منذ أقلّ من أسبوعين، أصدر المعهد العام للبحث الديني الأميركي (PRRI) دراسة أظهرت أنّ دعم عزل الرئيس إلى تصاعد، خصوصاً خلال الأشهر الستة الأخيرة. وأبدى 40% من الأميركيّين اعتقادهم بوجوب عزل ترامب، بعدما كانت تلك النسبة 30% في شباط الماضي. علماً أنّ شعبيّة ترامب وصلت إلى 38% وهي نسبة متدنّية قياسيّة بالنسبة إلى رئيس أميركيّ لم يكمل بعد عامه الأوّل في البيت الأبيض. (61% للرئيس الأسبق جورج بوش الابن خلال الفترة نفسها). لكن هل تكفي جميع هذه الأسباب لعزل الرئيس الأميركي؟ 

يذكر الدستور الأميركي في الفقرة الرابعة من مادّته الثانية أنّ الرئيس يُعزل إذا وجّه له اتهام نيابي بالخيانة أو الرشوة أو أي جرائم أو جنح خطيرة أخرى وأدين بارتكاب مثل تلك التهم. ولمجلس النوّاب أن يطلق مسار التحقيق فيما يتولّى مجلس الشيوخ المحاكمة وإصدار الإدانة بغالبيّة ثلثي أعضائه. من جهة أخرى، يستند مراقبون إلى التعديل الدستوريّ الخامس والعشرين الذي يشير ضمن أحكام عزل الرئيس الأميركي وخلافته إلى "عجز" الرئيس "عن القيام بسلطات ومهام منصبه"، للتحرّك ضدّ الرئيس الأميركيّ. وينتقد محلّلون الرجوع إلى هذا التعديل من أجل عزل ترامب لأنّ سلوك الأخير غير مشمول أساساً بمندرجات التعديل المذكور.

 

ما الهدف من التعديل الخامس والعشرين؟

جوناثان زيمرمان، أستاذ مادّتي التربية والتاريخ في جامعة بنسلفانيا دعا في صحيفة "نيوزداي" الأميركيّة الكتّاب للتوقف عن استخدام التعديل الخامس والعشرين للحديث عن عزل ترامب. فهو يشدّد على أنّ هذه الآلية الدستورية هدفها حماية الشعب الأميركي من الرؤساء غير القادرين على تأدية مهامهم، وبالتالي هي لا تهدف إلى إعطاء الشعب سلطة لمواجهة الرؤساء الذين يختلف معهم في الآراء. ولمزيد من التوضيح، يكتب أنّ التعديل الذي تمّ التوقيع عليه سنة 1967 هدف إلى معالجة مسألة ترتبط بالرؤساء الذين أصبحوا واهني القوى الجسديّة والذهنيّة كي يحكموا. بمعنى أنّ التعديل لا يستهدف الرؤساء غير الكفوئين أو الذين لا يحظون بشعبيّة كبيرة.

ويستشهد زيمرمان بأحد عرّابي التعديل، وهو السناتور عن ولاية إنديانا بيرتش باي الذي أكّد في معرض ردّه على سؤال مرتبط أنّ واشنطن لن تصل إلى وضع حين يصدر الرئيس الأميركي قراراً غير شعبي، "سيُصوّر مباشرة غير قادر على تأدية واجباته في منصبه". 

يمثّل هذا الرأي تيّاراً يفصل بين صفات الرئيس من جهة والعجز عن تأدية المهمّات الرئاسيّة من جهة. كما يفصل بين شعور المواطنين أو معظمهم تجاه الرئيس والقدرة الحقيقيّة للأخير على تأدية مهامه بغض النظر عن شعبيّتها. لكن ما يبدو فقط أنّه قاعدة دستوريّة بالنسبة إلى البعض هو جزء من طبيعة العمل السياسيّ في الولايات المتّحدة.

 

الديموقراطيّون يحصّنون ترامب؟ 

الكاتب السياسيّ في موقع شبكة "سي أن بي سي" الأميركيّة جايك نوفاك، حذّر الديموقراطيّين من كونهم يسهّلون بقاء ترامب في الرئاسة من خلال دفع الجمهوريّين إلى دعمه. ويذكّرهم بأنّ الجمهوريين المعارضين أساساً لترامب، مثل رئيس مجلس النوّاب بول راين، صوّتوا لترامب لأنّ منافسته كانت هيلاري كلينتون. ويشرح أنّ جزءاً كبيراً من أسلوب العمل السياسي في الولايات المتّحدة قائم على المناكفات بين الحزبين التقليديين.

ويرى أنّ الصراخ الإعلاميّ أثبت غياب جدواه سابقاً وسيستمرّ كذلك لاحقاً. عوضاً عن ذلك، يقترح نوفاك أن يتواصل الديموقراطيّون بهدوء، في الكواليس، مع جمهوريّين يريدون توسيع التحقيق مع ترامب مثل جون ماكين (تحدّث مرة عن وصول الملف إلى مستوى ووترغيت) وبوب كروكر وغيرهما. وغيرهما للوصول إلى تسوية تجمع الجمهوريّين والديموقراطيّين تطلق مسار العزل في الكونغرس الأميركيّ. والأهمّ من ذلك، هو إقناع الجمهوريّين بأنّ العمليّة لا تستهدفهم سياسيّاً كما لا تستهدف إظهارهم كخونة.

 

مقاربة ذاتيّة

يمكن أن تكون مقاربة إدانة الرئيس الأميركي ذاتيّة لا موضوعيّة بحسب بعض الخبراء القانونيّين. بروفسور القانون في جامعة فرجينيا سايكريشنا براكاش يقول لمجلّة "نيوزويك" الأميركيّة إنّ المسألة مرتبطة بنظرة الأفرقاء السياسيّين إلى ما قاله ترامب للروس. ولضرورات البحث، يفترض الأستاذ الجامعي أنّ ترامب اتفق مع بوتين حول كيفية الإضرار بهيلاري كلينتون. عندها سيظهر كثر لتوصيف ما فعله الرئيس الأميركي بأنّه يستحقّ الإدانة والعزل، وسيقابلهم طرف آخر ينتقد فعلة ترامب لكنّه لا يراها مستوجبة للعزل.

 

"حكمة" واضعي الدستور

جوناثان تورلي بروفسور القانون في جامعة "جورج واشنطن" يرى في صحيفة "ذا واشنطن بوست" الأميركيّة أنّ عزل ترامب من منصبه سيكون أسوأ من بقائه فيه بالنسبة للرئاسة الأميركية. ومع أنّ الحديث عن إدانة ترامب وعزله قد يكون "علاجيّاً" لأولئك الذين "ما زالوا يعانون من اضطراب ما بعد الانتخابات" إلّا أنّه مضرّ للمؤسّسات السياسيّة في الولايات المتحدة. ويستشهد بأحد استطلاعات الرأي ليشير إلى أنّ رضا الأميركيّين على ترامب هو أعلى من رضاهم على أداء الكونغرس (40% مقابل 15%). ويكتب عن "حكمة واضعي الدستور الذين أرادوا درء "الخطر" عن الرئاسة بإبعادهم شبح الاتهام أو العزل فقط لأنّ شعبيّة الرئيس تدنّت أو لأنّ الدعم السياسيّ المساند له تبدّل. وحذّر من اتّهام الرئيس بالخيانة أو انتهاك الدستور فقط لأنّ رأيه السياسي مغاير للحزب المعارض له، بحسب معايير بعض السياسيّين والصحافيّين في واشنطن. وذكّرهم بأنّ ترامب لن يكون الرئيس الأخير، لذلك يجب تحصين موقع الرئاسة وعدم إضافة عبارة "لا ثقة" كخيار إضافيّ لاتهام الرئيس، داعياً إلى جعل الرئاسة "عظيمة ثانية".

جورج عيسى

النهار: ٢٥-٨-٢٠٢٧