ولعل أطرف ما في هذا الكتاب الذي يتابع عروض مسرحيات تشيخوف عرضاً عرضاً ومسرحية بعد الأخرى في عدد من البلدان بدءاً من العروض الأولى في «مسرح الفن» في موسكو، الحكايات المتعلقة بالهوة المفهومية وربما الأسلوبية أيضاً، التي تفصل بين تصوّر الكاتب لمسرحياته، وتصوّر الآخرين - المخرج مثلاً - لها. ولعل وقفة هنا عند مسرحية «الشقيقات الثلاث» التي كانت واحدة من آخر مسرحيات تشيخوف، تعطينا مثالاً على ما نقول، وهي المسرحية الكبرى التي افتتحت القرن العشرين، حيث من المعروف أن تشيخوف كتبها وقدمها على مسرحه الأثير «مسرح الفن» في موسكو، خلال العامين الأولين من القرن الجديد: 1900 و1901. فمؤلف «عروض مسرح تشيخوف» يذكر مثلاً أن تشيخوف حين قرأ نص المسرحية أمام أعضاء الفرقة المجتمعين في اللقاء الأول حولها يوم 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1900، حيّر الأعضاء في أمرهم حيث أن «البعض اعتبرها درامية فيما اعتبرها البعض الآخر تراجيديّة أو واقعية، من دون أن يلاحظوا أن تلك التوصيفات قد أربكت تشيخوف الذي كان على قناعة، من ناحيته، بأنه إنما كتب مسرحية كوميدية مرحة، فإذا بها تصل إلى الآخرين مسببة تلألؤ الدموع في مآقيهم!»> مهما يكن من أمر فإن مؤلف الكتاب يفيدنا بأن تشيكوف انكبّ طوال الشهور التالية على إعادة الاشتغال على المسرحية إنما هذه المرة انطلاقاً من ردود فعل العاملين معه. لكنه لم ينح الى التخفيف من حسّ الفكاهة والمرح فيها، بل عمل على توضيح ما غمض منه، مشتغلاً بدقة على رسم سمات الشخصيات في إطار شاءه واقعياً الى أقصى الحدود، الى درجة أنه أحضر معه في إحدى الجلسات التجريبية، عقيداً في الجيش الروسي «ليتأكد من أن الممثلين لن يصوّروا سلوك الجنود في مشاهد المسرحية تصويراً شائناً أو هزلياً». ولسوف يتذكر قسطنطين ستانسلافسكي (مخرج العمل)، لاحقاً كيف أنهم جميعاً عند بداية التجارب، أحسّوا ان المسرحية «ليس لها صدى ولا فيها حياة وتبدو طويلة جداً ومملة»، مؤكداً ان المسرحية لن تبدأ في التبلور إلا بعد إقرار تشخوف بحاجتها الى التركيز وشيء من المرح والضحك، كما التشديد على رغبات الشخصيات بدلاً من التشديد على واقعها. ولسوف يقال لاحقاً أن ستانسلافسكي قد نظّم المسرحية إخراجيّاً، وفق خطة إيقاعية إنقاذية، فـ «الفصل الأول أتى مليئاً بالمرح والترقب. والثاني غمره جو تشيخوفي واضح. أما الثالث فاتّسم بقدر مفرط من العصبية فأتى سريع الإيقاع يلعب على الأعصاب قبل أن تتراخى القوى ويخمد الإيقاع في النهاية». 
 
 
ويقول لنا الكتاب أن ما يقصده ستانسلافسكي بـ «جو تشيخوفي» إنما هم التناقض بين الليلة القارصة البرد في الخارج، والحجرة المريحة الدافئة في الداخل، ما يُحدث نوعاً من سيمفونية مؤثرات صوتية تشكلها قطع الثلج المتساقطة بسرعة وقوة على ألواح زجاج النافذة، مع صوت الأكورديون الآتي من بعيد متضافراً مع صواء فأر رابض أسفل الكنبة» على سبيل المثال.> على رغم ان تشيخوف كتب القسم الأكبر من مسرحياته خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر، فإنه يعتبر، كما أشرنا أعلاه، الأب الشرعي للمسرح الواقعي والحديث في القرن العشرين، الى جانب هنريك إبسن وأوغست سترندبرغ. ومن هنا فإن التقديم الأول، يوم الحادي والثلاثين من كانون الثاني (يناير) 1901، لتلك التي ستعتبر من أهم مسرحياته، على خشبة «مسرح الفن» في موسكو، لا يمكن اعتباره حدثاً مسرحياً عادياً، بل حدثاً تأسيسياً، لأن هذه المسرحية التي لا تزال تُقدم وتُستوحى حتى يومنا هذا، تعتبر اللبنة الأولى التي اسست لحداثة المسرح (والسينما من بعدها كما سيلوح لنا من افلام انغمار برغمان مثلاً، ومن بعده وودي آلن) في القرن العشرين، وليس فقط من ناحية الشكل والأسلوب المسرحيين، بل كذلك وبخاصة من ناحية الموضوع، فلئن كانت «الشقيقات الثلاث» تنتهي على «الحكمة» السلبية القائلة: «ان الإذعان إنما هو فضيلة البؤس»، فإن هذا الإذعان سيكون هو نصيب الجزء الأكبر من شخصيات الأدب والفن في قرننا العشرين، سواء حملتها اعمال كافكا (الروائية) أو أنطونيوني (السينمائية) أو كامو وتوماس مان وغيرهم من كبار الذين عبّروا عن هزيمة الإنسان في الأزمنة الحديثة.> إذن، في ذلك المساء البارد في موسكو، عرض مسرح الفن للمرة الأولى تلك المسرحية التي ستدور حول العالم وتترجم إلى عشرات اللغات وتقتبس عشرات المرات في أفلام ومسرحيات، وتطبع بطابعها زمناً كاملاً. فما الذي تقوله تلك المسرحية؟> إنها، وبكل بساطة، تقول ذلك القلق والتدهور الذي أصاب الحياة الاجتماعية الروسية عند نهاية القرن التاسع عشر وتواصل خلال بدايات القرن العشرين، وذلك من خلال حكاية ثلاث شقيقات يعشن منزويات في بلادة الريف الروسي. كبيرتهن أولغا، التي امتهنت التدريس تبدو غاضبة على وضعها وتريد الخروج منه مهما كان الثمن، لكنها عاجزة عن فعل اي شيء يوصلها الى خلاصها، والوسطى ماشا أتعسها زواج غير ناجح، فعاشت مكتئبة تلتجئ في لحظات اليأس المطلق الى حلم يزيدها حزناً وكآبة. اما الصغرى ايرينا، فإنها الوحيدة التي تبدو لنا حيوية راغبة في فعل شيء مفيد، لكن خيباتها تتلاحق من دون هوادة.> وللأخوات حلم واحد: الذهاب إلى موسكو من دون الرجوع إلى ذلك الريف الذي يمزقهن ضجره في شكل لا يطاق. وفجأة يلوح لهن الأمل على شكل فرقة عسكرية تأتي لترابط في المنطقة. وهكذا مع مجيء الفرقة تبدو الأمور كلها وقد تبدلت بالنسبة الى الشقيقات، حيث تأتي علاقات يقمنها مع عدد من الضباط لتعطيهن املاً ومذاقاً لحياة جديدة، ولكن في نفس الوقت الذي تبدأ فيه الشقيقات بمداعبة الأمل، حيث يتقدم ضابط لخطبة الصغرى، وآخر يشجع الكبرى على ترك التعليم الذي تمقته، وفي الوقت الذي تغرم فيه الوسطى بضابط مدفعية، تصدر الأوامر فجأة للفرقة العسكرية بمغادرة المواقع التي تمركزت فيها. وهكذا تترك الفرقة المنطقة، وتعود الشقيقات الثلاث الى وحدتهن وقد زادت حدتها: أولغا تعود الى التدريس وإلى يأسها، ماشا تكتشف ان غرامها لم يكن اكثر من سراب، أما ايرينا، التي يقتل خطيبها في شكل مباغت، فتحبط نهائياً وتشعر ان العالم كله قد انتهى بالنسبة إليها. وتجد الشقيقات انفسهن امام الحقيقة القاتلة: بعد كل شيء لن يتمكنّ ابداً من الذهاب الى موسكو، ولن يتمكنّ ابداً من مبارحة ريفهن... وهنا لا يعود امامهن سوى الإذعان للمصير، وربما سيجدن في ذلك الإذعان وفي اليأس المصاحب له نوعاً من العزاء، لأن اليأس المطلق، اسهل من الأمل العابر... وهكذا تخلد الشقيقات الى ذلك اليأس الذي يحمل في طياته املاً بحياة جديدة... ذات يوم.> منذ التقديم الأول لـ «الشقيقات الثلاث» ادرك النقاد، كما ادرك جمهور النخبة، الذي كان جمهور «مسرح الفن» في موسكو، في ذلك الحين، ادركوا جميعاً انهم ليسوا هنا في ازاء «دراما عائلية» بل في ازاء مأساة شعب تنرسم هناك امام اعينهم. كان واضحاً بالنسبة اليهم ان تشيخوف انما يرسم هنا، عبر تلك المسرحية البريئة في الظاهر، صورة لمسار شعب ولما آل اليه مصير ذلك الشعب، ولقد وصل ذلك الوضوح الى ذروته في عبارة في المسرحية تقول: «يبدو، في نهاية الأمر، أن هناك إعصاراً يتكون، إعصاراً سوف يكون من شأنه حين يهب، ان يكنس في طريقه كل الكسل واللامبالاة والضجر التي تعيش روسيا في احضانها منذ زمن بعيد... يقيناً انه لن يمضي ربع قرن مقبل الا وسيكون كل انسان قد بدأ يفيق من وضعه ليعمل من اجل التغيير...».> ومن هنا، في الوقت الذي اعتبرت «الشقيقات الثلاث» صورة مأساة شعب، اعتبرت نبوءة تحاول ان تطلق من قلب الإذعان واليأس صورة لمقبل وهناء. وكان هذا كافياً لجعل تشيخوف يرسخ موقعه كواحد من اعظم كتاب روسيا الواقعيين في ذلك الحين.
 

ابراهيم العريس

 
نقلا عن الحياة    
24/02/2017 00:00:00