استندت بمرفقي على سور الباخرة أودع الاسكندرية وأهلي الواقفين على رصيف الميناء ببصر غائم. في اليوم الثاني رست الباخرة عند ميناء بيروت. ركبت تاكسي إلى أحد الفنادق. وفي الطريق رأيت جمال بيروت الآسر. تذكرت مطلع قصيدة لعلي الجارم كانت مقررة علينا في الثانوية وكنا نحفظها صما "بلادي جنة الدنيا وروض ربيعها الأخضر.. تعالى الله باركها وأجرى تحتها الكوثر". قلت لنفسي وأنا أرى بيروت ما كل هذا الجمال الساحر إذن؟!. كان عليَّ أن أستقل الطائرة إلى موسكو. في المطار اكتشفت أن وزن الحقيبتين فوق الوزن المسموح به للراكب. لكي أتفادى دفع قيمة الوزن الزائد (لم يكن معي أي نقود من أي نوع أصلا لأدفع أي شيء) أخرجت كل ملابسي وارتديتها فوق بعض داخل دورة المياه بالمطار. بالإصرار والجهد ارتديت حقيبة من الاثنتين، فارتفعت درجة حرارتي واحمر وجهي! عند مراجعة الجوازات حدق بي الضابط اللبناني وأنا واقف أمامه. نقل بصره ما بين وجهي وجواز السفر وهو يطرف بعينيه إلى أن تيقن من أنني الشخص نفسه لكن أحمر منتفخا لسبب مجهول. رد إليَّ الجواز مستعجبا "تكرم".

هل بدأت رحلتي إلى روسيا من لحظة ركوبي الطائرة أم قبل ذلك؟ عن طريق الأدب حين انتقلنا عام 1959 للسكن في شارع مصر والسودان بعمارة أمام صيدلية "الحياة". حينذاك كنت في نحو العاشرة من عمري عندما بدأت أمد يدي إلى مكتبة والدي في صالة الشقة أفتح ضلفتيها وأسحب من على رفوفها أي شيء مكتوب على غلافه قصص أو روايات. كانت المكتبة تحتوي على عدد كبير من الروايات الروسية. إلى الآن مازالت ماثلة أمام عيني تلك الشقة الفسيحة والصالة التي قرأت على ضوء نهارها بدون توقف رواية دوستويفسكي "آنتوشكا"، ثم المجموعة القصصية المذهلة "ملكة البوستوني" لبوشكين، و"طفولتي" لمكسيم جوركي. تركت تلك الروايات في نفسي أثرا عجيبا كأنما كانت يدي في ماء بارد وإذا بها فوق اللهب. كان حجم الألم الذي تعانيه الشخصية الروسية وحجم التمرد وحجم الأسئلة التي تصارع بها العالم مهولا مقارنة بما كنت قد قرأته من الأدب العربي. ومن خلال الروايات انطبعت روسيا في خيالي مثل ياقوتة ملونة متوهجة بالوجع والانتفاض والندم. كانت الشخصيات الروسية كثيراً ما تنتحر أو تندفع إلى الرصاص في محاولات لتغيير الواقع باغتيال القياصرة، أو تغرق يأسها في الخمر وقرب شموع الكنائس أو تسمو فوق كل شيء، لكنها في كل الأحوال كانت شخصيات "أيديولوجية" ذات مشروع لتغيير العالم والصدام معه وضده ومن أجله. وجميع حوادث الاغتيال والانتحار في روايات دوستويفسكي مثلما لاحظ ايجور فولجين، تكاد أن تكون حوادث أيديولوجية كما تشهد بذلك محاكمة فيرا زاسوليتش (1879) التي أطلقت النار على مدير شرطة في بطرسبورج لأنه عذب شخصاً معتقلاً قائلة "أردت أن أبين بذلك أنه لا يجوز لأحد أن يهين إنساناً بمثل هذا الإيمان العميق بالإفلات من العقاب". لم تكن تلك الشابة تدافع عن أخيها أو زوجها لكن عن شخص لا تعرفه إطلاقاً، كانت تدافع عن أي شخص وكل شخص، عن مبدأ أنه "لا يجوز لأحد أن يهين إنساناً". وبعد أكثر من مئة عام تشتعل الروح الروسية مجددا. ففي فبراير 1988 عندما كانت أمريكا تستعد لغزو العراق خرج مواطن روسي تجاوز الستين في مقاطعة ليبتسك ووقف أمام باب بيته وسكب البنزين على جسده وأضرم النار في نفسه احتجاجا على مشروع غزو العراق. لقد أراد هو أيضا مثلما فعلت فيرا قبله بمئة عام أن يبين أنه "لا يجوز لأحد أن يهين شعبا بمثل هذا الايمان العميق بالإفلات من العقاب"!

لم أكن أعلم وأنا أقرأ الأدب الروسي بنهم وأتعرف عن طريقه إلى روسيا أن العرب منذ أكثر من ألف عام شقوا طريقهم إلى هناك في أول رحلة قام بها أحمد بن فضلان مبعوث الخليفة العباسي المقتدر بالله عام 922 ميلادي.

مع إقلاع الطائرة منيت نفسي وأنا أختنق بملابسي بأني في طريقي إلى بلاد الصقيع وما إن أصل حتى أتخفف من جبل الملابس. لكني حين لامست قدماي أرض مطار "شيرميتفا" بموسكو فوجئت بأن روسيا  كلها تختنق بموجة حارة غير مسبوقة إلى درجة أشعلت الحرائق في الغابات وهو ما لم يحدث منذ نصف القرن! استقبلتني موسكو "بحرارة" إذن! لم يكن شيء من ذلك الطقس في تصوري وأنا صبي أقرأ في بيتنا "الليالي البيضاء" لدوستويفسكي وألهث مع انفعالات أبطالها: "ها هو الحب قد نزل إلى قلبه بكل هذا الفرح الطاغي، بكل العذابات المضنية! هل ستصدقين وأنت تنظرين إليه أنه لم يكن يعرف حقا تلك التي أحبها بقوة في حلمه النشوان؟ وهل من المعقول أنها لم تكن تلك المنطرحة على صدره منتحبة عندما حل الفراق في ساعة متأخرة غير ملقية سمعا للعاصفة التي كانت تعربد في السماء ولا للريح التي كانت تقطف الدموع من أهدابها؟ أيعقل أن كل ذلك كان حلما؟!". لم يكن ليخطر ببالي وأنا ألتهم تلك السطور أنني يوما ما سأرى روسيا التي بدت في خيالي ثلوجاً بيضاء وزحافات فى الجليد ورجالاً يرتدون القلنسوات الدافئة ومنافيَ في سيبيريا ومقاصل وصورا من قصص جوركي وتشيخوف وأنات الفلاحين لدى جوجول وتولستوي، وثورة بدلت وجه الحياة وحفرت شعارها في الذاكرة "بالأمس كان باكرا، وغدا يكون متأخراً، فإما أن تقع الثورة اليوم أو لا تقع".

مع هبوطي إلى مطار موسكو حل عليَّ شعوري بالغربة. سرت حاملا حقيبة ومرتديا أخرى عاجزا عن فهم أي شيء مما يقال حولي بالروسية. تخطيت الاجراءات الجمركية ووقفت في صالة المطار أنتظر أن يُنادى علّّىّ من الاستعلامات لألتقي بمن يستقبلني من منظمة التضامن الآسيوي الإفريقي. ساعات ولا أحد. أتلفت حولي في وقفتي حائرا مثل غراب حط على طريق سريع بين سيارات طائشة. عضني الجوع. لم يكن في جيبي سوى روبل روسي واحد كنت أحتفظ به وأنا في مصر لأن عليه صورة بوشكين أمير الشعراء الروس. تنهدت بأسف وأنا أدفع بالروبل لعاملة في البوفيه معتذرا في سري للشاعر العظيم وحصلت على سندويتش ثخين جزاء خيانة الأدب والأدباء. من شعوري بالغربة خيل إليَّ أنني أول مصري في التاريخ يصل إلى هذه البلاد . لم أكن أعرف أن هناك مصريين اثنين سبقاني إلى هنا منذ مئة وثلاثين عاما بحثا عن الذهب! بعبارة أدق بحثا عن كيفية استخلاص الذهب من الرمال! كان ذلك عندما شرع محمد علي باني نهضة مصر الحديثة في غزو السودان عام 1820، واجتذبه إليها ضمن أمور أخرى ذهب فازوغلي بجنوب سنار. هناك عثرت القوات المصرية على رواسب تحتوي على الذهب، لكنها لم تجد طريقة لاستخلاصه. في عام 1845 أرسل محمد على إلى روسيا طالبين مصريين اثنين هما: إيليا داشوري، وعلى محمد، لدراسة استخلاص الذهب فأثار الاثنان بملامحهما الإفريقية وبشرتهما السمراء دهشة أهالي الأورال الروس! في مطلع 1847 عاد الاثنان وقد أصبحا مهندسي تعدين إلى مصر وبدون إبطاء أرسلهما محمد على إلى النوبة وشرق السودان وراء الذهب! من المؤسف بالطبع أن أحدا منهما لم يسجل رحلته بينما احتفظت الوثائق الروسية بسيرة إيجور كوفاليفسكي المهندس الذي درب المصريين الاثنين وبعثته التي ترأسها إلى أعالي النيل وتألفت من عالم نباتات وطبيب ورسام معماري وأسطى تعدين وغاسل رمال وضباط مصريين. إيليا داشوري، وعلى محمد أول من جاء إلى روسيا من المصريين. تعلما وعاشا في الأورال حيث تصل درجة البرودة إلى عشرين تحت الصفر! وبعد مئة وثلاثين سنة أقف أنا هنا مختنقا من الحر!

انتهيت من السندويتش ودخلت إلى دورة المياه. هناك أخذت أخلع ملابسي وسط دهشة من بالدورة وأعيدها مطوية قطعة فقطعة إلى حقيبتي. خرجت بعد ذلك وأخذت أفتش بعيني عن مقعد شاغر بين أرائك الانتظار مؤهلا نفسي لجلسة طويلة.

حل عليّ المساء ثم الليل وأنا جالس أفرد بدني وأجمعه على مقعدين متقابلين . شعرت أن ثمة خطأ في كل ذلك. في بلدي لو قلت يا محمود يرد عليك ألف واحد حتى لو لم يكن محمودا. أما هنا فازعق وقل ماتشاء فلن يعيرك أحد أي اهتمام. يومها لم يكن معي من كل الأرقام الهاتفية للاتحاد السوفيتي العظيم سوى رقم وحيد لمراسل صحفي مصري مقيم بموسكو. تلفت حولي فوجدت مظلات بلاستيكية تغطي أجهزة هاتفية. لكن كيف تعمل هذه الأجهزة؟. عام 1972 كانت الاتصالات عندنا في مصر إما من المنزل أو من عند البقال. لم يكن قد ظهر لدينا ذلك النوع من التلفونات الذي تسقط فيه عملة نقدية وتتصل. وقفت تحت مظلة هاتف لا أدري كيف أستخدمه إلى أن مرت بالقرب مني شابة جميلة تفوح بالعطر. رجوتها بانجليزية مكسرة محرجا من جهلي أن تشرح لي كيفية استخدام الهاتف. نظرت إليَّ بدهشة مهذبة. بهدوء أخرجت من حقيبتها عملة من فئة الكوبيكين أسقطتها في فتحة وطلبت مني أن أدير القرص بالرقم المطلوب. جربت ذلك وهي واقفة بجواري، وكان ذلك أول اتصال هاتفي أوتوماتيكي في حياتي! وقفنا نحن الاثنين نتطلع لبعضنا البعض بانبهار، أنا مبهور بالاختراع المذهل وهي مبهورة بإنسان لم ير من قبل اختراعا بسيطا كهذا!

نجحت في الاتصال بالأخ محمد المصري. لكنني كنت ما إن أنطق باسمي وبأنني في المطار حتى يتحشرج صوت محمد وينقطع الاتصال! كررت المحاولة بفضل كوبيكين آخرين من الفتاة المبهورة فتجددت الحشرجة. نظرت إلى الشابة الجميلة محرجا من جهلي بالهاتف ومن لغتي الانجليزية ومن حشرجة المصري، وشكرتها. ابتسمت وانصرفت برشاقة في هالة من سعادة من رأى لتوه عرضا سحريا. فوضت أمري لله. وبت ليلتي الأولى في المطار مشدودا على مقعدين متشبثا بالحقيبتين أتساءل "ما الذي جاء بى إلى هنا؟".  

في الصباح لم أصدق نفسي حين سمعت من الاستعلامات نداء على اسمي بالإنجليزية. وثبت من مكاني. هرولت وأنا أجرجر الحقيبتين. فوجئت بشاب أسمر  يقدم نفسه إليَّ على أنه "فلاديمير من منظمة التضامن". عاتبته "قضيتُ هنا يوما كاملا فلم لم تأت بالأمس؟". قال بهدوء "الأمس كان يوم الأحد العطلة الرسمية في الاتحاد السوفيتي"!

قادني فلاديمير إلى سيارة ركبناها متجهين إلى بيت الطلبة الأجانب بمنطقة بروفسيوزنايا. في الطريق رحت أتطلع إلى الشوارع العريضة مذهولا. الشارع الواحد منها بعرض ثلاثة شوارع في القاهرة. وصلنا إلى بيت الطلاب واستلمت مكانا في حجرة مع طالبين آخرين، أحدهما أفغاني والثاني بحريني. بعد أيام كتبت لوالدي أقول له "أكتب إليك من المستقبل"! كنت أتخيل أنني وصلت إلى أرض الاشتراكية وبذلك فإني انتقلت إلى مستقبل العدالة المرجوة، حيث لا جوعى، ولا استغلال، ولا تفرقة بين البشر. لكن الواقع أخذ يتكشف عن كونه جزءا من الحاضر وليس جزءا من المستقبل. 

Kremlin from Bolshoy kamenny bridge.jpg

أقمت في بيت الطلاب الأجانب سنة تحضيرية لدراسة اللغة. بيت قديم من خمسة طوابق، الأول والثاني منها لقاعات الدراسة، الثلاثة الأخرى حجرات نوم ومعيشة الطلاب. لم أكن أعرف كلمة روسية واحدة، لهذا لم أجرؤ على القيام بخطوة واحدة خارج البيت. كان أقصى خروجي أن أقف أمام مدخل البيت أتأمل العابرين. ولم يكن ثمة مصري آخر غيري وسط بحر من الطلاب العرب والفرنسيين والكوبيين وغيرهم، لهذا كان زملائي العرب كلهم يعرفونني بالمصري، المصري راح، المصري جاء، وخلاص . بمرور أكثر من شهرين استغربت من أنني وصلت إلى روسيا لكني لم أتخط حدود بيت من خمسة طوابق! خطر لي أنني سافرت إلى بيت وليس إلى روسيا! لم أكن أعرف أحدا هناك على الإطلاق سوى"محمد" الذي يتحشرج صوته عند اللزوم! فعكفت مهموما على كتب اللغة الروسية إلى أن جاءني ذات يوم شاب فلسطيني اسمه وليد كان يدرس معنا وقال لي "يا رجل حرام عليك شهرين ماخرجت من البيت؟. أنا أخي في روسيا منذ عامين. وقد جاءني عدة مرات واصطحبني لجامعة باتريس لومومبا وأنا أعرف الطريق والمواصلات جيدا. تعال معي نقوم بزيارته، ويبقى اسمك خرجت تتهوى شوية". اشترطت لأخرج معه أن نأخذ عنوان المسكن من المناوبة الروسية الموجودة في مدخل البيت لنتمكن من العودة إن حدث شيء. سجلت لنا المرأة الطيبة العنوان ودسه وليد في جيبه وانطلقنا. خرجت إلى شوارع موسكو للمرة الأولى وأنا سعيد بوجوه الناس من حولي. ركبنا ترمواي، وهبطنا، وسرنا قليلا حتى محطة تروللي باص. جاء التروللي وركب وليد وقبل أن ألحق بالركوب كان باب التروللي قد انغلق أمامي! هتفت مذعورا "العنوان يا وليد"!  الفكرة المنطقية التي خطرت لي أن أركب التروللي باص التالي بأمل أن وليد سينتظرني في المحطة القادمة. هكذا فعلت. وقفت بجوار السائق أتطلع إلى وجه وليد ملتصقا بالزجاج الخلفي للسيارة التي أمامي ينظر نحوي. قلت لنفسي المحطة القادمة نلتقي. لكن التروللي الأمامي فجاة انحرف يمينا وانعطف التروللي الذي أنا بداخله يسارا، ومضى كل منهما بعيدا في اتجاه مختلف!   

هبطت عند أول محطة وظللت واقفا. أمطرت عليَّ ساعتين. وأنا كلما دنا أحد من المحطة أسأله "الأخ عربي؟". بمعجزة ظهر شاب لبناني. شرحت له أنني تائه. قال "بسيطة أوصلك. أين تسكن؟" قلت "العنوان مع وليد"! كان طيبا إلى درجة أنه اصطحبني في تاكسي وظل يدور به على كل بيوت الطلاب الأجانب لأنتقي من بينها بالشبه مسكني! صعدت إلى حجرتي مبللا مرهقا. فتحت الباب ورأيت وليد جالسا على طرف سريره وجهه بين كفيه مثل فأر مذنب. قلت له "مش قلت لك؟". نهض ودق كفا بكف وقال بذهول: "لا.. بس هاي والله عجيبة. عمرها ما حصلت معي يازلمى"!

في كل الأحوال ذلك كان خروجي الأول من بيت في روسيا بخمسة طوابق إلى روسيا، بعدها عرفت الطرق وانفتحت أمامي حياة أخرى كاملة، تعرفت خلالها شيئا فشيئا إلى الإنسان الروسي الذي يتصوره الكثيرون على غير حقيقته متجهما صارما.

* * *

د. أحمد الخميسي. قاص وكاتب مصري