لا يمكن تجاهل مدى ما مثلته عملية تدوين العلوم الإسلامية من علامة فارقة على وضع الفكر والثقافة الإسلامية ، بحيث يمكن اعتبارها بداية لمرحلة فكرية جديدة ومختلفة تماماً عن سابقتها التي عاصرتها الدولتين الراشدة والأموية .

   إن الملاحظ بالنسبة للمرحلة السابقة على التدوين هو عدم وجود علامات أو قواعد محددة يمكنها أن تمنح خصوصية لمدرسة فكرية ما ، وباستثناء الفصائل الراديكالية الشيعية والخوارج فإن الكثير من المحدثين والعلماء الكبار في هذه المرحلة من الممكن نسبتهم لأكثر من طائفة أو مذهب بحسب منظومتهم الفكرية المتنوعة وتطوراتهم العقائدية والفقهية المتغيرة ، بالإضافة لعدم الاتفاق على تعريف محدد بالنسبة للمصطلحات أو المسميات المذهبية ، فبينما يعتبر الإباضية أن مذهبهم قد تأسس على يد المحدث جابر بن زيد الأزدي[1] ، يرى السنة المحدثين أن جابر بن زيد من أئمة سلفهم[2] ، وفي حين تشير بعض المرويات إلى أبو حنيفة النعمان كمنتمي للمرجئة[3] ، ترى مرويات سنية أخرى أنه كان من كبار أئمة أهل السنة[4] ، كما توجد بعض الجدالات حول العلاقة بين التشيع والاعتزال وأيهما الناقل عن الآخر في المسائل الكلامية والاعتقادية وهو ما أجبر الشيخ محمد بن النعمان المفيد فيما بعد على تأليف كتاب لتوضيح هذه المسألة وتبيان حجم الخلاف والتشابه بين الطائفتين[5] .

   إن هذه الخلافات والتداخلات ما بين رجالات ورواد المذاهب والطوائف الإسلامية في العصر الأموي كانت نتيجة مباشرة لعدم قدرة العلماء المسلمين على تدوين العلوم الإسلامية بحيث يمكنهم وضع أسس ثابتة وموثقة لرؤيتهم العقائدية والفكرية ، الأمر الذي أدى لاختفاء المذاهب الفقهية والأصولية في العصر الأموي ، وإن تميزت المدارس الفكرية المعارضة كالشيعة والخوارج ببعض الخصوصيات والثوابت الفقهية والعقائدية الناتجة عن اختلاف مصادر التلقي لديهما ، واختلاف وضعهما في العلاقة ما السلطة السياسية بحيث اضطروا إلى تلقي علومهم بقدر أكبر من السرية ، وهو ما سمح بالنشأة المبكرة للمذهبين .

   لقد ساهم قرار الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بتدوين العلوم وخاصة علم الحديث سنة 143 هـ[6] في نقل الأطروحات الدينية الخاصة ببعض العلماء من حالتها الفردية الضيقة إلى الحالة المذهبية بما تحتاجها من أبعاد سياسية واجتماعية ، ويبدو من الواضح أن حالة التميز والخصوصية التي بدا عليها المذهبين المعارضين قد ساهمتا في دفع الخليفة باتجاه هذا الإجراء في محاولة لاستقطاب بعض المدارس الفقهية الموالية للدولة أو الغير معنية بموقف محدد تجاه الأسرة العباسية ، والتي يمكنها إقامة حالة من التوازن إزاء المدارس المعارضة ، وبديهي أن تدوين العلوم خضع في بداياته لرقابة الأسرة العباسية الحاكمة منذ فترة قصيرة والتي كانت تسعى لترسيخ وضعها السياسي على قمة المجتمع المسلم ، ومن الممكن أن نلحظ بعض ملامح هذه الرقابة في بعض المرويات التاريخية والدينية ذات المدلولات السياسية ، وربما كان مؤتمر مكة التي زعمت بعض المرويات التاريخية عقده قبل سقوط الأسرة الأموية بين العلويين والعباسيين ، وما نتج عنه من نبوءة الإمام جعفر الصادق بتولي العباسيين للخلافة(*) ، والمروية الشهيرة عن ظهور المهدي المنتظر من بين العباسيين واسمه محمد بن عبد الله ، صورة واضحة لحجم التدخلات والمؤثرات السياسية في التدوين التاريخي والديني[7] .

   لقد تنبه الخليفة العباسي إلى أن ما حملته الفرق المعارضة من خصوصيات فقهية وعقائدية في مواجهة حالة الانفلات المذهبي والعلمي للأمويين كان من أهم الدوافع لما حققته من نجاحات نتيجة قدرتها الضخمة على الاستقطاب الجماهيري لمنظومات عقائدية ذات أصول وقواعد ثابتة ، وعلى الرغم من أن تبني الدولة العباسية لمذهب فقهي وأصولي محدد استغرق فترة طويلة زمنياً ، إلا أن الخليفة أبو جعفر سعى من خلال السماح بتدوين العلوم الدينية والتاريخية إلى إنتاج مدارس فكرية دينية وتاريخية متعددة يمكنها تحقيق توازن مع المدارس الرافضة للأسرة العباسية ، خاصة أن هذه المدارس رغم خضوعها لقرارات منع التدوين السابقة إلا أن مدوناتها كانت تنتقل سراً عبر نشطائها في أنحاء العالم الإسلامي بحيث أدت إلى إضفاء حالة من التماسك المذهبي بين أتباعهم وشكلت مجتمعات معارضة وراسخة مذهبياً في أماكن مختلفة .

   إن التطور الذي شهده العالم الإسلامي عبر الانتقال من التلقي الشفاهي للعلوم الدينية إلى التدوين والثبات على القواعد ساهم بقدر كبير في وضع الأطر الخاصة بكل منهج فكري وديني على حدة ، وهو ما منح الحياة الفكرية والثقافية زخماً أكبر نتيجة لحالة الجدل التي نشأت بين هذه المناهج الجديدة والتي سعت لمحاولة الاستدلال على أصالتها الدينية والتاريخية عبر العديد من المؤلفات الدينية (عقائدية وفقهية) ، التاريخية ، والجدلية ، كما كان له دور خاص في التمهيد لترجمة العلوم العقلية والتراث الأدبي للحضارات الأقدم زمنياً بصفة عامة واليونانية منها على وجه الخصوص ، وبالتالي فإن البحث بالتطور الفكري أو الذهني في التراث والحضارة الإسلاميين يجب أن يتم عبر الفصل ما بين المرحلتين اللتين لم تختلفا فقط في نسب الأسرة الحاكمة ونظامها السياسي ، بقدر ما اختلفتا في الأوضاع الاقتصادية ، الاجتماعية ، وامتدت لتشمل الاختلاف في الوضع الديني والثقافي .

    أحمد صبري السيد علي

  المنصورة 2008-01-04



[1] - بكير بن سعيد أعوشت – دراسات إسلامية في الأصول الإباضية – طبعة مكتبة وهبة – القاهرة 1988 – ص 16 .

[2] - كمال الدين المزي – تهذيب الكمال – مراجعة / د . بشارة عواد معروف – طبعة مؤسسة الرسالة – بيروت 1980 - ج 4 ص 140 – 141 .

[3] - الحسن بن موسى النوبختي – فرق الشيعة – تحقيق / العلامة السيد هبة الدين الشهرستاني – طبعة دار الأضواء – بيروت 1984 – ص 7 ، محمد بن حبان – المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين - مراجعة / محمود إبراهيم زايد - طبعة دار الوعي – حلب 1396 - ج 3 ص 33 – 37 .

[4] - المزي – م . س – ج 29 ص 136 – 142 .

[5] - الشيخ المفيد – أوائل المقالات – تحقيق الشيخ / إبراهيم الأنصاري – طبعة دار المفيد – بيروت 1993 – ص 33 – 38.

[6] - جلال الدين السيوطي – تاريخ الخلفاء – طبعة دار الفكر – بيروت 1974 – ص 243 .

* يبدو نص هذه المروية واضحاً في انحيازه للعباسيين وربما تقبله المحدثين الشيعة بقدر من التسامح نتيجة ما حمله من نبوءة صادقة للإمام جعفر الصادق ، إلا أن واقع هذا النص يشير لمحاولة إسقاط شرعية ثورة محمد بن عبد الله بن الحسن ضد العباسيين ، وتحويل الخلافة العباسية لإرادة إلهية على الشيعة وأنصار العلويين تقبلها كونها ظهرت على يد الإمام جعفر بن محمد ، كما تحاول المروية إظهار محمد بن عبد الله بن الحسن كمدع للمهدية ، ومعاد للإمام جعفر الصادق الذي شارك عن طريق اثنين من أبنائه فيها مما يثبت تأييده لها .

أبو الفرج الأصفهاني – مقاتل الطالبيين – شرح وتحقيق / سيد أحمد صقر – طبعة دار المعرفة – بيروت (بدون ذكر سنة الطبع) – ص 206 – 208 ، 252 ، 253 – 257 .

[7] - جلال الدين السيوطي – م . س – ص 242 ، 253 ، أبو الفرج الأصفهاني – م . س – ص 206 – 208 ، 252 ، 253 – 257 .