنا في هذه المرحلة تواجه مشكلات ليست موجودة في القوات المسلحة. حافظوا على مواقعكم، الى ان تعود بلادنا الى مرحلة التفاهم واحترام الاخرين والتعبير عن ذلك". واضاف ماتيس وفقا لشريط غير رسمي "على الولايات المتحدة أن تستعيد قوة الوحي". وفي اكثر من مناسبة كانت مندوبة الولايات المتحدة في الامم المتحدة نيكي هايلي تناقض علناً مواقف ترامب حول السياسة الخارجية. الناطقة باسم البيت الابيض سارة ساندرز حاولت التقليل من اهمية هذه المواقف من كبار السمؤولين التي فسرها البعض على انها "تمرد" ضد ترامب، وقالت إن الرئيس يشاطر تيليرسون موقفه بشأن القيم الاميركية وان العلاقة بين الرئيس ووزير خارجيته "قوية"، وأضافت ان ترامب سيعمل مع مستشاره كوهين على وضع قانون لإصلاح النظام الضرائبي. ولكن الواقع مختلف وفقاً لتسريبات من البيت الابيض أكدت ان ترامب شعر بغضب كبير تجاه انتقادات تيليرسون وكوهين، ولكنه محبط لانه غير قادر، في هذه المرحلة على إقالة أي منهما، لان لن يكون قادرا على استبدالهما بسرعة، وبخاصة في هذه المرحلة الحساسة. ما هو واضح حتى الآن هو ان بعض كبار المسؤولين في الحكومة بدأوا يتصرفون باستقلالية غير معهودة في الحكومات السابقة. جاءت هذه التطورات على خلفية استقالات او إقالات لعدد من المسؤولين في البيت الابيض خلال الصيف، أثارت من جديد الاسئلة حول مستوى سيطرة ترامب على البيت الابيض. 

وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة لترامب في وسائل الإعلام من أطراف عدة من بينها فاعليات جمهورية، الا ان شريحة ضيقة وتزداد انحساراً لا تزال تؤيده بقوة، وتقلل من اهمية المشاكل التي يواجهها. ويعبر المعلق المحافظ بيل توماس، في حديث مع "النهار"، عن آراء وتطلعات هذه الشريحة من مؤيدي ترامب. ويقلل توماس من أهمية الاستقالات وانتقادات مساعدي ترامب، مضيفاً "هل تذكر الفوضى التي تميزت بها أول ستة أشهر من ولاية الرئيس بيل كلينتون؟ هل تذكر أن عدداً من الذين رشحهم لوزارة العدل تراجعوا لاحقاً بسبب انتهاكاتهم لقوانين الضرائب". وتابع توماس "الاشهر الاولى لكلينتون كانت كارثية، حيث كان يقفز من أزمة الى أزمة. هذه جزء من المشاكل الطبيعية التي يواجهها رؤساء جدد". ويشير توماس الى ان الديموقراطيين وقسماً هاماً من الطبقة السياسية في واشنطن "شككوا بشرعية الرئيس جورج بوش "الابن" في بداية ولايته الاولى لانه لم يفز بالاكثرية الشعبية. ويعتقد بيل توماس الذي وضع كتبا عن العلاقات الاميركية- الروسية وكان يساهم في صحيفتي "الواشنطن بوست" و"بولتيمور صان"، انه بغض النظر عن بعض تصرفات او تصريحات ترامب المثيرة للجدل، "سيحكم عليه الاميركيون الان انطلاقاً من ان مجمل الانتاج الداخلي في الشهر الثامن لوجوده في الحكم قد ارتفع الى 3 في المئة، وهذا أمر لم يتحقق خلال ولايتي اوباما". ويرى توماس ان انتقادات تيليرسون تهدف الى خدمة مصلحته الذاتية، لانه من المتوقع ان يستقيل قبل نهاية السنة. ويكرر توماس، المقولة السائدة في اوساط المؤيدين لترامب من انه ضحية الاعلام الليبرالي الذي تمثله مطبوعات مثل "النيويورك تايمس" و"الواشنطن بوست"، وشبكة التلفزيون "سي أن أن".

ووفقاً لآخر استطلاعات الرأي ومناقشات الناخبين الذين تختارهم مؤسسات استطلاعات الرأي والمعروفة باسم Focus groups، فإن شعبية ترامب تنحسر باستمرار حتى في أوساط الناخبين الذين كانوا أكثر حماسة له، حيث يستخدم هؤلاء في مناقشاتهم كلمات مثل " مشين" لوصف سلوكه، او "مخيب للامال" او قولهم انه غير مؤهل للرئاسة. ونتائج آخر استطلاع لشبكة "فوكس" – التي تؤيد ترامب سياسياً- جاءت محرجة للرئيس الاميركي حيث رأى 56 في المئة من الاميركيين انه "يمزق البلاد تمزيقاً" مقابل 33 في المئة يقولون إنه يوحد البلاد. في اوساط الجمهوريين يرى 68 في المئة ان ترامب يوحد البلاد، مقابل 15 في المئة يقولون العكس و18 في المئة ليسوا واثقين. في المقابل 93 في المئة من الديموقراطيين، و59 % من المستقلين يقولون ان ترامب يمزق البلاد. 

ويشكك انصار ترامب بهذه الاستطلاعات ويشيرون الى ان صدقية استطلاعات الرأي قد تعرضت للانتقادات لانها اخفقت في توقع نتائج الانتخابات الرئاسية. ويشير بيل توماس الى نتائج مغايرة لمناقشات Focus groups نظمتها مؤسسات محافظة. كما يقلل توماس من أهمية انتقادات ترامب لقيادات الكونغرس، ويرى انها تعكس سياسة مدروسة من ترامب. ويضيف "الرئيس يريد من قادة الكونغرس مثل رئيس مجلس النواب بول رايا، ورئيس الاكثرية الجمهورية في مجلس الشيوخ ان يتوقفوا عن المماطلة واقرار بعض خططه مثل إصلاح قوانين الضرائب". ويشير توماس الى ان القاعدة الجمهورية التي لا تزال وراء ترامب تؤيده بقوة، وهي التي تحضر مهرجاناته السياسية، متابعاً "وهو يستخدم هذا الدعم الجمهوري ليقول للجمهوريين المترددين في الكونغرس انه سيستخدم هذه القاعدة ضدهم في الانتخابات الحزبية اذا لم يتعاونوا معه". 

ما هو واضح بعد ثمانية اشهر على وجود ترامب في البيت الابيض ان نمط تعامله مع مؤيديه ومعارضيه راسخ ولن يتغير، وان ممارسته للحكم بواسطة التغريد، واتخاذ القرارات التجريبية او الارتجالية لن يتغير حتى بعد تعيين مدير للبيت الابيض له خلفية عسكرية مثل الجنرال جون كيلي. وما هو واضح ايضا، ان البلاد منهكة سياسيا، وتقفز من أزمة الى أزمة، على خلفية استقطابات سياسية وايديولوجية تزداد رسوخا مع مرور كل يوم مع ما يحمله ذلك من احتمال حدوث اعمال عنف كما رأينا في شارلوتسفيل، ومع استمرار التحقيقات باحتمال تواطؤ مسؤولين في حملة ترامب مع روسيا في تدخلها في انتخابات الرئاسة. ما يريح ترامب والحزب الجمهوري بعض الشيء هو ان الحزب الديموقراطي يفتقر الى القيادات الفعالة القادرة على طرح تصور اقتصادي وسياسي بديل وأفضل وقابل للتطبيق، ليترشحوا على اساسه في الانتخابات النصفية في 2018، والاهم من ذلك فقدان الديموقراطيين لزعيم سياسي شاب قادر نسبياً على تعبئة الحزب وقاعدته المتنوعة وجذب العدد الكافي من المستقلين لاسقاط ترامب في انتخابات 2020. 

هشام ملحم

النهار: ٣١-٨-٢٠١٧