شئنا أم أبينا، "داعش" ما زال يسـتأثر بالسلطة – ولو خسرت في الميدان – لأن هذه المجموعة الوحشية ما زالت "تنعم" برفاه المال والدعم "الخبيث" من الآباء الروحيين لـ"داعش"، الذين يشعرون بجشع كبير لإراقة دماء جديدة لأبرياء ومسح حضارات وإهانة الكرامات والمس بالعرض والشرف.

التطرف قائم

حددت أستاذة العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف الدكتورة فاديا كيوان خمس عوامل أساسية تثبت اليوم أكثر من اي وقت أن "داعش" ما زالت مجموعة ارهابية قائمة بحد ذاتها،حتى لو خسرت ميدانياً في الموصل وبعض القرى في سوريا. اشارت الى أن "العامل التطرف الديني ما زال موجوداً، وهو يظهر علناً من خلال حاضنات لإنتاج الفكر المتطرف والعنيف" معتبرة "أنه ينتج في الدول العربية والعالم فكر متطرف يقدس العنف". لفتت الى أن "ثمة نفوساً متطرفة متواجدة في كل الأزمنة و الأمكنة" مشيرة الى أن "تحويل الدعم المالي لهذه المجموعات الارهابية ما زالت قائمة بحد ذاتها، ويتم توفير ذلك عبر تبيض الأموال وتأمين دعم الإرهاب من بعض الدول". توقفت عند دور "أجهزة المخابرات في قضية "داعش"، معتبرة الى أن "لعوامل الفقر والقهر والتفاوت الإجتماعي بين الناس دوراً في تفاقم ظاهرة مثل ظاهرة "داعش". 

"تثفيف" الأوساط الدينية 

رأت كيوان أنه " لا شك أن ما حصل على الساحة الميدانية لـ"داعش" في الموصل يؤثر معنوياً على هذه المجموعات الإرهابية" مشيرة الى أن " المعركة معها ليست فقط عسكرية لأن الوقائع أشارت الى أنها تنتقل من منطقة الى أخرى، وهي في مواجهة في سوريا ووصل إمتدادها الى المغرب العربي أو حتى الى أي بقعة من العالم".

رداً على سؤال عن طرق مواجهة "داعش" قالت:" يجب أن نؤسس الى ثقافة في الأوساط الدينية من أجل نبذ العنف وإنتاج فكر تنويري منفتح. لاشك أن وضع حد لحالات الفقر والإقصاء في المجتمع هي مدخل أساسي لوضع حد للتطرف". 

"إنصاف" المسلمين

دعت كيوان الى "إعادة النظر بالصور النمطية في العالم ضم المسلمين عموماً والجين الإسلامي خصوصاً"، مشدداً على أن " المسلمين في غالبيتهم الساحقة هم ضحايا العنف كما الحال عند سائر الناس". ". قالت: "ربحوا معركة ضد "داعش، ولكنهم لم يربحوا الحرب. إن مسألة لا تنحصر فقط بتحقيق فوز عسكري، بل علينا البحث في نقاط قوة لتسجيل مكاسب ثقافية، اقتصادية، تربوية ، إجتماعية على هذه المجموعات".

النصر في وجه الرعب!

بالنسبة للأستاذة الجامعية والباحثة الدكتورة إلهام كلاب البساط، يبدو ان الناس تحتاج "في خضم الأسى والبؤس الى اعلان نصر،الى احساس أنها انتصرت على شىء لأن الناس مغلوب على أمرها". قالت:" ما تحقق اليوم ليس نصراً على "داعش" لأنها ليست دولة في مواجهة دولة أخرى. "داعش" هي سلطة رعب دموية ونفسية وتؤثر على الناس، لا بل تسيطر عليهم، وتربي جيلاً على العنف والقساوة، وتضيق لديه أفق التفكير والإحساس في قلبه وعقله".

أشارت الى أنه " منذ العام 2013، تتوالى المعارك في الموصل ضد "داعش"، وهم يتلقون الهزيمة في مكان وينتصرون في آخر والنتيجة واحدة إرتفاع ملحوظ ومقلق في الدمار والمهجرين". قالت:" هذا الإنتصار هو هزيمة أخرى. هو مهدم آخر للخراب، مجرد صورة اسطورية بصرية للخراب".

 

 

الخراب بحد ذاته!   

رأت البساط أن "إحساس النصر ،الذي تملك البعض في الموصل، ينبع من فقدان البوصلة لدى الكثيرين" معتبرة أن " الغالبية إستقلوا من الواقع وعاشوا هاجس الإنتصار على "داعش"، الذي هو في الحقيقة خراب يقود الى خراب لا بل الى انكسار". قالت:" لا أحد بمأمن في الموصل. هي عبارة عن عقلية رعب وقتل. جرف الحضارات له معنى واحد وهو محو تاريخ، لا بل محو عقلية مبنية حضارياً على شعب".

شددت على أن "داعش" لم تخرج من أي مكان" مشيرة الى أنه "في حال خرجت مادياً، فهي لم تخرج معنوياً من عقول الناس". قالت:" تعتمد "داعش" طريقة سامة في التعاطي مع الناس. تتحول الى خلايا تستغل تعب الناس ويأسهم لتتوغل في حياتهم". 

المستقبل ليس مضيئاً 

أسفت البساط لأن "الواقع الحالي يشير الى أن المستقبل ليس مضيئاً لأننا نخشى من "يقظة" مفاجئة للخلايا النائمة المرادفة لـ"داعش". أملت "أن تتحرك المجوعات الجيدة المحافظة على القيم لتلعب دورها" داعية " الى إعادة صياغة المناهج وتحويل مادة التعليم الديني الى مادة تراعي النظم التفضيلية وقبول الآخر". تمنت أن نتوصل في شرق هذا " الى حكم واع ومتجرد قادر على القيام بمهمة طويلة الأمد". قالت:" إن بناء حضارة يرتكز على تراكم تايخي قائم على احترام الإختلاف مع الاخر واعطائه فسحة لقبول الإختلاف مع الآخر". قالت:" من سيعيد للنساء اللواتي عانين من بيع وإتجار جنسي كرامتهن. يحتاج عالمنا الى تأهيل نفسي يعزز الإحساس بالكرامة لأن هذا الجيل تربى على قبول الاهانة والعيش بهامشية. نحتاج بين الناس الى رسل يعيدوننا الى الحياة ، الى ضفة إحترام الحياة ، الاختلاف، التفاعل يحتاج الى وقت .." 

 روزيت فاضل

النهار : ١٨-٧-٢٠١٧