هناك نص آخر دونه الكندي في كتابه ولاة مصر ربما يلقي قدر من الضوء على جانب آخر من الصوفية ويكشف عن مصدر للاشتقاق ، حيث أشار فيه باستغراب كبير إلى مجموعة من الناس تواجدوا في الإسكندرية سنة 200 هجرية وأطلقوا على أنفسهم اسم الصوفية وتزعمهم شخص يدعى أبو عبدالرحمن الصوفي ، ووصفهم الكندي بأنهم " يأمرون بالمعروف – فيما زعموا - ويعاضون السلطان في أمره "[1] . مما يعني أن الصوفية في بدايات القرن الثالث الهجري كانوا مجرد اتجاه ديني يدعم السلطة في مصر ولا يبدو منه أي اهتمام بعلوم خاصة[2] ، وهو ما يختلف تماماً عن وضع جابر بن حيان الذي توفي قبل هذا التاريخ . وبالتالي فنسبة الصوفي لجابر بن حيان وغيره من الكيميائيين ، في حالة صدقها ، سوف يكون المقصود بها الحكيم بالمعنى اليوناني ، وسيكون علينا أن نفرق بين مصطلح صوفي (الذي تم إطلاقه على جابر بن حيان) وبين نفس المصطلح الذي أطلق على أصحاب هذا الاتجاه الديني لاحقاً ، والذي يبدو أنه يعود بالأساس لما تميزوا به من الأمر بالمعروف وربما كانوا يرتدون الصوف في إشارة لزهدهم وهو ما جعلهم يطلقون على أنفسهم لقب صوفية ، وإن كان كلاهما حتى القرن الثالث الهجري لا يتشابه في طبيعته مع الصوفية اللاحقين ، ومن المحتمل أن يكون الصوفية قد شكلوا تطوراً أدت إليه جهود ذو النون المصري وآخرين عن التيار الديني الذي أشار إليه الكندي في كتابه ، خاصة وأنه بحسب المروي من سيرة ذو النون المصري فالواضح أنه كان يجمع بين الاهتمام بالعلوم العقلية وبين الزهد[3] وربما لهذا السبب تمكن من وضع صياغة مستقلة للتصوف كرؤية دينية تأثرت بالاتجاهين العقلي والروحي معاً ، قبل أن ينضم إليهما الاتجاه الثالث ، وهو الاتجاه الحركي في التصوف ، الذي أشار إليه الكندي ، والذي تمكن من وضع التنظيم الطرقي لحركته وتحويله من نزعة فردية تجمع ما بين الروحانية والفلسفة والتأمل ، إلى نزعة ذات تنظيم إجتماعي يمكنه في بعض الأحيان أن يكون ثورياً وفي أحيان أخرى يتحول لوسيلة من وسائل السلطة في تخدير العامة[4] .

   أما باقي الاشتقاقات المتداولة ، كالنسبة لأهل الصفة أو الارتباط بحالة الصفاء أو حتى لشخص اسمه صوفه في العصر الجاهلي ، فهي لا تصمد أمام النقد وقد رفضها القشيري في رسالته[5] .

   إن أهمية نص الكندي أنه يفصل بشكل واضح بين الصوفية ونشأتهم وبين الزهد ، وذلك على الرغم من الارتباط بين المصطلحين ، إلا أنه وبحسب نص الكندي فمن الواضح أن المجموعات المختلفة التي تسمت بهذا اللقب لم تكن تنظر للزهد بشكل موحد ، فبعضهم كان يجد في الهرب من الدنيا مخلصاً له[6] ، والبعض الآخر كان يزهد في الثروة لكنه كان إيجابياً تجاه الشأن العام كالمتصوفة السكندريين الذين أشار إليهم الكندي في نصه والذين كانت لهم فاعلياتهم الايجابية في السياسة ، وسيطر زعيمهم أبو عبدالرحمن الصوفي على الأوضاع في الاسكندرية بدعم من الأندلسيين لفترة زمنية قصيرة ، وتم عزله عنها لعدم قدرته على ضبط الأوضاع بها[7] .

   لقد لاحظ الدكتور الحسيني الحسيني معدي في موسوعته الصوفية أن لفظ " صوفي " يتم ترجمتها في اللغات الأجنبية إلى Sufism للإشارة إلى التصوف الإسلامي وذلك باستخدام نطقها العربي ، بينما تطلق على التصوف بشكل عام Mysticism ، بما يعني خصوصية لفظ التصوف الإسلامي وكونه مشتق من أصل عربي وليس أصل يوناني[8] .

   وبالرغم من وجاهة هذه الحجة فالواقع أنها لا تمنع أن يكون هناك اشتقاق يوناني للفظ " صوفي " ، خاصة أن الغرب الأوروبي اعتاد بشكل عام الاعتماد على بعض الألفاظ التي وردت إليه في فترة السيادة الحضارية العربية ، خاصة لو كانت تشير إلى حالة إسلامية خاصة مثل التصوف ، الذي يتميز في العالم الإسلامي ببعض الخصوصيات ، فهو يستخدم كلمة ALLAH للإشارة إلى لفظ الجلالة لدى المسلمين بالرغم من أن لديه مرادف لغوي له ، وبالرغم من أن اللفظ ليس قاصراً على اللغة العربية فقد كان يستخدم لدى المسيحيين السريان كذلك (المرتبطين بالثقافة اليونانية) قبل ظهور الإسلام ، لكنه لاحقاً أصبح مرتبطاً أكثر بالحالة الإسلامية .

   أما الزهد فيُعرف في اللغة العربية بأنه الإعراض عن الشيء وتركه مخافة الحساب أو العقاب ، لاحتقاره أو قلته أو التحرج منه ، والزهد في الدنيا هو الانصراف للعبادة وترك ملذاتها ، الإعراض عنها إحتقاراً لها . بينما يعرف الزاهد بأنه العابد ، الراغب عن الدنيا والمنصرف للآخرة[9] .

   أما الصوفية فيعرفون الزهد بأنه خلو القلب عما خلت منه اليد ، وترك الدنيا ، لا تقول أبني بيتاً أو مسجداً . أما الزاهد فهو من لا يملك مع الله سبباً .

   ويرى الصوفية أنه لا يمكن أن يصل أي إنسان لدرجة الزهد حتى تكون فيه ثلاث خصال : عمل بلا علاقة ، قول بلا طمع وعز بلا رياسة[10] .

   ويفرق السهروردي بين زهد الصوفية وزهد الفلاسفة ، فالصوفية يزهدون لحصول الإشراق في قلوبهم ، بينما يزهد الفلاسفة من أجل منع الشواغل عن الحواس بقصد تحصيل المعارف العقلية[11] .

   والزهاد عند الصوفية على ثلاث طبقات ، الأولى هم المبتدئون الذين خلت أيديهم من الأملاك وخلت قلوبهم مما خلت منه أيديهم . والثانية هم المتحققون الذين يتركون حظوظ النفس من جميع ما في الدنيا . والثالثة الذين زهدوا في الزهد وتابوا من زهدهم ، لأن الدنيا لا شيء ، والزهد في لا شيء غفلة[12] .

   ويشير نولدكه إلى العلاقة بين الصوفية والزهاد في مقال له نشر سنة 1894 ، يؤكد فيه أن لفظ الصوفية أشتق من الصوف ، وأنها كانت تطلق على زهاد المسلمين الذين تشبهوا برهبان المسيحيين في إرتدائهم للصوف ، دليل ندمهم على ما أسلفوا ، وعلى إطراحهم متاع الحياة الدنيا[13] . ويضيف نيكلسون أن المتصوفة الأوائل كانوا – في الحقيقة – زهاداً وادعين ، أكثر منهم متصوفة ، ويشير إلى تميزهم بإدراكهم للخطيئة المصحوب بالرهبة من يوم القيامة وعذاب النار ، مما دفعهم للجوء إلى الهرب من الدنيا[14] .

   والواقع أن الزهد بهذا الشكل يختلف تماماً عن تصورات الصوفية التي نشأت في مرحلة لاحقة ، ويصفه الشيخ عبدالحليم محمود بأنه " لا يؤدي إلى أن يصبح السر مرآة مجلوة . وما من شك في أن طريق الكشف عن البصيرة ينطوي على الزهد ويتضمنه . ولكنه زهد هو تسامي عن أن يكون لغير الله شأن يشغل نفسه به "[15] . وبالتالي فمن المؤكد أنه وإن كان الزهد كحركة دينية مثلت أرضية لنشأة التصوف لاحقاً ، فيبدو أنهما لم يندمجا تماماً واستمر كل منهما في مساره الخاص[16] .

   إن النتيجة الأكيدة التي يمكن التوصل إليها من البحث في هذه الجزئية ، هي أن مصطلح الصوفية قد تم استخدامه في البداية للاشارة إلى مدلولات متعددة ، وتنوعت بناء عليها اشتقاقات اللفظ ، فمن بينها المتخصصين في الكيمياء كجابر بن حيان وهنا كان المصطلح يمثل اشتقاقاً من كلمة " صوفيا " اليونانية ، ومنها كذلك الزهاد الذين هجروا الدنيا وأرتدوا الصوف تأثراً بالرهبان المسيحيين وهؤلاء أطلق عليهم نفس اللفظ وأن كان الاشتقاق مأخوذاً من الصوف ، وهناك مجموعات تلقبت بهذا الاسم وكان يمثل إشارة لارتدائها الصوف (كما يبدو) لكن دون تبني لمنهج الزهد في الدنيا كما تشير حركتهم . وقد ساهمت كل هذه الاشتقاقات في التأسيس لمصطلح " صوفية " كما شكل الصوفية في تطورهم تداخل قوي لهذه المدلولات المتنوعة .



[1] الكندي . ولاة مصر . نسخة إلكترونية – موقع مكتبة المصطفى www.al-mostafa.com . ص 80 .

[2] لم يعلل الكندي أسباب تسمية هذه المجموعات بالصوفية . وربما يفسر هذا الاضطراب في التسمية إطلاق اللفظ على شخصيات أخرى لم يكن لها علاقة بالتصوف المعروف كابن الصوفي العلوي ، وأبو عبدالله الشيعي الذي أطلق عليه في البداية لفظ الصوفي .

[3] محي الدين بن عربي . الكوكب الدري في مناقب ذو النون المصري . تحقيق / سعيد عبدالفتاح . طبعة دار الانتشار العربي . بيروت 2002 . ص105 – 107 .

[4] تميزت بعض الطرق الصوفية بنزوعها الثوري ، مثل الطريقة الحسنية التي قامت بالثورة السربدارية في خراسان والطريقة المرعشية في مازنداران التي أسست دولة السادات ، بالاضافة إلى الطريقة المشعشعية التي أسست دولة في خوزستان وجنوب العراق وشرق الجزيرة العربية ، والطريقة الصفوية التي أسست الإمبراطورية الصفوية في إيران . وكانت القضية الاجتماعية هي أساس رؤية هذه الطريق ، حيث كان أفراد الطريقة المرعشية بقيادة سيد قوام الدين المرعشي وغالبيتهم من الحرفيين والفلاحين يقتسمون ما يمتلكونه لتحقيق العدالة الاجتماعية بينهم . بطروشوفسكي . الإسلام في إيران . ترجمة السباعي محمد السباعي . الطبعة الخامسة . القاهرة 1999 (بدون ذكر دار النشر) . ص 351 – 358 .

[5] أحمد صبحي منصور . م . س . ص 18، 19 . رفض القشيري كذلك نسبة الصوفية لارتداء التصوف باعتبار أن الصوفية لم يكونوا مخصوصين به ، وهو ما يؤكد أن المتسمين بالصوفية في هذه المرحلة المبكرة كانوا مختلفين كثيراً في رؤيتهم الدينية عن الصوفية المعروفين .

[6] نيكلسون . م . س . ص 12 .

[7] الكندي . م . س . ص 81 .

[8] الحسيني الحسيني معدي . الموسوعة الصوفية . الطبعة الأولى . دار كنوز للنشر والتوزيع . القاهرة 2013 . ص15 .

[9] معجم المعاني الجامع . مادة زهد . موقع  http://www.almaany.com/ بتاريخ 24/4/2014 .

[10] عبدالمنعم الحفني . م . س . ص117 .

[11] م . س . ص117 .

[12] م . س . ص117 .

[13] نيكلسون . م . س . ص11، 12 .

[14] م . س . ص12 .

[15] عبدالحليم محمود . م . س . ص428 .

[16] أحمد صبحي منصور . م . س . ص25، 26 .