إن ما يلفت النظر، سواء في الصياغات التي تستخدمها الصحفية البلاروسية خلال المقابلات التي أجرتها، وما زالت تجريها، معها الصحافة الغربية حول رؤيتها للشر، أو في لغتها "الركيكة" التي تكتب بها كتبها "الوثائقية"، أن هذا الشر سوفيتيا مطلقا، وروسيا مطلقا، وبلاروسيا مطلقا. حتى الشر السوفيتي كان مطلقا خلال مقابلاتها مع شهود العيان الذين عاصروا الحرب العالمية الثانية، وفي أفغانستان، كان السوفييت هم الشر المطلق. وفي أوكرانيا الآن، يتحول الروس إلى شر مطلق. إن فكرة الإطلاق هنا لا تمنح الصحفية "صاحبة نوبل في الآداب" حتى فرصة أن تدرك أن للشر أطرافا أخرى. فهل فعلا هناك شر مطلق؟ وهل الشر المطلق في الحرب العالمية الثانية، كان سوفيتيا خالصا؟ وماذا عن هتلر وموسوليني والنازية والفاشية؟ هل الشر المطلق في أفغانستان كان سوفيتيا خالصا؟ وماذا عن الولايات المتحدة وحلف الناتو وطالبان وتجار المخدرات والرقيق؟ هل الشر المطلق الآن في أوكرانيا، روسيا خالصا؟ أين "القطاع الأيمن" القومي المتطرف، وأين الفساد السياسي الأوكراني، وأين الليبراليون الجدد الذين تربوا في كنف الولايات المتحدة، وأين الرئيس بيترو بوروشينكو تاجر الشيكولاته، وأين يوليا تيموشينكو تاجرة النفط والتي روَّج لها نفس الإعلام الليبرالي السائد والمبتذل صورتها الشهيرة بالضفيرة لتصبح نمطا "نسائيا ثوريا" يتناسب مع "المطلق" الليبرالي؟

إننا عندما نذكر هنا أسماء الشخصيات والدول وبعض الأحداث، لا نخرج إطلاقا عن الموضوع أو نحاول الحط من قدر "الإبداعات الصحفية لصاحبة نوبل الجديدة"، لأننا ببساطة نتحدث في إطار نفس "الجنس الأدبي الجديد" الذي اخترعته الأكاديمية السويدية و"ومحفل جائزة نوبل" ليمنحا بموجبه للصحفية المعارضة جائزة نوبل في "الآداب".

إن الصحفية البلاروسية في كتبها الست ومقالاتها ومقابلاتها الصحفية تناضل من أجل استنطاق شهود مجهولين، وضحايا غير معروفين عبر لعبة الصحافة والإعلام، والانتقاء، والإطلاق. وبالتالي، فعدة مقابلات مع طرف "متعدد الأصوات من حيث العدد فقط لا زاوية الرؤية" قد تغني عن مقابلات أخرى مع طرف أو أطراف تمتلك رؤية مغايرة أو متوازية أو معاكسة. لقد كان ذلك تحديدا مأزق الكاتب الروسي السوفيتي ألكسندر سولجينيتسين (نوبل 1970) في "أرخبيل الجولاج" الذي صنَّفه النقاد الغربيون على أنه "أدب وثائقي" حيث تدور الأحداث حول معتقلات "سولافكي". والمعروف أن سولجينيتسين اتخذ زيارات مكسيم جوركي لهذا المعتقل الستاليني ليصب غضبه ليس فقط على ستالين ونظامه، بل على الكاتب مكسيم جوركي نفسه. لكن المدهش أن سولجينيتسين نفسه اعترف أنه لم يطَّلِع على كل الوثائق. وظهر بعد ذلك أنه لم يزر أبدا هذا المعتقل. ولكن الرواية كانت قد كُتِبَت، وانتشرت، ونجحت وسائل الإعلام الغربية، والباحثون في الغرب أن يستخدموا المعلومات والأرقام المغلوطة في "الرواية الوثائقية" ليروِّجوا لما أرادوا أن يروِّجوا له.

إن الانطباعات الخاصة أو الشخصية عن الحقائق الدامية وعن ما يراه الإنسان ويمر به - شئ، والأفكار التعميمية المستندة إلى حقائق التجربة الشخصية شئ آخر تماما. أ ليس من هذه النقطة تحديدا يأخذون المبادئ والمواد الأولية للأساطير والحكاوي التي تدور حول معسكرات الاعتقال، والحروب، والفيضانات والحرائق؟ وكما يقول سولجينيتسين نفسه: "الناس في معسكرات الاعتقال يميلون إلى صنع الأساطير". وهو أيضا ما ينطبق على الناس أثناء الكوارث والحروب والمصائب الفردية والجماعية. ولكن سولجينيتسين نفسه وقع في هذا الفخ أيضا. فهو يقول: "أنا لا أتجاسر على كتابة تاريخ الأرخبيل: فلم يتيسر ليّ قراءة الوثائق". وبعد ذلك يقول: "جميع الوثائق المرتبطة مباشرة بالأحداث قد أُبيدت، أو تم التحفظ عليها في سرية تامة، الأمر الذي يجعل الوصول إليها مستحيلا… ومعظم الشهود قد قتِلوا، أو ماتوا. وهكذا فكتابة بحث علمي عادى وبسيط يستند إلى الوثائق والأرقام والإحصائيات، ليس فقط مستحيل بالنسبة ليّ الآن… بل وأخشى ألا يتيسر ذلك لأحد إطلاقا… إن طريقة البحث العلمي في الاتحاد السوفيتي قد أُغلِقَت تقريبا".

ومع ذلك فقد حدد الكاتب في "أرخبيل الجولاج"، بنفسه جنس العمل الأدبي بأنه "بحث فني". وهناك الكثير الهام الذي قيل حول طبيعة الطريقة التي تم اتباعها في ذلك. على سبيل المثال حول "التأثير النَفَقِى" عندما يرتكز الباحث - الفنان في أكبر قدر من الحدود على حدسه النفسي، ومن ثم يقطع الطريق إلى الهدف مباشرة دون السعي إلى التسلُّح، كما يُقال، بالإحصائيات الكاملة للحقائق. ولكن سولجينيتسين – الذي اعتبر نفسه مفكرا بارزا وخارجا على القياس، وكمتخصص في علوم الرياضيات – كان يدرك ليس فقط غلبة البحث الفني وتفوقه، وإنما أيضا محدوديته.

المدهش أنه بمجرد ظهور كتاب "أرخبيل الجولاج" بمجلة "نوفى مير" السوفيتية عام 1989، قامت صحيفة "أرجومنتي إي فاكتي" بنشر نتائج استقصاءات أحد المتخصصين في التاريخ تحت عنوان: ("أرخبيل الجولاج": بعيون الكاتب والإحصائيات). وكانت المفاجأة أن حسابات سولجينيتسين للأرقام والنسب كانت مليئة بالأخطاء! ربما كانت جميع الأرقام في حاجة إلى تدقيق إضافي. ولكن إذا كان المصدر في إحدى الحالتين معروفا، ففي الحالة الثانية-في "أرخبيل الجولاج"-غير معروف على الإطلاق. وإذا أخذنا بشهادات الشهود الأحياء المعاصرين عما كان بالنسبة لمصائرهم وما حدث لهم مأخذ الحقيقة، فلا يمكن أن نعرف إطلاقا من أين يمكن أن تظهر لدى أي واحد منهم تلك الأرقام التعميمية عن "الجولاج" فى عمومه.

هذا ما حدث مع سولجينيتسين الذي حصل على نوبل أيضا في ملابسات يعرفها الجميع، ولا تختلف كثيرا عن ما تحاول استعادته الصحفية البلاروسية سفيتلانا ألكسييفيتش. وإذا كان سولجينيتسين قد فعل ذلك في كتاب واحد من كتبه ورواياته الكثيرة المهمة، انتقاما من ستالين ومكسيم جوركي، فالصحفية البلاروسية تخصص كتبها الست ومقالاتها ومقابلاتها الصحفية لذلك فقط، لتتطور "مدرسة البحث الفني" عند سولجينيتسين إلى "المدرسة الاستقصائية الوثائقية متعددة الأصوات ذات الطابع السياسي الأيديولوجي المباشر للنضال من أجل الحرية والكرامة الإنسانية".. مذهب أدبي جديد، وإن كان اسمه طويل بعض الشئ، يكرس للتماهي مع السائد والمستهلك والمطلوب إعلاميا، ويحتاج إلى تفسيرات في وسائل الإعلام عبر الحوارات والمقابلات مع من يستخدمونه، لأن المكتوب غير كاف، وربما ليس له علاقة بالأدب أصلا. (انتهى)