2 – الخلافة الأموية

   كان المشهد العقائدي حين تولي معاوية بن أبي سفيان للخلافة قد أصبح متنوعاً لحد كبير وأصبحت الخلافات السياسية والطبقية تحمل أبعاد دينية ، فالكادحين والحرفيين وصغار التجار وصغار الملاك كانوا يشكلون غالبية التيار الموالي للإمام علي ، في حين كان كبار التجار وبعض المتعصبين القبليين من القبائل الشمالية والجنوبية الذين استفادوا من السياسات الاقتصادية للخليفة الثاني يشكلون العنصر الأساسي في تيار الخوارج ، أما الغالبية من الإقطاعيين وكبار التجار فقد تفاعلوا – ولو بصفة مؤقتة - مع الدولة الأموية[1] مشكلين تياراً براجماتياً سواء في رؤياه السياسية أو في اجتهاداته الفقهية والعقائدية .

   لقد مثلت الدولة الأموية التطور النهائي للتحول باتجاه سيادة النمط الإقطاعي في الإنتاج ، وقد اعتمد الأمويون على أسلوب الإقطاع المركزي والذي يعتمد على ملكية الدولة للأرض بصفة عامة وقدرتها على منح الأراضي الزراعية وسلبها من المواطنين بقدر ولائهم السياسي لها ، وقد تطرف الأمويون في تطبيق هذا الأسلوب مع توسع الدولة في فتوحاتها السياسية بدرجة كبيرة[2] ، كما اصطبغت دولتهم بصبغة قومية وعنصرية متطرفة تجاه الشعوب المغلوبة وحتى في مواجهة معتنقي الإسلام من أبنائها الذين اعتبروا متهمين في إيمانهم ولم يسمح لهم بتولي مراكز قيادية في إدارات الدولة أو الجيش الذي شكل عصبه العنصر العربي[3] .

   وعلى المستوى الديني سعى الأمويون لصياغة دينية تتوافق مع مصالحهم في مواجهة الأحزاب والاتجاهات الدينية المعارضة ، وقد اعتمدت هذه الصياغة على قاعدتين الأولى ؛ توزيع القدسية والشرعية الدينية بين جميع المعاصرين للنبي (ص) سواء من المسلمين الأولين أو من القرشيين الذين أسلموا بعد فتح مكة وقد أطلق على هؤلاء لفظاً جامعاً " الصحابة " ورغم أن مدلوله العملي ربما يشير للأتباع المقربين للغاية من النبي (ص) بحيث يضيق كثيراً عدد من يدخلون في إطاره إلا أن التعريف الجديد أوجد للنبي (ص) عشرات الآلاف من الصحابة المقربين كان أي منهم كافياً لمنح الشرعية باعتباره أحد النجوم التي يجوز الاهتداء بها كما نسب للنبي (ص)[4](*) .

   أما القاعدة الثانية فقد اعتمدت على تحجيم قدسية الشخصيات التي تتعارض من ناحية دينية وسلوكية مع الممارسات الأموية حتى لو كانت شخص النبي (ص) أو بعض الصحابة الذين تظاهر الأمويون بتقديسهم كعمر بن الخطاب[5](*) ، كما طالت محاولات تحجيم القدسية القرآن الكريم ذاته عبر مرويات تثير الريبة في طريقة جمعه بعد وفاة النبي (ص) أو في فقدان آيات من بعض السور[6](*) ، وهي محاولة ارتبطت بواقع أن بعض آيات القرآن الكريم توجه اتهامات واضحة لشخصيات وأسر أموية وقرشية كان لها دورها في العداء للدعوة الإسلامية وأصبحت في العهد الأموي من الشخصيات البارزة في الدولة ولم يكن لدى السلطة من وسيلة لتجاوز هذا الحرج الذي قد يطعن في شرعية السلطة ذاتها إلا عبر التشكيك في القرآن بشكل غير مباشر وغير صريح ، أما الشخصيات التي واجهت المشروع الأموي بشكل سياسي وعسكري كعلي بن أبي طالب والهاشميين فقد لجأ معاوية لمحاولة نفيهم تماماً عبر استخدام السباب الإعلامي والنفي الديني[7] ، وتشير مروية الزبير بن بكار التي نقلها المسعودي أن الغرض الحقيقي من هذا التطرف تجاه علي بن أبي طالب هو مواجهة شخص النبي (ص) نفسه بطريق غير مباشر[8] .

   ولم يكن من المقبول مع تأسيس الأمويون لهذا المشروع الاستمرار في الالتزام بقرارات الخليفة الثاني بمنع دراسة السنة النبوية خاصة بعد أن أصبحت دراسة السنة علماً منتشراً في عهد الإمام علي ، وقد اضطر معاوية بن أبي سفيان لاستئجار رواة حديث يقومون بتحرير المرويات ونسبتها للنبي (ص) مقابل مكافآت مالية ، كما قامت مجموعة أخرى بمحاولة تحريف بعض المرويات الصحيحة عن هدفها الأساسي الذي قد يصطدم مع أهداف وسياسات الأمويون أو ذكر مروية مناقضة لها واعتبارها أكثر صحة من الناحية السندية[9] .

   على أن المنظومة الدينية التي تبناها الأمويون لم ترق أبداً لدرجة المذهب أو لدرجة المدارس الفكرية الإسلامية ذات القواعد والأسس في تلقي النص الديني وتفسيره ، وربما حرص الأمويون على ألا يكون لهم مذهب محدد حتى لو كانت قواعده الناشئة خاضعة لسيطرتهم ، انطلاقاً من وعيهم السياسي بحالة التغير الدائم للظروف السياسية بحيث يمكن أن تمثل هذه القواعد في مرحلة لاحقة قيداً معوق لحركتهم في مواجهة المعارضين لهم .

   وهنا لابد من الإشارة إلى أن الإقطاع في سعيه الأول للسيطرة على المنظومة الدينية المعادية له في جوهرها لا يلجأ للقهر الفكري إلا بعد اكتمال منظومته في تفسير النصوص الدينية بما يؤدي لسيطرته المطلقة على الأوضاع ، وفي المرحلة الثانية يسعى الإقطاع لتثبيت هذه المنظومة وإماتة أي حراك ديني معارض لها مستخدما النفي الديني والاجتماعي (الأخلاقي) كوسيلة دعائية تبرر الاضطهاد السياسي ، ولا يمكن السماح بأي دعوة للتغيير الديني إلا إذا كانت تلتقي مع مستجدات تخدم موقف الإقطاع أو في نطاق صراعاته الداخلية بين شرائحه وفئاته المختلفة .

   وبالنسبة للنموذج الأموي الذي لم يتمكن من البقاء لمدة قرن في السلطة ، فقد فشل في التطور المكتمل إلى درجة تجميد الوضع العقائدي بسبب المشاكل والتحديات المتعددة التي أوجدها معارضيه وخاصة الشيعة والخوارج في محاولتهم لإسقاطه ، إضافة للثورات الإقليمية التي واجهها وخاصة المتعلقة بالعراق ، وبالتالي فقد ظلت منظومته الدينية بحاجة دائمة للتغيير الجزئي .

   لقد أفرز التحول الاقتصادي الأموي تجاه الإقطاع المركزي عدة تغيرات اجتماعية حيث أصبح كل من الإقطاع وكبار التجار – المسيطر عليهما من قبل السلطة في دمشق - أكثر ارتباطاً بالمشاعر الإقليمية خاصة في العراق ، وكانت له بعض المحاولات التي سعت لفصل العراق عن الحكم الأموي في الشام[10] ، إلا أنه التزم في أغلب فترات العهد الأموي سياسة التعاون ربما خوفاً من البديل الشيعي المعادي للإقطاع من الأساس ، وقد أدى هذا التمايز إلى تمايز آخر على المستوى الديني ، حيث التزمت المجامع العلمية في العراق بقدر من الاستقلال الفكري عن الوضع الديني في الشام ورفضت اتخاذ مواقف سلبية متطرفة من الإمام علي بالرغم من رفضها لمشروعه في الحكم ، إلا أنها في المقابل التزمت بالقاعدة الأموية والتي تمنح الشرعية والوثاقة لكافة الشخصيات التي عاصرت النبي (ص) والذين عرفوا جميعاً بلقب الصحابة[11](*) .

   وقد شهدت أواخر الدولة الأموية حالة من التحول الولائي لدى الإقطاعيين وكبار التجار – خاصة الفرس - باتجاه إحدى التحريفات للدعوة العلوية والتي أسسها العباسيون سراً[12] ، وبالتالي فقد تميزت الأقاليم الشرقية للإمبراطورية الإسلامية عموماً بحالة من تعددية الأفكار الدينية التي سعت للبقاء على مسافة سواء من المذاهب المعارضة كالشيعة أو الخوارج التي تتعارض مع مصالحها الطبقية ، ومن المبادئ الدينية للدولة الأموية والتي تنافس إقطاعيو وتجار الأقاليم الأخرى في ثروات مناطقهم ، إلا أن هذه الأفكار - بحسب الطبيعة التقليدية للإقطاع الإسلامي في هذه المرحلة - لم تكن ترقى إلى المذهبية وكانت تعتمد بدرجة كبيرة على حجم القناعة بالفقيه الذي يتبناها[13](*) .

   إن تورط الخلفاء الأمويون في الصراع مع أهل البيت النبوي وما نتج عنه من استشهاد الإمام الحسين في كربلاء وما تلاه من أسلوب مهين في التعامل مع سيدات وأطفال أسرة النبي (ص) ، إضافة إلى الصراعات الأخرى مع الخوارج أو مع الثوار الإقليميين والتي انتهت جميعها تقريباً بارتكاب مذابح تصطدم مع أخلاقيات الدين المعروفة أجبرت السلطة الأموية على إنتاج منظومة عقائدية ترى إرجاء تقييم أفعال العباد إلى يوم القيامة وتعتبرها مهمة منحصرة بالله (عز وجل) الأمر الذي رفضته الطوائف الأخرى وخاصة المعارضة واعتبرته نوع من التحايل على قواعد ونصوص الدين الإسلامي وتبريراً لممارسات الخلفاء الأمويين[14] .

   لقد عبر المعتقد الإرجائي عن القوى الاجتماعية التجارية ، والتي تفتقد للثورية بطبيعتها وتجنح للانتهازية ، بالإضافة إلى ما تعرضت له هذه الطبقة من الإنهاك الذي أدى لافتقارها إلى زعامات قوية يمكنها من مواجهة الإقطاع الأموي ، وبالتالي فلم تحفل كثيراً بتغيير الوضع القائم حفاظاً على مصالحها مع اليمين الأموي التي سعت لتبرير وجوده ، وبالرغم من أن بعض زعاماتها قد شارك بفاعلية في ثورة ابن الأشعث كعامر الشعبي ، إلا أنه لم يلبث أن أصبح من كبار رجال الدولة الأموية بعدما استثناه الحجاج بن يوسف الثقفي من المذبحة التي أقيمت للثوار ، ويبدو من الواضح أن مشاركة المرجئة في هذه الثورة لم يكن عن بعد ثوري حقيقي في المعتقد الإرجائي بقدر ما كان استجابة للتيار العام السائد لدى العراقيين في مواجهة السلطة الأموية وتعصبها للعرب الشاميين مما يفسر هذا العفو عن عامر الشعبي[15] .

   من ناحية أخرى فقد أدى الاعتماد على الأحاديث المنقولة عن النبي (ص) شفهياً دون تحديد معايير للصحة سوى الصدق المفترض للراوي إلى ظهور مجموعة من دارسي الحديث المنتمين للإقطاع أو كبار التجار ، اتهموا مثقفي المذاهب المعارضة للدولة كالشيعة والخوارج بالتأثر بالأفكار والنظريات المنقولة من الفلسفة والمنجزات الفكرية للحضارات السابقة وهو ما أدى لتشويه النقاء الديني للإسلام ، وبالتالي فقد اعتبروا هذه المذاهب متهرطقة واعتمدت رؤيتهم العقائدية على ما اعتبروه صحيحاً سندياً من المرويات المنقولة عن النبي (ص) والصحابة بشكل عام ، دون أي معيار آخر سواء عقلي أو قرآني[16](*) .

   وقد أطلقت كتب الفرق على هذه المجموعة لقب " الحشوية " تعبيراً عن أسلوبها القاصر في تناول المرويات عن النبي (ص) والصحابة رغم درايتهم بمدى التلفيق الذي شاب عملية النقل عن النبي (ص) في العهد الأموي ، إلا أن هذه المجموعة وصفت نفسها بلقب " أهل السنة " نظراً لالتزامها الصارم بالأحاديث النبوية إلى درجة أنها اعتقدت بتحريف القرآن الكريم بناء على المرويات التي أشارت إلى أن المسلمين سوف يرتكبون نفس الأخطاء التي وقعت فيها الأمم السابقة ، ومرويات أخرى تتحدث عن فقدان آيات قرآنية أثناء جمع القرآن الكريم[17]· ، إضافة للاعتقاد بضرورة عدم الخروج على الحاكم وطاعته بر أو فاجر[18] .

   لم تكن هذه المجموعة سوى تطور ذهنياً للخوارج من القراء كنتيجة للفصل المبكر بين القرآن الكريم والسنة النبوية ، بحيث بدا كل منهما كنص غريب عن الآخر ، وفي حين أدى نشر ثقافة السنة النبوية في عهد الإمام علي إلى الحد من تطرف المجموعات الفكرية التي تطورت عن الخوارج الأوَّل ، وساهمت في القضاء على المجموعات المتطرفة كالأزارقة بحيث لم يبق من الخوارج مع بدايات العباسيين سوى مذهبي الإباضية والصفرية وهما الأكثر رقياً واعتدالاً من الناحية الفكرية والعقائدية ، فالواقع أن مشكلة المجموعة السنية الأولى مع الحديث النبوي لم تنتهي رغم تطورها العقائدي بسبب واقع أزمتها الحقيقية في عدم وضوح العلاقة بين القرآن الكريم والسنة النبوية وأيهما الذي يمثل معيار تقييم الآخر ؟!!

   وبالرغم من أن الانتماء للطبقة التجارية يفترض قدراً من المرونة الفكرية ، إلا أن الواقع السياسي والثقافي الذي فرضه الأمويون على المجتمع الإسلامي ، بالإضافة لضعف الطبقة التجارية ، أفرز هذه التصورات النصية التبريرية لصالح الوضع القائم ، في مقابل عدائها السافر لطوائف المعارضة .

   ومن الملاحظ أن المجموعات الفكرية المنتمية للطبقة التجارية قد شهدت تنوعاً في أدائها السياسي وموقفها من السلطة ، فقد اتسم الفكر السياسي للخوارج بالتطرف الثوري التغييري ، في حين اتسمت المرجئة بتبني فكر راديكالي إصلاحي في أواخر الدولة الأموية كمحاولة للاحتفاظ بمكتسباتها[19] ، أما القطاع الأكبر من الحشوية – خاصة في الشام – فقد ظل مخلصاً لسلبيته السياسية ورافضاً بشكل ثابت لفكرة الثورة على النظام السياسي ، ولا يمكن تبرير هذا التنوع إلا بناء على تواصل المكتسبات الاقتصادية الإقطاعية والتي ساهمت في ربط هذا التيار الفكري بالدولة الأموية ، والخلفيات الفكرية التي سمحت للمرجئة بالتواصل النوعي مع الأطروحات الفكرية الأخرى كالشيعة والخوارج والمعتزلة في بدايات نشأتهم[20] ، في حين دفعت الحشوية للانعزال عن الحركة الفكرية والانغلاق في مواجهة الآخر سواء حرصاً على وجاهتها الدينية المرتبطة بعلاقتها الوثيقة مع الأمويين ، أو التزاماً بالنصوص التحريفية التي أنتجتها المؤسسات الأموية في بداية نشأتها .

   إلا أن اختلاف القاعدة التي نشأت عليها كل من " المرجئة " و" الحشوية " ، وما شهدته الطائفتين من تطورات فكرية ؛ لا يلغي حقيقة أنهما من الناحية الواقعية كانتا نتيجة مباشرة للمشروع الأموي وعبرت كلتا الطائفتين عن مصالحه بإخلاص[21](*) ، كما أن وجودهما تضاءل كثيراً بنهايته السياسية وأجبرتا إعادة تشكيل منظومتهما الفكرية والعقائدية بأشكال مختلفة في العصر العباسي .

   في كتابة " حرب الفلاحين في ألمانيا " يشير فريدريك أنجلز إلى العلاقة بين الصراعات الطبقية والفرق الدينية : " إن ما يسمى بالحروب الدينية في القرن السادس عشر كانت تتضمن مصالح طبقية مادية إيجابية ... ورغم أن الصراعات الطبقية كانت عندئذ مغلفة بشعارات دينية ورغم أن مصالح وحاجات ومطالب مختلف الطبقات كانت مختفية خلف ستار ديني فلم يبدل هذا شيئاً من الأمر "[22](*).

    إن هذه المقولة لا تمثل حالة استثنائية بالنسبة لحروب وصدامات القرن السادس عشر في أوروبا بقدر ما تعد قاعدة ميزت الطبيعة الأساسية للمواجهة بين المُستغِلين والمستغَلين في مختلف مراحل التاريخ بشكل عام وإن اتخذت دائماً في العصور الوسطى شكل هرطقة دينية (بتعريف السلطة)(*) أو تفسيراً ثورياً للنصوص الدينية ، في مواجهة المؤسسة الدينية الرسمية المناصرة للسيطرة الإقطاعية ، وفي حين كانت المؤسسة الدينية في التراث الإنساني عموماً سابقة على تأسيس الحركات الدينية الثورية والمعادية لها والتي نشأت كرد فعل لانعكاسات رؤيتها الدينية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ، فإن التاريخ الإسلامي يتميز بأن المؤسسة الدينية نشأت كرد فعل علماني من قبل الدولة على أثر الدين في الحركات الثورية الملتزمة بالمذهبين الشيعي والخارجي ، وبالتالي لا يمكننا موافقة أنجلز على اعتباره بأن الصراعات الدينية كانت مغلفة بشعارات دينية ، فالواقع أن نصوص الدين الإسلامي تعتبر معالجة الوضع الاجتماعي جزء أساسي من مهماتها التشريعية ، كما لا مجال للعثور على مذهب محدد يمكن الادعاء أنه مثل الأساس بالنسبة للأمويين الذين كانوا أكثر حرصاً على تنوع وتشرذم الآراء الدينية بما لا يسمح بتشكيل مجموعات مذهبية متناسقة فكرياً وعقائدياً وربما غير منضبطة أو ملتزمة بتوجهات الدولة من الناحية السياسية(·) .

   وعلى الرغم من أن هذه السياسة مكنت الأمويين بعد جهد ضخم من تحييد الطبقة التجارية باعتبار ولاء الإقطاع العربي لها بشكل مطلق ، فإن نقطة ضعفها الأساسية تمكنت من رسوخ الوضع الاجتماعي والمذهبي بالنسبة للمعارضة الشيعية والخارجية التي أثارت في مواجهتها العديد من الانتفاضات المزعجة رغم محاولات المؤرخون الاستخفاف بحجمها أو بتأثيرها ، ومع الجشع الأموي المستمر إلى الفتوحات العسكرية غير المدروسة في المشرق والمغرب والتي كانت تهدف إلى السيطرة على الأراضي الزراعية وطرق التجارة وانتهت في بعض الأحيان إلى نتائج كارثية تحملت تبعاتها بالأساس الزعامات الإقطاعية في أقاليم الدولة القريبة من مناطق الفتوحات سواء من ناحية النفقات أو المحاربين ، فإن الإصرار على سياسة الإقطاع المركزي المتشددة ساهمت في تفكيك ولاءات الإقطاع العربي وبدايات انضمامه أو بعض من عناصره للتشيع بحثاً عن أيدلوجية دينية في مواجهة الواقع الأموي ، كما برزت بوضوح العصبيات المناطقية والقبلية حيث فجر الإقطاع العراقي ثورة ضخمة بقيادة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي ضد الحكم الأموي الشامي استنفذت الكثير من الجهود الأموية لإيقافها والسيطرة عليها ، وكانت العصبية ما بين العرب النزارية والعرب اليمنية هي إحدى نتائج هذا الأسلوب الاستبدادي للأمويين ، وساهم حماس الطرفين – وخاصة العرب اليمانية - للحركات المعارضة بشكل عام ، وبالتالي فإن رفض الأمويين الاستعانة بأيدلوجية دينية واضحة ومحددة المعالم وذات قواعد جماهيرية كان من أهم أسباب سقوط دولتهم في مواجهة الهجوم العباسي .



[1] - م . س – ص 100 .

[2] - محمود إسماعيل – سوسيولوجيا الفكر الإسلامي - م . س – ج 1 ص 62 ، الجهشياري – م . س – ص 26 .

[3] - فلهوزن – م . س – ص 130 ، 131 ، نجاح الطائي – م . س – ج 1 ص 373 .

[4] - مرتضى العسكري – قيام الأئمة بإحياء السنة – طبعة شركة التوحيد للنشر / المجمع العلمي الإسلامي – طهران 1414 هجرية – ج 1 ص 92 ، 93 ، أحمد أمين – ظهر الإسلام – طبعة مكتبة النهضة المصرية – القاهرة 1964 – ج 4 ص 32 ، 33 .

* لم يتقبل الشيعة ولا المعتزلة وبالتأكيد أيضاً الخوارج الحديث المنسوب للنبي (ص) : " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " واحتج المعتزلة – على سبيل المثال – بأن الاعتقاد بصحة هذا الحديث يوجب أن يكون أهل الشام في صفين على هدى ، كما يجب أن يكون عمرو بن العاص ومعاوية اللذان كانا يلعنان علياً وولديه على هدى . وقد كان في الصحابة من يشرب الخمر كأبي محجن الثقفي ، ومن يرتد عن الإسلام كطليحة بن خويلد ، واعتبروا أن هذا الحديث من موضوعات الأمويون .

[5] - الإمام مالك بن أنس – الموطأ – برواية أبي مصعب الزهري المدني – تحقيق وتعليق / د . بشار عواد معروف ، محمود محمد خليل – طبعة مؤسسة الرسالة – بيروت 1998 - ج 2 ص 64 - 65 ، ابن سعد – م . س – ج 3 ص 318 – 319 ، 338 ، 340 – 341 ، 346 .

* أشارت بعض المرويات الحديثية والتاريخية إلى إدمان عمر بن الخطاب للنبيذ وبغض النظر عن مدى صحة أو خطأ هذا الادعاء فإن انتشار هذه المرويات يشير إلى محاولة الأمويين إثارة نوع من الشبهات على شخصية عمر بن الخطاب واستغلال مثل هذه المرويات لتبرير سلوكياتهم المتعارضة مع أحكام الدين الإسلامي ؛ ومن هذه المرويات ما رواه الإمام مالك بن أنس في كتابه الموطأ : " إن اسلم مولى عمر بن الخطاب أخبره انه زار عبد الله بن عياش المخزومي فرأى عنده نبيذا وهو بطريق مكة فقال له اسلم إن هذا الشراب يحبه عمر بن الخطاب فحمل عبد الله بن عياش قدحا عظيما فجاء به إلى عمر بن الخطاب فوضعه في يديه فقربه عمر إلى فيه ثم رفع رأسه فقال عمر ان هذا لشراب طيب فشرب منه ثم ناوله رجلا عن يمينه فلما أدبر عبد الله ناداه عمر بن الخطاب فقال أأنت القائل لمكة خير من المدينة فقال عبد الله فقلت هي حرم الله وأمنه وفيها بيته فقال عمر لا أقول في بيت الله ولا في حرمه شيئا ثم قال عمر أأنت القائل لمكة خير من المدينة قال فقلت هي حرم الله وأمنه وفيها بيته فقال عمر لا أقول في حرم الله ولا في بيته شيئا ثم انصرف " .

[6] - البخاري – الصحيح – طبعة المطبعة الأميرية – القاهرة 1312 هـ - ج 8 ص 168 - 169 .

* تشير المروية 6433 في البخاري : " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي ويهودية قد أحدثا جميعا فقال لهم ما تجدون في كتابكم قالوا إن أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتجبية قال عبد الله بن سلام ادعهم يا رسول الله بالتوراة فأتى بها فوضع أحدهم يده على آية الرجم وجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له بن سلام ارفع يدك فإذا آية الرجم تحت يده فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما قال بن عمر فرجما عند البلاط فرأيت اليهودي أجنأ عليها " ورغم ما في المروية من عناصر ضعف ، فإنها تشير إلى أن الرسول (ص) قد طبق حد الرجم على اليهوديان بناء على ما ذكرته التوراة ، مما يوحي بأن ظهور حد الرجم في التشريع الإسلامي كان بتأثير من المرويات التي وضعها بعض المسلمين من ذوي الأصول اليهودية والمسيحية ، ويبدو أن المروية المنسوبة لعمر بن الخطاب عن آية الرجم قد تم صياغتها في إطار المحاولات التي بذلت لتبرير هذه الممارسة التي لم يأمر بها القرآن الكريم .

م . س – ج 8 ص 165 – 166 .

[7] - الإمام أحمد بن حنبل – المسند – طبعة دار صادر – بيروت (بدون ذكر تاريخ الطباعة) – ج 1 ص 187 - 189 ، المسعودي – مروج الذهب ومعادن الجوهر – تحقيق / محمد محي الدين عبد الحميد – طبعة دار التحرير للطبع والنشر - القاهرة 1967 – ج 2 ص 3 – 4 ، 11 .

[8] - المسعودي – م . س – ج 2 ص 357 .

[9] - عبد الصمد شاكر – نظرة عابرة في الصحاح الستة – بدون ذكر مكان وتاريخ الطبع – ص 396 – 397 ، 434 ، 436 ، 499 .

[10] - المسعودي – م . س – ج 2 ص 101 – 103 ، اليعقوبي – م . س – ج 2 ص 277 – 279 .

[11] - النوبختي – م . س – ص 20 – 21 .

* أطلق النوبختي لقب " البترية " على هذا التصور للصحابة ، ويبدو أن بعض معتنقي هذا التصور في الصحابة قد انضموا لاحقاً إلى المرجئة .

م . س – ص 6 – 7 ، 20 – 21 .

[12] - أحمد صبري السيد علي – الكيسانية .. إشكاليات التسمية – بحث بالمدونة الشخصية للباحث www.ahmadsabryali.maktoobblog.com بتاريخ (2007-09-17) .

[13] - كمال الدين المزي – م . س – ج 11 ص 57 - 59 .

* يمثل سفيان بن سعيد الثوري نموذجاً لهذه النوعية من الفقهاء الذين تميزوا بمحاولة التوازن بين طروحات السلطة وطروحات المذاهب المعارضة إلا أنه لم يتمكن من تأسيس مذهب فقهي محدد المعالم والأصول نتيجة القيود المفروضة على عملية التدوين .

م . س – ص 57 – 58 .

[14] - النوبختي – م . س – ص 6 – 7 ، علي شريعتي – دين ضد الدين – ترجمة / حيدر مجيد – طبعة دار الأمير للثقافة والعلوم - بيروت 2003 – ص 47 ، د . محمود إسماعيل – الحركات السرية في الإسلام – طبعة مؤسسة الانتشار العربي – بيروت 1997 – ص 36 – 42 .

[15] - محمود إسماعيل – م . س – ص 46 – 48 ، المزي – م . س – ج 14 ص 13 ، اليعقوبي – م . س – ج 2 ص 278 – 279 .

[16] - النوبختي – م . س – ص 6 – 7 .

* أطلق النوبختي على الحشوية لقب " أصحاب الحديث " وذكر أسماء بعض الشخصيات التي انتسبت إلى هذه الفرقة كعامر الشعبي ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى .

[17] - الفضل بن الحسن الطبرسي – مجمع البيان في تفسير القرآن – تحقيق / لجنة من العلماء – طبعة مؤسسة الأعلمي للمطبوعات – بيروت 1995 – ج 1 ص 43 .

· ذكر تاج الدين السبكي مؤلف كتاب طبقات الشافعية مجموعة من الانتقادات التي وجهها الإمام العز بن عبدالسلام إلى الحشوية ، واتهمهم فيها بالابتداع : " وبدعة الحشوية كامنة خفية لا يتمكنون من المجاهرة بها بل يدسونها على الجهلة العوام وقد جهروا بها في هذا الأوان فنسأل الله تعالى أن يعجل بإخمالها كعادته ويقضي بإذلالها على ما سبق من سنته ، وعلى طريقة المنزهين والموحدين درج الخلف والسلف ، رضي الله عنهم أجمعين " كما نقل المؤلف وصفه لهم بالجهل بكتاب الله وسنة رسوله : " وإنما أتي القوم من قبل جهلهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسخافة العقل وبلادة الذهن " . (تاج الدين السبكي . طبقات الشافعية الكبرى . تحقيق / عبدالفتاح محمد الحلو ، محمود محمد الطناحي . طبعة دار إحياء الكتب العربية . القاهرة (بدون ذكر سنة الطبع) . ج 8 ص 226 ، 227) .

وقد جاء هذا الوصف من الشيخ ابن عبدالسلام الأشعري في أثناء صدامه مع بعض الحنابلة الذين وصفهم بلقب " الحشوية " في الوقت الذي يذكر فيه تاج الدين السبكي في نقله لتفاصيل الصدام بين الطرفين أنهم اقنعوا السلطان بأن آرائهم مطابقة لاعتقاد السلف ورأي الإمام أحمد بن حنبل وفضلاء الصحابة (م . س . ج 8 ص 218) .

وهو ما يؤكد صحة ما استنتجناه من أن هذه الطائفة قد أطلقت على نفسها لقب " أهل السنة " كما أن بعض الحنابلة إنسحب عليهم هذا اللفظ كنوع من الذم لهم بسبب ترويجهم لبعض معتقدات هذه الفرقة والتي اعتبرتها الطوائف الأخرى بدعية .

 

[18] - النوبختي – م . س – ص 6 .

[19] - د . محمود إسماعيل عبد الرازق - الحركات السرية في الإسلام – م . س – ص 56 – 58 .

[20] - م . س – ص 43 – 45 .

[21] - م . س – ص 40 – 41 .

* يبدو من المصادر التاريخي عدم التفرقة ما بين الحشوية والمرجئة ، ومن الواضح أن المرجئة لم تكن سوى حالة من التطور على السلبية التقليدية للحشوية الأمر الذي منحها بشكل تدريجي منهجية خاصة بها ، وبالرغم من أن كلا من الطائفتين ربما كانتا نتاجاً أموياً إلا أن المرجئة تميزت بنشاط عقلي واضح لاحقاً في حين يبدو أن الحشوية أستمرت على منهجها في الخضوع والاستسلام للنص ، والعلاقة بين الحشوية والمرجئة شبيهة لحد كبير لنموذج العلاقة بين التوجه السلفي وجماعة الإخوان المسلمين .

[22] - فريدريك أنجلز – حرب الفلاحين في ألمانيا – ترجمة / محمد أبو خضور – طبعة دار دمشق – دمشق (بدون ذكر سنة الطبع) – ص 46 .

* انطلق فريدريك أنجلز في رؤيته من خلال قاعدة أن الدين غير قادر كأيدلوجية على تحقيق ثورة اجتماعية في مواجهة الطبقات المستغِلة ، وهي قاعدة تجد ما يصطدم بها في التراث الإسلامي ، فقد بنى القرامطة والمشعشعين والسربدارية رؤيتهم القريبة للغاية من الاشتراكية على أساس من نصوص المذهب الشيعي والتجربة العملية لفترة حياة النبي (ص) وحكم الإمام علي بن أبي طالب في الكوفة ، كما أن قيام الثورة الإسلامية الإيرانية على أساس من المذهب الإسلامي الشيعي وبزعامة الإمام الخميني في مقابل فشل الأحزاب الماركسية الإيرانية ، الأكثر عراقة في نشاطها السياسي ، في تحقيق هذا الإنجاز وإقناع البروليتاريا والفلاحين بإيدلوجيتها يمثل دليلاً آخر على هذا الخطأ .

* المقصود من هذه الإشارة أن وصف الحركات الدينية المناوئة بالهرطقة والمروق من الدين غير مقبول في الفترة الحالية حتى مع صدامها المسلح بالسلطة ، بسبب الطبيعة المدنية للدولة والتي لا تعتمد على شرعية دينية للحكام بقدر ما تقوم على شرعية صناديق الاقتراع ، وإن استخدمت المؤسسة الدينية في بعض الأحيان مواصفات شبيهة للحركات المعارضة فإنها لا يمكن أن تحقق نفس المردود الذي كان يمكنها تحقيقه سابقاً .

· على الرغم من دعم الأمويين لتياري المرجئة والحشوية ، إلا أن هذا لا يعني تبني السلطة الأموية لآرائهم بشكل كامل ، بقدر ما استفادت من هذه الآراء في صراعها مع التيارات المذهبية المعارضة كالشيعة والخوارج .