عرفنا تشيخوف كاتبا قصصيا كبيرا، لدرجة أنه أصبح معيارا للكتابة السردية. بل وشبهنا الكثير من كتاب السرد عندنا به، وعلى رأسهم يوسف إدريس. غير أن هناك جانبا آخر أكثر شهرة وعمقا في الغرب، وفي روسيا، عن تشيخوف الكاتب المسرحي. وهناك أيضا مهرجان تشيخوف المسرحي الدولي.

لقد جرت فعاليات الدورة الأولى لهذا المهرجان في صيف عام 1992، أي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بأقل من عام واحد. وتعطلت 4 سنوات كاملة بسبب ظروف كثيرة، من بينها حالة الانهيار العامة والشاملة التي ضربت روسيا في سنوات التسعينات من القرن العشرين. وجرت الدورة الثانية في صيف عام 2006. واستقر الأمر على إقامة المهرجان كل عامين إلى أن أصبح أحد أهم ثلاثة مهرجانات مسرحية في أوروبا إلى جانب مهرجان أفينيون الفرنسي وأدنبره الإسكتلندي.

منذ بداية النقاشات حول إقامة هذا المهرجان في فترة البيريسترويكا في مطلع النصف الثاني من سنوات الثمانينات، كان هناك سؤال: لماذا لا يشارك المسرحيون العرب فيه؟ وظل هذا السؤال يتردد إلى يومنا هذا!

على الرغم من عرض مسرحيات تشيخوف في العديد من المسارح العربية، إلا أن التفكير السائد لدى الأوساط الثقافية العربية يتمحور حول إنتاج تشيخوف السردي. والغالبية العظمى ترى فيه كاتب قصة عظيماً ورائعاً ورياديأ. كثير من المسرحيين العرب قاموا بمسرحة قصص تشيخوف. ومع ذلك فالقليل انتبه إلى كون أنطون بافلوفيتش تشيخوف مسرحياً ودراماتورجاً من الدرجة الأولى على الرغم من أنه كتب 5 نصوص مسرحية فقط، هي "النورس"، و"الشقيقات الثلاث"، و"بستان الكرز"، و"الخال فانيا"، و"إيفانوف". إضافة إلى نص "الدب".

لسنا هنا في معرض تقييم النصوص السردية للكاتب الروسي، ولكن النظرة الأحادية العامة والشاملة لمجمل إنتاج تشيخوف تجعلنا نخشى على العقلية العربية المثقفة عموما، وعلى أصحاب الإنتاج الفني على وجه الخصوص. والخوف الأشد قد يكون من النظرة الكلاسيكية له، سواء من حيث تعظيم شأنه أو التقليل منه. هناك مشاكل كثيرة في إنتاجه السردي، وهي مشاكل وإشكاليات قابلة للنقاش. غير أن إنتاجه المسرحي القليل على مستوى الكم، والهام على مستوى الكيف، يجعلنا نتوقف كثيرا عند إعادة قراءة مجمل إنتاجه المسرحي والسردي، والتعامل مع هذا الإنتاج بآليات أخرى.

الدورة الثامنة لهذا المهرجان بدأت في أول يونيو من عام 2009. وكان أمام المسرحيين العرب الوقت الكافي لمعرفة التفاصيل، ومن ثم المشاركة. فالمسرحيون الروس يشاركون بشكل دائم في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، وكان من الممكن أن يتوفر الوقت للاستفسار منهم عن هذا المهرجان. هناك أيضا وزارات الثقافة العربية، وما يتفرع منها من مؤسسات وأشكال كان، ومازال، بإمكانها الاستفسار رسميا عن مدى إمكانية المشاركة. فهل هناك إمكانية لدى المبدع المسرحي العربي للنظر إلى إنتاج تشيخوف والتعامل معه بعيدا عن الأطر التي رسمت له طوال السنوات الماضية؟

اليوم نصادف اسم تشيخوف في كل نشرة ثقافية سواء في روسيا أو في الدول الأوروبية، والولايات المتحدة، وغيرها من دول العالم. فقد نظمت في عام 2004 وحده عشرات المؤتمرات، منها ندوة تشيخوف البحثية في لندن، ومؤتمر في هوفجايسمر، وأيام تشيخوف في كارولينا الشمالية، ومؤتمر ثقافي في وارسو.

إن مسرح تشيخوف يحظى بشهرة واسعة خارج روسيا، إذ قدمت له أفضل المسارح في الكثير من دول العالم، وما زالت تقدم مسرحياته إلى الآن. كما تقدم في الوقت الحاضر مسرحيات جديدة خاصة تعتمد على إبداع تشيخوف المسرحي. ففي مسرح بلتيمور في نيويورك جرى في شتاء عام 2004 العرض الأول لمسرحية "الغراب الغارق" لريجينا تايلور المقتبسة من موضوع مسرحية "النورس" لتشيخوف. أما في الهند فقد أسقطت مسرحية "الشقيقات الثلاث" قبل أكثر من 10 سنوات في عصر إمبراطورية ماوريا التاريخية. وفي ألمانيا وسويسرا فقط (في موسم 2003/2004) جرى عرض 12 مسرحية تعتمد على مسرحة "الشقيقات الثلاث" منها عدد من الأعمال الرائعة في مسرح برلين الألماني للمخرج ميخائيل تالهايمر، ومسرحية أنطوان ويدهاج في مسرح ليبزج، ومسرحية بيوتر هيلينج في لوتسيرن.

أما في بريطانيا فقد نال تشيخوف استثناء خاصا في الدليل الأدبي الإنجليزي الراقي ("The Oxford Companion to English Literature")  بحيث وضع اسمه بين اسمي تشوسير وتشيسترفيلد. واستمر الكاتب المسرحي الأيرلندي برايان بريل أكثر من 30 عاما يتعامل مع إبداع أنطون تشيخوف، فكتب في عام 1972 نسخته المسرحية من "الشقيقات الثلاث"، وفي عام 1998 ألف النسخة الأيرلندية من مسرحية "الخال فانيا"، وفي عام 2001 حول قصة "السيدة والكلب" لتشيخوف إلى مسرحة تحمل عنوان "مزحة يالطا". كما قام الكاتب الأيرلندي باقتباس مسرحية "الدب" في عمل آخر. وأخيرا قام الكاتب برايان بريل بتأليف دراما "بعد المسرحية" التي يصف فيها مصير بطلي تشيخوف- سونيا في مسرحية "الخال فانيا"، وأندريه بروزوروف في مسرحية "الشقيقات الثلاث".

 

ليف تولستوي وتشيخوف

كان ليف نيكولايفيتش تولستوي أول من ذكر أن أنطون تشيخوف كاتب عظيم ليس بالنسبة لروسيا فحسب بل للعالم أجمع. حدث ذلك قبل أكثر من 113 سنة، وتحديدا في 15 يوليو عام 1904 عندما وصل إلى روسيا خبر وفاة تشيخوف.

توفي الكاتب والمؤلف المسرحي أنطون بافلوفيتش تشيخوف بعد معاناة من مرض السل وهو في قمة إبداعه الأدبي. لقد كان شابا في الرابعة والأربعين من عمره عندما وافته المنية في المنتجع الألماني بادنفيلير. وجرى نقل جثة الكاتب الراحل إلى وطنه روسيا حيث دفن في مقبرة نوفوديفيتشي.

وقد حظي تشيخوف بالاحترام في روسيا، ولكن لم يكن على جانب كبير من الشهرة، وهنا جاءت كلمة تولستوي: "لقد أسس تشيخوف أشكالا جديدة من فن الكتابة في العالم أجمع، لم أرَ مثلها في أي مكان آخر. وبعيدا عن كل تواضع مزيف أؤكد أن تشيخوف أرفع مني بكثير".

في ذلك الوقت نظر معاصرو تولستوي إلى هذه الكلمات بشك، وبدا لهم أن الكاتب العجوز قد أغدق على تشيخوف أكثر مما يستحقه. وبعد مرور أكثر من 110 أعوام على ذلك نرى أن تولستوي كان محقا، ففي روسيا الآن يقف تشيخوف في المنزلة نفسها مع الأدباء الروس الكلاسيكيين العظام كبوشكين، وجوجول، ودوستويفسكي، وتولستوي. كما شغل تشيخوف مكان القمة في قائمة أعظم مبدعي المسرح العالمي، ويقف في نفس المكان مع شكسبير. ويكفي ذكر مسرحياته الخمس الخالدة "النورس"، و"الشقيقات الثلاث"، و"بستان الكرز"، و"الخال فانيا"، و"ايفانوف".

ولئن قال الأديب الإنجليزي المعروف برنارد شو إن تشيخوف يتلألأ كنجم ساطع وسط كوكبة المسرحيين الأوروبيين العظام، فهو في الوقت الحاضر أصبح كواحة كبيرة للثقافة الإنسانية في روسيا وأوروبا. ويقف أسمه حارسا لقرية ميليخوفو في ضواحي موسكو بعد أن تمت إعادة إعمار بيته الذي تهدم في أيام الحرب العالمية الثانية. أما في يالطا فقد أصبحت الفيلا التي امتلكها تشيخوف والحديقة التي زرع أشجارها على سفح الجبل لؤلؤة المدينة الحقيقية. وفي مدينة نيس الفرنسية، وضعت سلطات المدينة خطة لتخليد ذكرى تشيخوف. وفي منتجع بادنفيلير الألماني تم إصلاح الفندق الذي توفي فيه هذا الكاتب الروسي.

وتزداد نُصُبُ وتماثيل أنطون تشيخوف في روسيا يوما بعد يوم. فقد ظهر نصب جديد له في سامارى في الفترة التي أقامت فيها روسيا الذكرى المئوية لرحيل الكاتب. والمدهش أن تشيخوف لم يزر هذه المدينة في يوم من الأيام إلا أن سكان سامارى يعتبرونه واحدا منهم. ففي الوقت الذي عانت فيه المدينة من القحط والجوع بعد تدهور الموسم الزراعي في عام 1898 عمل تشيخوف بنشاط منقطع النظير من أجل جمع الأموال لأطفال المدينة الجائعين، وأنقذ المئات من أطفال الفلاحين من الموت.

كان الطابع الإنساني جوهر إبداع أنطون تشيخوف وحياته الخاصة. وقد ذكر ليف تولستوي حول إنسانية الكاتب: "تشيخوف فنان لا نظير له. إنه فنان الحياة، ويتميز فنه بأنه مفهوم وقريب لا لكل إنسان في روسيا فحسب، بل ولكل إنسان عموما".

وكتب جون ماري الباحث المختص بإبداع تشيخوف عن الكاتب أنه فيما كان الأدب الغربي في القرن التاسع عشر غير قادر على تحديد سبب علته وخموله ومتخبطا في مأزق إثر آخر حدد وفهم الكاتب الروسي أنطون تشيخوف، الذي لم يكن يعرفه الغرب في ذلك الوقت، أي طريق يختار. واليوم بدأنا نشعر بمدى قرب تشيخوف إلى نفوسنا، وغدا ربما سنعرف كيف تخطانا تشيخوف إلى ما لا نهاية.