رغم أن البعض يرى أن إعلان دولة «مالوروسيا» هو خطوة تحريكية فقط، بمعنى أنها تأتي لتحريك المياه الراكدة، ودفع الملف الأوكراني لطاولة المفاوضات من جديد، بعد أن فشل اتفاق مينسك لتسوية النزاع في الوصول إلى صيغة نهائية قابلة للتنفيذ للعلاقة بين شرق أوكرانيا وكييف، وجمود الموقف على مدى عامين ونصف العام منذ توقيعه في فبراير/شباط 2015، بل وانصراف الأطراف المختلفة وانشغالها بقضايا أخرى داخلية وخارجية. في حين يرى البعض الآخر أن إعلان «مالوروسيا» ربما يكون مجرد ورقة ضاغطة، أو استباقية يتم التلويح بها في مواجهة كييف وواشنطن لردع أي تصعيد في مواجهة شرق أوكرانيا، خاصة مع القفزة في التعاون العسكري بين كييف والولايات المتحدة، وإقدام الأخيرة على تزويد أوكرانيا بأسلحة نوعية، إلى جانب المناورات بين كييف وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، في أوديسا جنوب أوكرانيا. يعزز هذا الرأي أن رئيس جمهورية لوجانسك شريك دونيتسك الرئيسي منذ بدء الأزمة أعلن رفضه الانضمام إلى الدولة الوليدة، ووصف الإعلان بالخطوة المتسرعة. 
ومن الصعب اعتبار الخطوة نزوة شخصية لزاخارتشينكو، خاصة مع المشاورات التي سبق وأجراها بهذا الشأن مع النخب السياسية ورجال الأعمال في الأقاليم الداعمة له، كما تعكس الوثيقة الدستورية جهداً كبيراً في إعدادها وإدارة النقاشات حولها، إلى جانب الترويج واسع النطاق لحلم «مالوروسيا»، من جانب المدونين والكتاب المقربين من دونيتسك. إن إعلان «مالوروسيا» خطوة تمت دراستها جيداً من حيث المضمون والتوقيت، حيث تأتي في وقت تتداعى فيه قوى حكومة كييف، وينشغل البيت الأبيض بهموم المواجهة بين ترامب والمؤسسات الأمريكية الأخرى، الأمر الذي يحمل في طياته العديد من الدلالات والتداعيات. 
أولها، رغم أن زاخارتشينكو أكد أن طرحه «سلمي» ومبني على «دعم الأوكرانيين أنفسهم.. لإعادة اندماج البلاد والخروج من حالة الحرب عبر إعادة تأسيس الدولة»، فإن الصراع المسلح بين شطري أوكرانيا مرشح للتصعيد من جديد، خاصة في وقت يزداد فيه تسليح الجانبين، كماً وكيفاً. إن هذه الدولة الوليدة لا يمكن أن تخرج للنور إلا محمولة على القوة، وليس من المتصور أن تفاوض حكومة كييف على وجودها، بل إنها توعدت بالرد القاسي، وتعهد الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو، بفرض السيادة واستعادة السيطرة على جميع أراضي دونباس (شرق أوكرانيا)، وأن مصير «مالوروسيا» سيكون نفسه مصير «نوفوروسيا»، في إشارة إلى الدولة التي أعلنت القوى في جنوب شرقي أوكرانيا عن تأسيسها في بداية الأزمة، ويعني هذا أن أصوات طبول الحرب بدأت تتعالى من جديد. 
ثانيها، إضعاف الحكومة الأوكرانية المنهكة أصلاً بسبب هشاشة الاقتصاد والانقسامات السياسية. وقد أقر الرئيس الأوكراني في تصريح له في 21 مارس/آذار الماضي أن الحرب في دونباس أفقدت أوكرانيا 20% من قدراتها الصناعية، كما أن خطة البنك الدولي التي أقرها منذ عامين لإنقاذ الاقتصاد الأوكراني من الإفلاس وحصلت أوكرانيا بموجبها على 47% من إجمالي القرض المقرر لها والبالغ 17.5 بليون دولار، لم تحقق النتائج المرجوة بالكامل بسبب الفساد، وضعف الإصلاحات الحقيقية. فإذا ما أضيف إلى ذلك التداعيات السلبية المحتملة نتيجة فقدان أوكرانيا عوائد مرور الغاز الروسي عبر أراضيها، بعد إنجاز خطى «السيل الشمالي 2»، و«السيل التركي»، ستكون التداعيات الاقتصادية وخيمة على كييف.
على صعيد آخر، تواجه حكومة كييف تحدياً مهماً يتمثل في الجماعات اليمينية شبه العسكرية ذات التوجهات القومية المتطرفة التي لعبت دوراً محورياً في إحداث التغيرات السياسية، وإزاحة الرئيس السابق، وتشعر الآن أنها محصنة من العقاب مثل مجموعة «سي 14»، و«كتيبة أزوف»، ومنظمة «وطنيو أوكرانيا»، وحزب «سيكتور»، وغيرها. وهذه الجماعات لا تتورع عن استخدام العنف لتحقيق أهدافها. وربما عملية الطعن التي تعرض لها ستاس سيرهيينكو الناشط اليساري المناوئ للحرب على يد هذه الجماعات في يونيو/حزيران الماضي، وقيام القوميين المتطرفين باقتحام مبنى بلدية كييف، ومدينة «لفيف»، واعتدائهم على التظاهرات المناهضة للفاشية، ومسيرات الاحتفال بيوم النصر في ذكرى انتهاء الحرب العالمية الثانية وغيرها، مؤشر مهم على عمق الأزمة السياسية والمجتمعية التي تنتظر كييف، وخوف الأخيرة من انقلاب هؤلاء عليها إذا ما حاولت إنفاذ حكم القانون.
ثالثها، إذكاء التوتر المشتعل أصلاً بين روسيا والولايات المتحدة، وإعادة التوتر للعلاقات الأوروبية - الروسية بعد فترة من الهدوء النسبي. فرغم أن موسكو نفت تماماً أي علاقة لها بإعلان «مالوروسيا»، وأكد ديمتري بيسكوف المتحدث باسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن تصريحات رئيس جمهورية دونيتسك الشعبية، تمثل مبادرة شخصية منه، كما أكد التزام روسيا باتفاقات مينسك الخاصة بتسوية النزاع شرق أوكرانيا، فإن الخطوة وضعت موسكو في موقف لا تحسد عليه، فهي متهمة بتشجيع النزعات الانفصالية وجر أوكرانيا إلى أزماتها الحالية، وإليها تشير أصابع الاتهام في واشنطن وبروكسل. 
وكانت هذه الاتهامات إحدى الحجج التي تعالت بها الأصوات مؤخراً في الكونجرس الأمريكي لتمرير حزمة العقوبات الأخيرة ضد موسكو، والتي اعتبرت الأوسع نطاقاً منذ العام 2014، وتطول مشروعات حيوية لروسيا في مجال الطاقة، ومنها مشروع «السيل الشمالي 2»، لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا، إضافة إلى إضفاء الصفة القانونية على العقوبات السابقة، التي تم فرضها بأوامر تنفيذية صادرة عن الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما. كما اعتبرت ألمانيا، قائدة الاتحاد الأوروبي، اقتراح إقامة دولة «مالوروسيا» غير مقبول على الإطلاق ويعد تقويضاً لجهود حل الأزمة الأوكرانية، وطالبت روسيا بعدم دعمها. من ناحية أخرى، تجد الحكومة الروسية نفسها في حرج أمام الهوى الشعبي الذي يطالبها بالوفاء بتعهداتها التي حملها شعار «روسيا لا تتخلى عن أبنائها»، في وقت تقترب الانتخابات الرئاسية الروسية من موعدها في مارس المقبل.
ويبقى التساؤل، هل ستبقى «مالوروسيا» مجرد حلم، أم أنها حجر ألقي به في الماء ستتسع دوائره حتى تصبح الفكرة واقعاً معيشاً؟
 
*د. نورهان الشيخ: كاتبة وباحثة مصرية
الخليج ٣-٨-٢٠١٧