الديموغرافيا

 

فعلى المدى الديموغرافي، هناك تغييرات راديكالية أحدثت تحوّلات ديموغرافية هائلة على هذا الكوكب. فالرقم الآني لسكان الأرض الذي وصل إلى ما يُقارب 6 مليار و300 مليون إنسان مرشّح لازدياد مستمرّ قد يصل إلى الضعف في أواخر هذا القرن. فمن الناحية المنطقية والمبدئية كلّ زيادة ديموغرافية تعكس ازدهار الحضارات، وهذا ما شهدته أوروبا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين إلى حدّ ما، في حين ان " الغزارة الفوضويّة للبشر، كما يشير المفكّر الفرنسي فرنان بروديل، تكون مفيدة في بداياتها، قبل أن تصبح في يوم ما مضرّة عندما يسير التزايد الديموغرافي على وتيرة أسرع من وتيرة النموّ الاقتصادي. هكذا كان الأمر في أوروبا قبل أواخر القرن السادس عشر، وهكذا هو الأمر أيضاً بالنسبة إلى أغلب البلدان البطيئة النموّ أو المتخلّفة ".(1) 

في المشهد الكوكبي الديموغرافي الراهن نلمس في البلدان الغنيّة المتطوّرة اقتصاديا وعلمياً وتكنولوجياً انخفاضا كبيراً في النموّ السكّاني، في حين نجد المعادلة مغايرة في البلدان الفقيرة المتمركزة في القارتين الأفريقيّة والآسيوية بشكل أساسي... والنموّ السكاني على هذا الكوكب سيكون على حساب النموّ الديموغرافي للمنحدرين من العرق الأبيض، والمتمركزين جغرافياً في القارة الأوروبية بغربها وشرقها وفي القسم الشمالي من القارة الأميركية وفي أستراليا وغيرها من البقاع الصغيرة في العالم. وعلى مستوى توزّع وتوسّع وتموضع السكان والأعراق على هذا الكوكب، سيبقى المدى الهندو-صيني - الياباني محافظاً على اكتفائه السكّاني والعرقي الذي يغلب فيه العرق الأصفر، في حين سنشهد الازدياد السكّاني العارم للعرق الأسمر المختلط مع الأبيض والأصفر في المدى العربي والإسلامي عموماً وللعرق الأسود والمتمركز في القارة الأفريقية وفي بقاع أخرى من العالم. وهكذا فإن المشهد المستقبلي للنموّ الديموغرافي وللتوسّع العرقي على المدى القريب والمتوسّط وحتّى البعيد يشهد وسيشهد انكماشا كبيراً للعرق الأبيض الأمر الذي يثير في داخله موجات واسعة من التشاؤم على مصيره الكوكبي، في حين أنّ المستقبل الديموغرافي والعرقي سيكون بالمطلق لصالح الأعراق الأخرى، الأصفر والأسمر المتفاعلين مع الأعراق الأخرى ومع الأسود... وفي هذا السياق فإنّ القارة الأوروبية والقسم الشمالي من أميركا وأوقيانيا ستشهد في ظل حالات الهلع موجات من استنهاض الذاكرة المريضة المشحونة بروح العنصرية والتمييز العرقي والثقافي في بلدانها، فيما تنشأ عن هذا ردّات فعل عنيفة لدى الأعراق والثقافات الأخرى. هذا في السيناريو المتشائم لتطوّر هذه الحالة الديموغرافية. في حين سيسجل هناك في السيناريو المتفائل حضور أصوات في العرق الأبيض وظاهرات وحالات أخرى في الأعراف الأخرى تحرص على تعميم ثقافة السلم والتعاون والشراكة بين أبناء البشر بصرف النظر عن انتماءاتهم العرقية والدينية، انطلاقا من مسلمة بشرية بسيطة هي أنّنا جميعاً نعيش على متن مركب إنساني واحد ونستضيء شمساً واحدة. بهذا الصدد يشير العالم الروسي سرغي كابيتسا بالقول: " لا يمكن وصف النمو السكاني وتقييمه عبر العالم أجمع وخلال مرحلة طويلة جداً من الزمن إلاّ إذا اعتبرنا العالم بأكمله والشعوب المتفاعلة في العملية الديموغرافية كأعضاء في فصيلة النظام الديموغرافي العالمي نفسه "(2)... علماً أنّ إتباع النمط الاستهلاكي البحت والنمو الديموغرافي الفوضوي لا يبشّر بأيّ اقتراب من السيناريو التفاؤلي على المديين القريب والمتوسّط. 

 

 

الأســــرة

لكون موضوع الأسرة، وهي الحامل الأساسي لاستمرار النسل على الكوكب، على صلة وثيقة بالديموغرافية فإنّ وضعها كأعرق مؤسّسة على هذا الكوكب، وربما الأهمّ بين مؤسّسات المجتمع البشري، ليس على أحسن حال. فإذا ما دخل المرء في أيّ بلد وأي جماعة إلى الدواخل الحياتيّة اليوميّة المتنوّعة لكلّ أسرة يجد أنّ كلّ أوجه الوجود بجانبيها المضيء والمعتم موجودة فيها، بيد أنّ ظاهرة العتمة والتفكّك والاضطراب والتوتّر تكاد تطفو على حياة المؤسّسة العائلية في معظم مجتمعات الغرب والشرق معاً. ولعلّ الحالة تبدو أكثر دراماتيكية ومأساوية في بلدان الغرب، حيث ظواهر الطلاق وتعميم الحالة المثلية والإنجاب الفوضوي خارج الإطار المألوف في المؤسّسة العائلية تكاد تكتسح مساحة العائلة، كما إنّ تعميم كلّ حاجيّات الغريزة لتنفذ أمام أعين كلّ البشر، يجعل هذه المؤسّسة في حالة تنتظر تقديم ورقة "النعوة" لها. الحديث في هذه النقطة قد يطول، إلاّ أنّ بعض الأمثلة والأرقام قد يفيد في وضع الأصبع على الجرح العميق لمؤسّسة العائلة. فمنذ أكتوبر من عام 1985 أصبحت ظاهرة مرض السيدا (الإيدز) تأخذ طابع الكارثة حيث يكاد يوبئ الجنس البشري كله. ومنذ تعميم وتشجيع " ثقافة " التحرّر الجنسي في أواخر الستّينات وحتّى الآن، نشهد في الغرب تنامي خطر ظاهرة عيش الولد مع الأم أو الأب وليس مع الاثنين معاً. ففي بريطانيا على سبيل المثال ومنذ عام 1991 ولد كلّ طفل من أصل أربعة أطفال من روابط خارج الزواج. وفي بعض المناطق الغنيّة في واشنطن عاصمة أغنى بلد في العالم، الولايات المتحدة، وصلت النسبة إلى 90 % من الولادات خارج الزواج(3). وحالات تفكّك العائلة تمتدّ لتطال التواصل الواسع النطاق بين المرأة والرجل، بين الأجيال، بين مؤسّسة العائلة كقيمة وجوديّة وغيرها من القيم الأخرى في المجتمع. والحالة المأساوية في الحاضرة الغربية، لا تعفى من التفكّك والمآسي المتنوّعة الأشكال والمضامين الروابط الي تعيشها الأسرة في البلدان الشرقيّة. فلا الاجتهادات الكثيرة في علوم النفس والأخلاقيات وسائر العلوم الإنسانية والسلوكية ترجّح من كفة تفاؤل مستقبل العائلة في الغرب والشرق، ولا حتّى سلطة التقاليد الدينية والموروث الثقافي هنا وهناك من بلدان العالم تجعلنا نبتعد كثيراً عن لجة التشاؤم... بكلمة لا تدخل الحالة الراهنة التي تعيشها مؤسّسة العائلة ولا مستقبلها القريب الإطمئنان إلى دواخل النفس البشريّة، علماً بأنّ تفكّك وانقراض العائلة يرادفان تفكّك وانقراض أيّ مجتمع متحضّر متماسك. 

 

 

الـبـيـئـــة

 

وضع البيئة التي تحتضن البشر والأعراق والأسر ليس بدوره على أحسن حال. فهذا الإنسان العاقل الذي هو الكائن البيولوجي الأرقى على هذا الكوكب جزء لا يتجزأ من محيطه الطبيعي والكوني... وفي المرحلة ما قبل الصناعية كان هناك نوع من التناغم والتعايش المقبول، تناغم الإنسان وأمّه الطبيعة، ولكننا مع دخول البشرية في المرحلة الصناعية أو في سياق الثورة العلمية الأولى ومن ثمّ الثانية، ونحن نعيش الآن في فضاء الثالثة، بتنا نشهد - على حدّ ما جاء في أبحاث كبار الاختصاصيين في علوم الأرض - حالة شبه كارثية من التلوث البيئي وبالذات من تراكم الأوساخ المتنوعة المصادر والمكونات على هذا الكوكب. 

فمنذ الستّينات من القرن الماضي وحتّى تاريخه أضحى الإنسان نفسه هو المكوّن الأساسي لتراكم الأوساخ في الطبيعة فهو الذي تسبّب في الخمسين سنة الأخيرة بتكون الأوساخ بنسبة ألفي مرّة أكثر من غيره من الكائنات التي عاشت على هذا الكوكب طوال ملايين السنين.

فالمقولة التي دشنها العقل العلمي في بدايات القرن السابع عشر وهي أن على الإنسان التحكّم بالقوانين المسيّرة للطبيعة من أجل التحكّم فيها أو التسلّط عليها، أعطت الكثير من الفوائد المادية وفي الوقت نفسه القدر الأعظم من الكوارث البيئية. فالخلل أضحى بارزاً للعيان بين الإنسان والحيوان، الإنسان والنبات، الإنسان والمياه، الإنسان والهواء، الإنسان وثروات الطاقة، الإنسان والفضاء الخارجي. لقد دقّ ناقوس الخطر منذ بداية القرن الماضي العديد من كبار العلماء في الغرب والشرق، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر فرنادسكي، ليروا، كوندا، تشيجسكي، تيار دي شاردان Pierre Teilhard de Chardin وغيرهم...

 

بيد أنّ تصاعد الخطر الإيكولوجي أخذ منحى أكثر دراماتيكية في العقود الأخيرة، الأمر الذي استدعى تدخّل هيئات دولية اجتماعية وعلمية مثل نادي روما ومعهد الحياة الدولي في فرنسا Institut international de la vie ". وهذا رغم إنّ الاهتمام بهذه المشكلة يتصاعد محلياً ودولياً وهو الذي كانت باكورته في عام 1992 في ريو دي جانيرو حيث انعقد مؤتمر دولي هام حول هذه المعضلة وفيه حاولت العقول الحكيمة أن تضع الإصبع على الجرح لتنبّه إلى إنّنا أمام تكسّر عميق في منظومة الحياة على الكوكب. فالجميع يعلي الصوت ليبيّن أنّ الكارثة، ما لم تتضافر جهود الجميع دولاً وشعوباً وأفراداً، لا تفتك في جسم الإنسان وفي المجتمع فحسب، بل تطاول المجال الحيوي للكوكب بأسره. غير إنّ العديد من الإجراءات والحلول المسكنة التي تعتمدها حكومات الشرق والغرب لم تفلح حتّى الآن في التشخيص العقلاني والحكيم للخطر الإيكولوجي المستشري، وبالتّالي لا نرى في الحاضر ولا في الأفق القريب الحلول العملية السليمة والراديكالية للمعضلة الإيكولوجية المستعصية. لذا سيبقى خطر حدوث الكارثة الإيكولوجية جاثماً بقوّة على صدر المجتمع الإنساني ما لم يتمّ استحداث الطرق الفعّالة والناجحة لإيجاد بدائل أفضل للتعامل مع المحيط الطبيعي، وما لم يُعَد التوازن والتناغم بين الإنسان والطبيعة والكون. علماً بأنّ هناك من يقول بأنّ البديل التفاؤلي ما زال يتمتّع بقوّة الحضور، وإمكانية التطبيق على مساحة التواصل بين الإنسان والطبيعة.

فالتحوّل النوعي في حركية النشاط الإنساني على هذا الكوكب شهد مرحلتين رئيسيّتين: الأولى مرحلة تطوّر الجنس البشري من الطريق البيولوجي إلى الطريق الاجتماعي. والثانية هي القدرة الإنسانية على تطوير الحضارة في بعديها المادي والثقافي، دون أن يكون هذا على حساب التناغم مع المحيط. بيد أن تطور العلاقة العدوانية بين الجانب العلموي اللاأكسيولوجي في الشخصية الإنسانية والخرق الفاضح لقانون الحياة في عالم التطور البيولوجي, في عالم النبات والحيوان، وحتى في الجينوم، أوصلنا الى الاقتراب من هاوية الكارثة، وهذه مخاطر تستدعي استنفارا أوسع وأنشط للطاقات المبدعة الخلاقة لتعيد للتفاؤل حضوره وللتفاعل الخلاق بين الإنسان والطبيعة تناغمه.

 

 

العقل التقني وممارسات التكنولوجيا

 

بعد أن أحدث العقل العلمي ثوراته الأولى والثانية والثالثة التي تركت انعكاساتها العميقة والمريحة مادياً على مسيرة المجتمعات التي دخلت الأطوار المختلفة لعصر الصناعة والحداثة، ومع تدشين حقبة جديدة، بدءاً من الربع الأخير من القرن الماضي، ووصولا إلى عصر المجتمع ما بعد الصناعي أو ما بعد الحداثوي، حصلت تبدلات واسعة في العمر الزمني للدورات الحالية حيث نجتاز حقبة تكنولوجية معينة ونشرع لتأسيس حقبة جديدة يتغلب فيها علم تقنيات المعلوماتية واقتصاديات المعرفة المؤتمتة الموجهة لمجتمع ما بعد الصناعة، فإن العمر الزمني لاستتباب النمط الجديد للحضارة ما بعد الصناعية سيكون أسرع. هذا في المجتمعات التي اجتازت حقبة الحداثة، وبالتالي فإن أجواء من التبلور والاستقرار التقني ستعيشه تلك المجتمعات المرتكزة على موروث علمي وتقني وعلى قوة اقتصادية ومناخ سياسي ديموقراطي مقبول في بلدانها . وفي حين أن العمر الزمني لدخول الاستقرار ولمحاولة إنجاح نمط حياة ما بعد المجتمع الصناعي في الدول المتوسطة أو الضعيفة النمو، سيأخذ العمر الزمني لاستقرار وولوج واسع وعميق في حركية وفعالية وإنتاجية العصر ما بعد صناعي فترة أطول وأكثر تعقيداً. بينما المسألة ستكون أكثر تعقيداً واغترابا لدى المجتمعات الأخرى التي هي أصلاً ما زالت حتى الآن تعيش على ضفاف الحداثة. وفي ظل التمايز الحاد بين ثلاثة أنماط من التطور الثقافي والعلمي والاقتصادي والمعلوماتي، من المتوقع أن يشهد العالم حدوث كوارث اجتماعية كثيرة وتصاعد موجات الحقد والكراهية بين الدول الغنية والفقيرة. فعلى حد قول عالم المستقبليات الأميركي المشهور ألفين توفلر Alvin Toffler، " إن المراحل الأولى من تطور المجتمع ما بعد الصناعي ستشهد هزات اجتماعية كبرى، وتطورات متلاحقة ودراماتيكية في قواعد اللعبة التقنية والاقتصادية، ومن المتوقع أن تحدث كوارث تتمثل بحدوث عدم استقرار سياسي ونشوء موجات جديدة من العنف والحروب... وبهذا فإن انهدام حضارتين متنازعتين سيشكل بحد ذاته خطراً كبيراً على مصير الإنسانية".(4)

وإن التحكم في التطور التقني والاقتصادي من قبل أطراف فاعلة في الغرب تحديداً قد يضفي على مشهد العلاقات الدولية والمجتمعات البشرية جواً تشاؤمياً، في حين أن المساهمات والمحاولات العاقلة ستحاول أن تصعد برأسها لتركز القول والفعل من أجل تأسيس خطاب إنساني شمولي يدعو لعلاقات أكثر عدلاً وتكافؤاً على المستوى التقني والاقتصادي بين محوري الشمال والجنوب. وهذا الخطاب سيسعى من أجل تحرير البشرية من مخاطر اقتحام وحش الإنسان الآلي والعقلية التقنية العدوانية لعالم الإنسان والطبيعة، ولإقامة منظومة من علاقات التعاون العلمية والتعليمية والمعرفية، تكون أكثر مرونة ومعقولية وتكون رقابتها على تطبيق الديمقراطية في نشاط المنظمات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني أكثر فعالية وقوة.

 

فالبعض من المتشائمين يتنبأون بانفجار التقنيات المعلوماتية. فرغم تسهيلاتها الكبرى في تقريب التواصل المتنوع الوسائل والأهداف بين كل أصقاع الأرض، فإنها تحمل في طياتها مخاطر أكثر رعباً حتى من المخزون النووي لدى الدول الكبرى... فمن يتحكم بالثورة المعلوماتية بشكل أناني وجشع سيتحكم في عقول وأذواق البشر، وستصبح هذه الثورة المعلوماتية في زحفها المتواصل وفي طوفانها الهادر واجتياحها عين وذهن المتلقي، أشبه بتسونامي كوكبي قاتل ومدمر لكل ما هو إنساني داخل الإنسان.

 

فالإنسان الذي يصبح عبداً للآلة والتقنيات يقتل في نفسه كل دفء مشاعر التواصل الإنساني ويدخل في مدى جاف من التصحر الروحي الذي يصعب التبوء بمصيره.

بكلمة موجزة وفي هذا السياق إياه نقول إن السيناريو المستقبلي القائم على إنجاز المجتمع التكنوقراطي – المعلوماتي سيصطدم بالروح الإنسانية الساعية للتناغم بين البعد المادي والروحي للشخصية الإنسانية. وسيشكل بدوره واحدة من معادلات الصراع بين الطرفين في المستقبل القريب والمتوسط. (يتبع)

 

سهيل فرح: أستاذ الحضاريات في الجامعة اللبنانية وجامعة موسكو الحكومية، عضو أكاديمية التعليم الروسية، وعضو الأكاديمية الدولية للدراسات المستقبلية.