ويسعى الموقع من خلال ما لديه الآن من ابواب ثابتة، ومن خلال ما قد يتم استحداثه من أجل دراسة سوسيولوجيا النجاح والفشل في تجارب التعاون والحوار بين العالمين، عله يسهم في إحداث نقلة نوعية في المبادرة البوتينية ومع من دعمها وتعاطف معها من رؤساء وملوك وحكومات وفعاليات في العالمين العربي والإسلامي والروسي، ونقلها الى المساحات المتنوعة الأوسع لمسيرات التحاور والتحالف في ما بين الأطراف المعنية. 

يطمح الموقع لاستنهاض الطاقات الإعلامية والفكرية والعلمية من كلا العالمين من أجل تقديم أفكار جديدة ومقترحات عملية تقربنا من تحقيق الأهداف التالية:

أولا: التركيز على الموروث الإيجابي وتجديده في كل الحقول التي بنتها أجيال متنوعة من الديبلوماسيين والسياسيين ورجال الأعمال والثقافة والعلم والتعليم .

ثانيا: السعي الجاد والصادق من أجل تحرير كلا العالمين من الستريوتيبات (الأفكار المنمطة) لأحدهما عن الآخر، والتي كدست جبالا من سوء التفاهم في ما بينهما.

ثالثا: المساهمة في رسم استراتيجيات معرفية وعملية متجددة في كل مجالات التواصل الحياتي بين العالمين بهدف تأسيس مرحلة جديدة تستفيد من إنجازات وأخطاء الأجيال السابقة وتسهل التواصل بين ابناء الأجيال المقبلة في العالمين الروسي والعربي الإسلامي.

رابعا: السعي حثيثاً لكي تتواصل الشبيبة المسلمة المثقفة في كلا العالمين من أجل زرع ثقافة الحوار والتعاون والثقة بين الطرفين على قاعدة تمثل القيم الإنسانية والسماوية المشتركة. تلك التي تشكل بديلا لكل انواع التطرف ورفض الآخر ولكل انواع الإرهاب الفكري والجسدي.

خامسا: لعلها المهمة الإنسانية الأشمل والأصعب والأكثر إلحاحا وهي إنعاش قدرات الدماغ والقلب والخيال العلمي من أجل فتح آفاق جديدة أمام الطاقة العقلية والنفسية والروحية، واستنهاض دائرة الحلم في الطاقة الإيجابية الكامنة في الشخصية الإنسانية في العالمين للشروع في خوض فتوحات معرفية جديدة تساعد على فهم الحاضر فهما أعمق وعلى استشراف المستقبل استشرافا أكثر وضوحاً.

و من هنا فإن فلسفة أسرة تحرير الموقع هي خوض غمار الدراسات المستقبلية الساعية للتحرر مؤقتاً من ضغوطات وأزمات اللحظة التاريخية التي يعيشها العالم الإسلامي ومعه العالم بأسره. وتعمل على رسم سيناريوهات ودوائر مضيئة في مكان ما في الزمن الآتي، ليس فقط لمحاولة تخطي مناطق العتمة والأزمات في حضارتينا راهناً، بل أيضا رسم استراتيجيات سياسية واقتصادية وثقافية وأخلاقية لحضارة إنسانية أكثر عدلا وسلاما وانسجاما وجمالا.

هذه الأسئلة الفلسفية والوجودية وهذا الحلم وهذه الاحتياجات الحيوية المعرفية والعملية كانت وراء عدد من محفزات الشروع في إصدار هذه الموقع وإغنائه بالمواد المشوقة، نذكر بين أبرزها:

أولا: بعد الانطلاقة الرائعة التي بادرت إليها هيئة الأمم المتحدة في عام 2001 لدعم فكرة الحوار بين الحضارات، وبعد أن أقيمت الآلاف من المؤتمرات المحلية والدولية، ومعها نشر عدد كبير من الكتب والمقالات في هذا السياق، نضجت الحاجة إلى الانتقال النوعي من الكلام عن الحوار الى ولوج باب التعاون والتحالف بين الحضارات ولوجاً عمليا وطويل الأمد، لا سيما باب الحضارة الروسية الأوراسية والحضارة العربية والإسلامية. ولأجل ذلك استدعت الضرورة استحداث منبر إعلامي جديد يعكس الأفكار والاجتهادات وتنبؤات الذات في المفكرة الروسية والعربية الإسلامية لضخ أفكار جديدة من أجل تأصيل فكرة وفلسفة التحالف بين الحضارات ورسم استراتيجيات عملية على كل الصعد الحياتية لإنجاح تطبيقاتها.

ثانيا": لكي يتحرر الأنسان القاطن في ديارنا من ضغوطات المؤثرات السلبية للذاكرة التاريخية التي أسهمت في تفريخ كل أنواع النزاعات والصراعات والحروب على كافة أنواعها بين العالمين. ومن هنا يأتي هذه الموقع ليفتح عقله وقلبه لكل قارئ وصاحب فكرة أو معتنق دين أو مذهب أو ثقافة ...

ثالثا: كل منا يدرك أن مساحات الانفتاح والانغلاق، والطمأنينة والعدوانية، والسلام والحرب، والمحبة والكراهية، والثقافة واللاثقافة موجودة بقوة في كل حضارة، ولدى كل شعب وأتنية ودين ومذهب، وداخل كل أسرة، وفي دواخل الإنسان الاحد. والكل يدرك أن ترجيح هذا السلوك أو ذاك يبدأ من دواخل الفرد ليصل الى حضارة الكوكب بأسره. لذا نحن بحاجة ماسة في كل مجالات الفكر والسلوك الروسية والإسلامية الى منابر تثقيفية تنويرية تهدف إلى استنهاض ثقافة الانفتاح والطمأنينة والسلام والمحبة. ومعها كلها الانسجام الأعمق والأنقى والأسمى بين الأنسان وبعده الطبيعي والإلهي والكوني. وكل فرد من أسرة تحرير الموقع باللغات الثلاث، لا بل كل منا، يحلم ويأمل بذلك. وفي هذا الموقع طموح حالم وصادق، قد يكون فعلا نظرة إلى المستقبل، إلا أن أسمى ما نتمناه هو أن تضيف اجتهاداتنا ونشاطاتنا لبنة جديدة متواضعة الى الصرح العظيم لهذا الحلم الإنساني الجميل.

رابعا: لأن رباعي المال والسلطة والقوة والمعرفة المؤتمتة والمتحكمين بها، ليس فقط في دول محور ما يسمى بـ"المليار الذهبي"، وإنما أيضا في دول "محور الشمال" يتواجد في كل مكان وزمان. والقسم الأكبر منه يسعى من أجل أطالة عمره بنفس الروحية غير العادلة. ورغم ان نهجهم السياسي والاقتصادي والأخلاقي هو المسؤول عن الأزمات العضوية التي تطال جوهر حياة الإنسان في العالمين، وتدفع البعض المضلل منهم إلى الارتماء في دائرة الجهل والتعصب وبالتالي اتباع مسلك القتل والإرهاب، فمن خلال عبادة صنم المال وتقديس عقيدة الداروينية الاجتماعية والاستنهاض العبثي الدائم لكل مظاهر القوة والعنف وما تفترضه من استحداث متواصل للأسلحة الفتاكة، وإشعال نار كل الحروب الطائفية وغير الطائفية، الحروب الصغيرة والكبيرة. ولأن المعارف بدورها ليست كلها موجهة لإيقاظ وتفعيل الطاقات الإيجابية عند الإنسان في منطقتي الوعي واللاوعي، في دائرتي العقل واللاعقل، فإن هذا الموقع يسعى جاهدا لأن يفرج كل أسارير صفحاته الإلكترونية من أجل إيقاظ الإيجابي قي كل مكنونات الطاقة الإنسانية، عله يسهم ولو بلبنة صغيرة شديدة التواضع في العمل الجماعي مع كل من يشاطرنا هذا الحلم من بلدان الشرق والغرب، في العمل لتأسيس حضارة نووسفيرية إنسانية جديدة أكثر عدلا وديموقراطية وسلاما وعلما وخلقا وثقافة روحانية، ليس بين العالمين فقط بل على المستوى الكوكبي أيضا...

خامسا: ولأن تجاربنا وخططنا ومناهجنا على مستوى العلم والتعليم والفنون والثقافة والأخلاقيات والروحانيات أحدثت شروخا حادة في حاضر علاقتنا مع أنفسنا أولا، وفي بنية العائلة والمجتمع، ومع أمنا الطبيعة وفضائنا الكوني، ومع إله السماوات والأرض ثانياً, فشوهت لا بل خلخلت مجمل ضرورات الانسجام بين الإنسان والنبات، الإنسان والحيوان، الإنسان والماء، الإنسان الهواء، الإنسان والفضاء، فإننا بأمس الحاجة إلى ثقافة علمية وإيكولوجية وأخلاقية وروحانية من نوع تنويري جديد، بأمس الحاجة إلى ثورات معرفية ومعلوماتية وتكنولوجية جديدة تطرح مهمة بديل حقيقي وقابل للتطبيق يكون أفضل وأشرق وأعدل بالنسبة لأجيالنا القريبة ولأحفادنا في المستقبل ... وهذه الروح التنويرية تشكل النقطة المركزية الأخلاقية الأساسية في فلسفة هذا الموقع.

انطلاقا من هذه النقاط كلها، وغيرها الكثير مما لا مجال لذكره، يجيء هذا الموقع بحلته العربية، بعد حلتيه الروسية والإنجليزية، طامحا وساعيا ليكون واحدا من الأصوات المعبرة عن الرسالة المباركة لمجموعة "روسيا والعالم الإسلامي : رؤية استراتيجية". عله يحقق آمال ومطامح الرجالات الكبار الذين بادروا إلى هذه الفكرة ودعموها منذ لحظة انطلاقتها. وأولئك الذين بذلوا جهودا جبارة لا بل عملوا المستحيل من أجل تظهيرها وتطويرها. وهنا أخص بالذكر رئيس مجلس الوزراء الروسي الأسبق، الأكاديمي الكبير يفغيني بريماكوف، والديبلوماسي السوفياتي والروسي العريق بنيامين بوبوف، وفخامة الرئيس التتري رستم مينيخانوف وكل الشخصيات الكبرى من كلا العالمين... ويمكننا القول بجرأة وبموضوعية ان مبادرتهم ودعمهم وطموحاتهم النبيلة ستسهم اسهاما ملحوظا في تنشيط الحراك العالمي المتحلق حول فكرة ونشاط منظمة "التحالف بين الحضارات " التي تحتضنها الأمم المتحدة. فلكل هؤلاء اسمى آيات الشكر، ولكل مساهم في إغناء مهام وأداء وفلسفة وأهداف الموقع سابق الشكر والتقدير. فنحن بحاجة الى كل معلومة جديدة وطاقة جديدة من أجل أن تكون العلاقة بين اسرة تحرير الموقع وقرائها علاقة دائمة الوثوق والتجدد، والله الموفق....

رئيس التحرير: عضو أكاديمية التعليم الروسية : سهيل فرح.