أكد أنه كتبها بنفس سيمفوني من دون أن يقصد منها أن يجعلها تروي أية حكاية. وأنه لئن أطلق عليها كعنوان اسم تلك الفتاة العنيدة الشهيرة التي تروي لعريسها شهريار ليلة دخلتها حكايات تحبس أنفاسه وتجعله يؤجل قتلها يوماً بعد يوم، فإن حكايات «ألف ليلة وليلة» لم تكن بالنسبة إليه سوى عنصر ساعده على رسم الأجواء وتخيٌل الألحان التي سيؤكد مرة أخرى أنه استقاها من الشرق المحلي والفولكلور القريب الذي يعرفه ويريد أن يعيد إحياءه لا من الشرق البعيد الخاص أصلاً بالليالي العربية. والحقيقة أن كثراً من المؤرخين والنقاد كان من شأنهم أن يوفروا على أنفسهم الكثير من التفسيرات والدلالات لو أنهم قرأوا حقاً مذكرات ريمسكي - كورساكوف وصدقوها. لكن المشكلة تكمن في أن هؤلاء اتجهوا دائماً إلى الكتابة عن «شهرزاد» ليس انطلاقاً من رغبات الموسيقي، بل انطلاقاً مما أعمله مبدعو الباليهات الروسية ولا سيما ميشال فوكين، تعديلاً وتبديلاً في العمل وغاياته وذلك بعد عامين من رحيل ريمسكي - كورساكوف وذلك بغية تحويله إلى باليه. وكان الموسيقي قد لحن هذا العمل في العام 1888 ليكون مجرد عمل أوركسترالي يقدم ضمن إطار «الكونشرتات السيمفونية الروسية» في سانت بطرسبرغ.> ومع هذا سيكون من الصعب هنا الحديث عن خيانة ما في حق المؤلف أو حتى عن سوء تفاهم. فالواقع أن «شهرزاد» ما كان من شأنها أن تنتشر كل ذلك الانتشار لو لم تُحوّل إلى باليه. فمن الناحية الموسيقية البحتة ما كان يمكن لهذا العمل أن يصبح من أشهر الأعمال الموسيقية في بدايات القرن العشرين (بل حتى أشهرها في العالم العربي في سنوات الخمسين في ذلك القرن بفضل استخدام الإذاعة المصرية لها كلازمة للعمل الإذاعي الرائد الذي قدمه طاهر أبو فاشا في ذلك الحين. بيد أن هذه حكاية أخرى). فهنا حكايتنا هي حكاية هذه القطعة الموسيقية الفاتنة التي كثيراً ما أفتى النقاد بأنها تتموضع في مكان وسط بين سيمفونية برليوز الخيالية و «مقدمات» ليست والاثنتان كتبتا عند أواسط القرن التاسع عشر في ذروة انتشار البعد الرومانطيقي الاستشراقي في الموسيقى الأوروبية. ولقد كتبها ريمسكي - كورساكوف بعدما غرق لفترة طويلة من الزمن في قراءة ترجمة كاملة لألف ليلة وليلة جاعلاً إياها مكونة من موضوعتين رئيسيتين، أولاهما موضوعة شهرزاد التي تعزف غالباً على آلات الكمان والهارب، والثانية موضوعة السلطان التي تُعزف غالباً على الآلات النحاسية. ومن الواضح أنه بقدر ما توخى المؤلف من الكمان والهارب التعبير عن نعومة المرأة وعذوبتها، تمكن عبر الإمعان في استخدام الآلات النحاسية من التعبير عن قسوة شهريار وتحركاته وانفعالاته المباغتة. لقد كان ما يهم الموسيقي من هذا التفريق مجرد التعبير عن انفعالات ومشاعر، لا التعبير عن الكيفية التي بها تدور الحكاية. فعنده ليس ثمة مجال للحكاية. ومن هنا كان أصدقاؤه يفاجأون بغضبه حين كانوا يطرحون عليه أسئلة حول تطابق هذه الجملة الموسيقية أو تلك مع هذا المشهد من الليالي أو ذاك. فبالنسبة إليه لا مكان هنا لتصوّر الشخصيات تفعل هذا الشيء أو ذاك. المهم أن يُحسَّ بهذا الشعور أو ذاك.> ومع هذا سوف ينتهي الأمر بـ «شهرزاد» إلى أن تقسم، وتحديداً تبعاً لشكلها اللاحق كباليه، إلى أربعة أقسام هي: «البحر ومركب السندباد» - «حكاية الأمير قلندر» - «الأمير الشاب والأميرة الصبية» - و «عيد في بغداد». وهو التقسيم الذي انبنى الباليه الشهير على أساسه وعرفت القطعة كلها انطلاقاً منه ذلك المجد الذي عاشته ولا تزال حتى الآن...> ... ولا سيما لدى المستمعين العرب كما أسلفنا. فإذا كان اسم بيتهوفن هو أول الأسماء التي تخطر على بال القارئ العربي حين تذكر الموسيقى الكلاسيكية أمامه، فإن ما لا شك فيه أن المقطوعة الكلاسيكية الأشهر بالنسبة إلى هذا القارئ هي هذه القصيدة السيمفونية. ولن يكون غريباً أن نجد أن الكثيرين من المستمعين العرب يحفظون عن ظهر قلب اسم صاحب القطعة، بل ثمة من يعرف أن له قطعاً أخرى ذات نكهة عربية منها قصيدته السيمفونية «عنتر» المتحدثة عن بطلنا الشاعر الجاهلي الكبير. ومع هذا تبقى «شهرزاد» الأشهر بين أعمال ذلك الموسيقي الروسي الكبير الذي لم يشهد من القرن العشرين سوى سنواته الثماني الأولى، حيث توفي في العام 1908 وكان قد بلغ أوج شهرته العالمية، وتحديداً بفضل قطعه التي استوحى فيها تاريخ الشرق وغرابته.> ولد نيقولاي ريمسكي - كورساكوف في تخفين في 1844 لأب كان يريد لابنه أن ينخرط في سلك البحرية فأدخله كلية سانت بطرسبرغ البحرية، صحيح أن الفتى لم يحب حياة البحرية لكنه اضطر للبقاء في الكلية حتى يظل مقيماً في المدينة التي كان اسمها مرتبطاً في ذلك الحين بفن الأوبرا. والفتى نيقولاي، منذ اكتشف الأوبرا وأولع بموسيقى غلينكا اتخذ قراره الذي لم يتراجع عنه أبداً بعد ذلك: سوف يصبح مؤلفاً موسيقياً. ولذلك راح يرتاد المسارح وصالات الكونسير كل مساء، وحاول ذات مرة أن يؤلف مقطوعة موسيقية فلم يفلح، وكاد يصاب باليأس لولا لقاؤه، في 1861، بالموسيقي بالاكيريف كان يكبره بثلاثة أعوام. 
كان ذلك اللقاء حاسماً، أولاً لأن بالاكيريف أخذ يشجع ريمسكي - كورساكوف على خوض التجربة الموسيقية من دون تردد، وثانياً لأنه عرفه على حلقة أصدقائه التي كانت تضم، فيمن تضم، أسماء كانت الشهرة قد بدأت تدنو منها: موسورغسكي، بورودين، وسيزار كوي. وسط هذه البيئة لم يتردد ريمسكي - كورساكوف في اتباع نصائح بالاكيريف الذي دفعه دفعاً للعمل على كتابة سيمفونيته الأولى، غير أنه لم يكملها لأن أباه الذي كان يغض النظر عنه مات في تلك الأثناء وتولى شؤون الفتى أخوه الذي كان قد أضحى مديراً للكلية البحرية، وأصر على أن ينخرط أخوه الصغير في البحرية ويمضي في البحر ثلاثة أعوام قبل أن يسمح له بالعودة لاستئناف حياته الموسيقية.> لم يجد الفتى بداً من إطاعة أخيه، فاتجه إلى عرض البحر، لكنه بدلاً من أن يبتعد عن هوايته الموسيقية هناك راح يغوص فيها أكثر وأكثر، وراح يقرأ حول الموسيقى وحول التاريخ والتاريخ الشرقي في شكل خاص. وبعد انقضاء خدمته البحرية عاد ليستعيد علاقته برفاقه الموسيقيين فأكمل السيمفونية الأولى التي قادها بالاكيريف بنفسه في 1865، فيما راح موسورغسكي يحضه على كتابة قصيدة سيمفونية بعنوان «سادكو» وبعدها كتب أوبراه الأولى بعنوان «إيفان الرهيب» (أو هذا هو على الأقل العنوان الذي عرفت به في أوروبا). وفي تلك الفترة نفسها قادته نزعته الرومانسية وغرامه بالتاريخ العربي إلى بدء كتابة قصيدته السيمفونية «عنتر». والطريف أنه بعد ذلك عين أستاذاً للتأليف والتوزيع الآلاتي في كونسرفاتوار سانت بطرسبرغ، فإذا به جاهل لفنون التقنيات الموسيقية كافة، على رغم نجاح مؤلفاته، ما اضطره للتعلم حتى يتمكن من التعليم.> ولقد كان من النجاح في تعلمه وتعليمه أنه راح بعد ذلك يصحّح قطع رفاقه ويعيد النظر في قطعه نفسها. وظل ريمسكي - كورساكوف أستاذاً في المعهد حتى 1905، غير أن تلك الأستاذية لم تشغله عن التأليف، إذ وضع خلال تلك السنوات بعض أجمل أعماله من «زهرة الثلوج» (1882) إلى «كابرتينيو إسبانيول» (1887)، ثم «الفصح الروسي الكبير» (1888) و «خطيبة القيصر» (1900)، وصولاً إلى «أسطورة المدينة غير المرئية...» (1907) و «الديك الذهبي» (1910)، وهي قطعة لم توزع وتنشر إلا بعد موت مؤلفها في العام 1908. وكذلك كان حال قطعته الأشهر «شهرزاد» التي لم تعرف على نطاق واسع إلا بعد موته، وعزفت كاملة للمرة الأولى في العام 1911. ولقد تميزت موسيقى ريمسكي - كورساكوف على الدوام بغرفها من ثروات التراث الشعبي الروسي، لا سيما من المناطق الإسلامية الجنوبية المتاخمة لروسيا، كما أن رومانسيته قادته إلى مزج ذلك بما تصوّر أنه التاريخ العربي فوضع انطلاقاً منه بعض أشهر قطعه.
الحياة: ٦-٢-٢٠١٧