حسن حنفي*

اما عن حسن حنفي فأنه يرى أن من الضروري العودة إلى الماضي لفهم التراث جيدا، واستيعابه بشكل متأن وواع، وقراءته قراءة سياقية وظيفية، وذلك لفهم حاضرنا المعاصر، وتنويره بطريقة إيجابية بناءة وهادفة، قصد تحقيق أصالتنا من أجل السير به نحو التقدم والازدهار. وفي هذا النطاق، يقول الدكتور حسن حنفي:" فالحديث عن القديم يمكن من رؤية العصر فيه، وكلما أوغل الباحث في القديم، وفك رموزه، وحل طلاسمه، أمكن رؤية العصر، والقضاء على المعوقات في القديم إلى الأبد، وإبراز مواطن القوة والأصالة لتأسيس نهضتنا المعاصرة. ولما كان التراث يشير إلى الماضي، والتجديد يشير إلى الحاضر فإن قضية التراث والتجديد هي قضية التجانس في الزمان، وربط الماضي بالحاضر , وإيجاد وحدة التاريخ".([1])

ومن الصعب برأي حسن حنفي الفصل بين ثنائية الأصالة والمعاصرة أثناء حديثنا عن التراث، فبينهما اتصال بنيوي عضوي، وجدلية مترابطة حاسمة لأن " التراث والتجديد يمثلان عملية حضارية هي اكتشاف التاريخ ، وهو حاجة ملحة ومطلب ثوري في وجداننا المعاصر".[2]

والتراث القديم ليس مسألة دينية لأنطباعه بصبغة دينية ، ولكنه قضية وطنية تمس حياة المواطنين وتتدخل في شقائهم او سعادتهم .

ويعتبر حنفي ان الدين جزء من التراث وليس العكس ،كما ان التراث له عندنا صفة شخصية من منطلق انه اسلامي " ونحن مسلمون ".‘ والتراث له بُعد حضاري "(...) أي الحضارة التي نشأت حول الأسلامبإعتباره معطى تاريخياً وليس بإعتباره ديناً".)[3]( وبذلك يتبين حسب ما ذهب اليه حنفي ان التراث والتجديد يغطي  ميادين ثلاثة :

"1 – تحليل الموروث القديم وظروف نشأته ومعرفة مساره في الشعور الحضاري .

2 – تحليل الأبنية النفسية للجماهير والى أي حد هي ناتجة عن الموروث القديم أو الأوضاع الأجتماعية الحالية .

3 – تحليل ابنية الواقع وإلى أي حد هي ناشئة من الواقع ذاته ودرجة تطوره . ام انها ناشئة من الأبنية النفسية للجماهير ، الناشئة بدورها عن الموروث القديم".([4])
وهذه المهمة برأي حنفي لا تقع على عاتق فرد بل هي مهمة طليعة المثقفين وجمهور الباحثين نظراً لتعدد جوانب التراث وحاجته الى باحثين متخصصين .

وينتقد حنفي المحاولات التي جرت للتجديد سواء تلك التي من الخارج على يد عدد من الباحثين استطاعوا الذهاب الى الخارج في بعثات اولى ويقصد بذلك البعثات الطلابية التي ارسلها محمد علي باشا الى فرنسا ومن ضمنهم المشرفين على البعثات مثل رفاعة الطهطاوي ، كما ينتقد محاولة التجديد من الداخل على ايدي من حاول ابراز الأتجاهات العقلية عند المعتزلة ، او نظريات الأسلام في الشورى ، او نظريات الملكية والزكاة لأنها كانت "محاولات جزئية تبرز بعض الجوانب التقدمية الأصلية ، في تراثنا القديم ، ولا تعطي صورة عامة للتراث كله وإعادة بنائه طبقاً لحاجات العصر ، في حين ان المطلوب تطويرها وتوسيعها حتى تكون هي روح العصر ، واعطاء نظرة متكاملة للتراث ".)[5](

ولقد شاع برأي حنفي خطأين عند دراسة البعض التجديد والتراث: الأول الذي يتحدث عن العصر وكأن العصر يحتوي على حلوله في ذاته ، والثاني هو الذي يبدأ باستنباط الواقع من نظرية مسبقة سواء كانت موروثة او منقولة او عصرية تجتمع بين الموروث والمنقول .

يضاف الى ذلك الخطأ الذي ارتكبه المستشرقون " عندما يقومون بتقريظ في الحضارات التي يدرسونها كما قد تعم النعرة العلمية دراسات المسلمين نظراً لتبعيتهم للمستشرقين او لاستعمالهم الشائع والمشهور دون تفكير منهجي اولي (...)".)[6]( وقد يكون السبب عدم تخصص المستشرق في ميدانه منذ البداية او يكون السبب  هو البيئة الأوروبية نفسها التي تربى بها المستشرق والتي أخذ منها مناهجه وفق الظروف الخاصة التي مرت بها .

فلقد استخدم المستشرق اربعة مناهج إما مجتمعة وإما كل منها على حدة وهي : المنهج التاريخي ، والمنهج التحليلي ، والمنهج الأسقاطي ، ومنهج الأثر والتأثر . وكل هذه المناهج تحتاج الى فحص سابق لأنها تعرف "ماذا تقول" دون ان تعرف "كيف تقول" . " والتراث والتجديد لتفادي الخطأين معاً إذ يحاول ان يعرف " ماذا يقول" وهو التراث " وكيف يقول " ؟ وهو التجديد " .)[7](

وبناء عليه فإن الحل برأي حنفي هو عبر:

-          اكتشاف منطق التجديد اللغوي لتلافي عيوب اللغة التقليدية التي تعوق التعبير والأيصال

-         اكتشاف مستويات حديثة للتحليل اعتماداً على الشعور . " والشعور مستوى اخص من الأنسان ، وأهم من العقل ، وأدق من القلب ، وأكثر حياداً من الوعي ، يكشف عن مستوى حديث للتحليل موجود ضمناً داخل العلوم التقليدية نفسها ، ولكن نظراً لظروف نشأتها لم يوضع في مكان الصدارة ، ولم تعط له الأولوية الواجبة ، ولكن يفهم ضمناً ، ويقرأ فيما بين السطور ".)[8](

-         تغيير البيئة الثقافية لجهة تحديد الأولويات بعد ان اختلط الأمر على الكثيرين حيث العبادات - على سبيل المثال - تأتي في الدرجة الأولى قبل المعاملات .

وتغيير البيئة يتم عبر تحليل الفكرة القديمة بعد تخليصها من شوائبها الحضارية ، وتحليل الواقع المعاصر ، ومقابلة المسألتين ببعضهما .

ومن زاوية أخرى، يرى حنفي أنه من الضروري العودة إلى الماضي لفهمه جيدا، واستيعابه بشكل متأن وواع، وقراءته قراءة سياقية وظيفية، وذلك لفهم حاضرنا المعاصر، وتنويره بطريقة إيجابية بناءة وهادفة، قصد تحقيق أصالتنا من أجل السير به نحو التقدم والازدهار. وفي هذا النطاق، يقول حسن حنفي:" الحديث عن القديم يمكن من رؤية العصر فيه، وكلما أوغل الباحث في القديم، وفك رموزه، وحل طلاسمه، أمكن رؤية العصر، والقضاء على المعوقات في القديم إلى الأبد، وإبراز مواطن القوة والأصالة لتأسيس نهضتنا المعاصرة، ولما كان التراث يشير إلى الماضي، والتجديد يشير إلى الحاضر، فإن قضية التراث والتجديد هي قضية التجانس في الزمان، وربط الماضي بالحاضر , وإيجاد وحدة التاريخ".([9]وبهذا يتبين ان حنفي يصارع  على ثلاث جبهات :

الجبهة الأولى: "موقفنا من التراث القديم" تضع الأنا بمواجهة تاريخها الماضي وموروثها الثقافي.

والجبهة الثانية :"موقفنا من التراث الغربي" تضع الأنا في مواجهة الآخر المعاصر وهو الوافد الغربي الثقافي أساساً.

 والجبهة الثالثة: "موقفنا من الواقع(نظرية التفسير)" التي تضع الأنا في نظم واقعنا المباشر وتحاول تنظيره تنظيراً مباشراً فتجد النص جزءاً من مكوناته سواء كان  نصاً دينياً مدوناً من الكتب المقدسة أو نصاً شعبياً شفهيا من الحكم والأمثال العامية.

الجبهتان الأوليتان حضاريتان نصيتان بينما الجبهة الثالثة واقع مباشر. ويمكن رؤية الجبهات الثلاث وكأنها أضلاع مثلث والأنا في وسطها. الأول للتراث القديم، (الماضي) والثاني للتراث الغربي، (المستقبل)، والثالث للواقع المباشر (الحاضر) .

 

وفي الختام ، وبناء على ما تضمنه بحثنا هذا ، يمكن القول ان المفكرين المعاصرين قد وضعوا مشاريع فكرية هامة لأعادة قراءة التراث وفق منهجيات علمية مستفيدين في ذلك مما طرأ على الغرب من علوم حديثة ولكن ما زالت المشكلة مستمرة على حالها لأن هذه المشاريع الفكرية رغم اهميتها وعمق تحليلها فإنها بقيت كناية عن مشاريع ثقافية للنخبة ولم تستطع ان تتحول الى ثقافة شعبية تخص عامة العرب والمسلمين .

كما يؤخذ على هذه المشاريع انها حددث منهجيات اعادة قراءة التراث للدخول عبرها الى الحداثة ،ولكن بقيت مجرد منهجيات دون أي تطبيق عملي رغم ادراكنا ان مثل هذا الأنجاز لا يحققه شخص بعينه بل بحاجة الى ورش من الدارسين والباحثين والفقهاء المتنورين  والأكاديميين والمفكرين .

فالغرب قد تقدم اعتماداً على ما انتج من علوم حديثة ساهمت الى حد كبير في انتاج ثقافة شاعت لدى النخبة ولدى الجمهور لأنها لم تكن مشاريع فكرية محصورة برؤى افراد محددين بل تحولت الى مشاريع ساهم الجميع في اغنائها وترجمتها على أرض الواقع مثلما هي حال علوم الأنتروبولوجيا والأبستمولوجيا والألسنية والأركيولوجيا المعرفية وغيرها من العلوم ، فيما المشاريع الفكرية العربية المعاصرة لا زالت اسيرة صفحات الكتب ليست لأنها تفتقر الى الواقعية بل لأن انصار المؤسسة الدينية التقليدية قد شكلوا سداً في وجه أي عملية تطويرية . والخوف ان تلقى المشاريع الفكرية المعاصرة نفس مصير المشاريع الفكرية النهضوية التي قامت على يد الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وعلي عبد الرازق وغيره والتي بسبب افشالها من قبل التقليديين وصل العالم الأسلامي الى ما يعانيه اليوم من طغيان للفكر التكفيري.

فالباحث الأسلاموي رضوان السيد لا يكتفي بالأعتراض على الأفكار المعاصرة  للجابري وأركون ونصر حامد ابو زيد وحنفي وغيرهم بل يضعهم في خانة "اعداء" الأصالة بقوله:"كانت الكتابات الإسلامية لرجالات «النهضة» في النصف الأول من القرن العشرين كتابات إبداعية، تنشد التواصل النظري والمنهجي، وتبني على فكرة التقدم، وتستخدم من أجل الإقناع بذلك شخصيات تاريخية كبرى مثل أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن عبد العزيز. وقد ظهرت في زمنها مشروعات ثقافية كبرى مثل مشروع أحمد أمين للتاريخ الثقافي الإسلامي، ومشروع مصطفى عبد الرازق للفلسفة العامة للحضارة الإسلامية، ومشروع طه حسين بالإدارة الثقافية بالجامعة العربية لإحياء التراث العربي والإسلامي ونصوصه الخالدة. أما في زمن الأصالة؛ فقد سادت كتابات أيديولوجية تجلت لدى الأكاديميين - وليس لدى الحزبيين - في تيارين رئيسيين: تيار ناشدي الأصالة والمنظرين لها، وتيار أعداء الأصالة ومقاتليها. أما كتاب التيار الأول فقد انضووا في التيار الإسلامي العام، وبرز منهم طارق البشري، وعبد الوهاب المسيري وآخرون أكثر كتابة وتأثيرا مثل الدكتور محمد عمارة وأنور الجندي. وأما أعداء الأصالة فقد ركزوا جهودهم على تحرير الجمهور من أوهام التراث، أو تحرير التراث من قبضة الحزبيات الإسلامية الصاعدة. ومن هؤلاء محمد أركون ومحمد عابد الجابري وحسن حنفي ونصر حامد أبو زيد وعبد المجيد الشرفي وتلامذة كثيرون لهم".[10]

وإذا كان البعض يعتبر رضوان السيد من الباحثين الأصوليين المتنورين ، ورغم ذلك ينظر الى اصحاب المشاريع التحديثية للتراث على انهم " اعداء الأصالة " ، فكيف الحال بالباحثين الأصوليين المتشددين الذين اقل ما لجأوا اليه هو انهم كفَروا مفكرين محدثين مثل الجابري وأركون وغيره مما يعني ان الفكر العربي لا زال اسير اقلام من لا يريد للتراث ان يتجدد ويتطور وفق منهجيات جديدة ، كما لا زال هؤلاء يضعون التراث في موضع المقدس دون ادنى تمييز ما بين المقدس الحقيقي الذي هو القرأن والحديث النبوي  وما بين غير المقدس اصلاً المتمثل في الأجتهادات الفقهية والتشريعية وأراء اهل التفاسير وكتبة التاريخ وغيرهم .

وليس بالضرورة ان تكون المشاريع الفكرية التي طرحها اركون والجابري وحنفي وأبو زيد هي مشاريع تخدم الإطارات التطويرية للفكر . فقد يوافق البعض على جزء منها ويرفض الجزء الأخر ، وهذا أمر منطقي وعلمي ، ولكن ان ترفض هذه المشاريع بالكامل فهذا يعني ان هناك من يصر على مصادرة الفكر العربي والأسلامي وعلى اعادة انتاجه دون أي تحديث او تطوير لأغراض عقائدية متزمتة أو لإنتماءات مذهبية متعصبة .وهنا تكمن الأزمة الفكرية الحقيقية للتراث العربي الأسلامي ، لأن التقوقع ضمن دائرة عقائدية او مذهبية يعني سجن الأصالة والأنغلاق عن المعاصرة .

حسن حنفي (1935 - ) مفكر مصري، يقيم في القاهرة، يعمل أستاذا جامعيًا. واحد من منظّري تيار اليسار الإسلامي، وتيار علم الاستغراب، وأحد المفكرين العرب المعاصرين من أصحاب المشروعات الفكرية العربية.

 

 

المراجع

 

الكتب :

 

1 - أركون، محمد : القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الثانية، 2005.

2 – اركون ، محمد :تاريخية الفكر العربي الأسلامي – ترجمة هاشم صالح – منشورات مركز الأنماء القومي ،بيروت الطبعة الأولى ، 1986 .

3 - اركون ، محمد : الفكر الأسلامي نقد واجتهاد – ترجمة هاشم صالح – دار الساقي ، الطبعة الأولى 1990 .

4 – اركون ، محمد : الفكر الأسلامي قراءة علمية – ترجمة هاشم صالح – منشورات مركز الأنماء القومي ، بيروت ، 1987 .

5 - الجابري ، محمد عابد : نحن والتراث ، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي ،مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، الطبعة الأولى ايار / مايو 2006 .

6 – ابو زيد ، نصر حامد : النص والسلطة والحقيقة ، إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة ، منشورات المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، المغرب ، الطبعة الخامسة ، 2006.

7 - حنفي ، حسن : التراث والتجديد ، دار التنوير ، بيروت ، الطبعة الأولى 1981 .

8 – مجموعة باحثين : التراث والنهضة قراءات في اعمال محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ،الطبعة الأولى نيسان / ابريل 2004 .

9 – مجموعة باحثين : التراث وتحديات العصر في الوطن العربي ( الأصالة والمعاصرة ) ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، الطبعة الثانية ،حزيران/ يونيو 1987 .

10 – مروة ، حسين : النزعات المادية في الفلسفة العربية الأسلامية ، الجزء الأول ، دار الفارابي ، بيروت ، الطبعة الثانية ، 1979 .

 

 

دوريات :

 

1 – السيد ، رضوان : جريدة الشرق الأوسط ، العدد 12271 تاريخ 3/7/2012

 

مواقع الكترونية :

 

1 - ويكيبيديا الموسوعة الحرة – 17/4/2014

2 – عمارة ، محمد :مفهوم التراث وتجلياته ، مقال منشور على الموقع الإلكتروني http://www.onislam.net/arabic بتاريخ 19/4/2014

استاذ الفلسفة السياسية والفكر العربي المعاصرفي الجامعة اللبنانية – كلية الآداب



[1] - حسن حنفي ، التراث والتجديد ، ص 17

[2]- المرجع السابق ، ص 17

[3]- المرجع السابق ، ص 20

[4]- المرجع السابق ، ص 22

[5]- المرجع السابق ، 27

[6]- المرجع السابق ، ص 60

[7]- المرجع السابق ، ص 89

[8]- المرجع السابق ، ص 112

[9] - المرجع السابق ، ص 17

[10] - رضوان السيد : مقال منشور في جريدة الشرق الأوسط