أما الرئيس الأمريكي أوباما ففاز بنوبل للسلام لأنه كان قد أغدق الوعود حول تقليص أسلحة الدمار الشامل. ومن أجل "تشجيعه" على تنفيذ "وعوده" منحته لجنة نوبل الجائزة، على الرغم من أن اللجنة تعرف جيدا أن تقليص أسلحة الدمار الشامل لا يعتمد فقط على الولايات المتحدة لأنها ليست الوحيدة التي تمتلك تلك الأسلحة، وأن أطرافا أخرى يجب أن تسهم وتشارك في هذه العملية المعقدة.

لقد أدت لجنة نوبل مهمتها بشكل "بيروقراطي" في عام 2009، ولم تنتبه، أو ربما فقدت الذاكرة، إلا أن أوباما لم يحقق أيا من وعوده على الإطلاق. وبوصول العالم إلى عام 2016 كانت الخلافات قد تفاقمت بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن تقليص أسلحة الدمار الشامل، وإمكانية التخلي عن معاهدة تقليص الأسلحة الهجومية القصيرة والمتوسطة المدى أيضا. هذا إضافة إلى عدم حل أو تسوية أي من الأزمات والقضايا الدولية، بل زادت هذه القضايا كماً وتنوعت أكثر فأكثر. ولكن أوباما كان قد فاز بالجائزة، وأراحت اللجنة ضميرها بإنجاز المهمة عام 2009. بينما لم ينجز أوباما أيا من وعوده إلى أن خرج من البيت الأبيض في نهاية عام 2016.

 

في عام 2015 أعلنت السكرتيرة الدائمة الجديدة للأكاديمية السويدية سارة دانيوس أن هذا "جنس أدبىّ جديد" في معرض وصفها الكتب الست ومئات المقالات والمقابلات للصحفية البيلاروسية سفيتلانا ألكسييفيتش التى حصلت على جائزة نوبل فى الآداب لعام 2015. وكان بيان لجنة نوبل أكثر إثارة للدهشة والتساؤلات من كتابات الصحفية البلاروسية نفسها، فهو يقول إن "أعمالها بمثابة صرح للحرية والكرامة الإنسانية، قد تختلف الآراء حول القيمة الفنية الإبداعية لرواياتها، التى يغلب عليها الطابع السياسى والأيديولوجى المباشر، ولكن ذلك لا يمنع من تقدير كفاحها من أجل الحرية". إذاً، لماذا جائزة نوبل فى "الآداب"، وليس في "السلام" مثلا؟!

إن ذلك يعني، شئنا أم أبينا، أننا لا نتحدث هنا عن أدب أو فن، وإنما عن شىء آخر تماما من الصعب أن نتعامل معه، وفق تقاليد أو قوانين أدبية أو فنية أو حتى نقدية. فالحديث يدور هنا عن أمور أخرى تماما، تخص أشباه الغرب الذين يساعدونه على "إخلاء طرفه" من المشاركة فى الشر "المطلق"، ويساعدونه أيضا على "تنظيف ضميره" بخلق كائنات تشبهه، ولكنها ليست أبدا مثله، ولن تكون.

لقد تفننت الصحافة الثقافية والسياسية فى الغرب بوصف "الجنس الأدبى الجديد" لسفيتلانا ألكسييفيتش، وبمقالاتها، وكتبها "الوثائقية" ومقابلاتها، واعتبرت كل ذلك فتحا أدبيا جديدا، بصرف النظر عن النقد ومدارسه المتنوعة، والنظرة النقدية، والقيمة الأدبية والفنية. واتضح ببساطة أن الكتابة السياسية، والمعارضة الفكرية لا تمنحك فقط جائزة نوبل للسلام، بل وتجعلك على رأس قائمة الذين يستحقون تلك الجائزة فى الأدب أيضا، كونك معارضا سياسيا تكتب المقالات، وتجرى المقابلات حول أحداث بعينها، ويجرون معك أيضا مقابلات، لتفسر ما كتبته، وتشرح وجهة نظرك فى الخير والشر.

هذه أمور مهمة كجزء من النشاط الاجتماعى والسياسى العام، ولكنها لا تدخل فى باب الإبداع الأدبى أو الفنى، إلا إذا كان ذلك يروق لأصحاب الجائزة، والقائمين عليها، بنظرتهم النقدية الأدبية العميقة والواسعة، والملمة بما لم تستطع المدارس والنزعات النقدية أن تلم به. ونحن هنا أيضا لا نتحدث عن الأدب المحافظ أو النزعات والمدارس الكلاسيكية في الأدب ونعلي من شأنها على إبداعات الحداثة وما بعد الحداثة. ولكن الحديث يدور عن الأدب بمقوماته وأدواته وقيمته في إطار الأجناس الأدبية المختلفة، سواء الكلاسيكية أو المعاصرة أو الحديثة بكل مدارسها ونزعاتها.

الصحفية البلاروسية خصصت كتبها الستة ومقالاتها ومقابلاتها الصحفية لـ "البحث والاستقصاء"، لتتطور "مدرسة البحث الفني" عند سولجينيتسين إلى "المدرسة الاستقصائية الوثائقية المتعددة الأصوات ذات الطابع السياسي الأيديولوجي المباشر للنضال من أجل الحرية والكرامة الإنسانية".. مذهب أدبي جديد، وإن كان اسمه طويلا بعض الشيء، ويكرس للتماهي مع السائد والمستهلك والمطلوب إعلاميا، ويحتاج إلى تفسيرات في وسائل الإعلام عبر الحوارات والمقابلات مع من يستخدمونه، لأن المكتوب غير كاف، وربما ليس له علاقة بـ "الأدب" أصلا. وبالتالي، فقد فقدت لجنة نوبل "الأدب" عندما أفقدت الأدب قيمته، وكسرت الحدود بينه وبين مجالات أخرى تلعب فيها الكتابة دورا مهما، وإلا فمن الممكن أن نضم فواتير وإيصالات محطات الوقود ومحلات البقالة وأرشيفات الشهر العقاري وبيانات الهويات الشخصية وجوازات السفر إلى الأجناس الأدبية، باعتبارها "أجناساً أدبية جديدة". (يتبع)