2. جوهر الحوار والشراكة بين الحضارات ودلالتاهما التاريخية.

تُعَدُّ الشراكة بين الحضارات، القائمة على أساس الحوار، هي الشكل الأسمى للتفاعل والتعاون فيما بينها.

نشأ التفاعل بين الحضارات منذ بداية تشكّلها في شريط ضيق إلى الشمال من خط الاستواء وكان في بداياته ضعيفاً، إذ شمل الحضارات المجاورة فقط- كحضارة مصر القديمة وحضارة بلاد ما بين النهرين، ثم حدث تواصل مع الحضارات الهندية، الصينية القديمة، المينوية، الفينيقية واليونانية الرومانية القديمة (الجيلين الأول والثاني من الحضارات المحلية).  وغلبت علاقات المواجهة، والاشتباكات العسكرية، مع وجود عناصر الحوار، وأحياناً التعاون بين الحضارات المتجاورة. وكان من المبكر حينها الإعداد للشراكة طويلة الأمد.

أكد عالم التاريخ الأمريكي وليام ماكنيل على الدلالات المثمرة للاتصالات بين الشعوب والحضارات، فقال: «لقد أُلِّفَ كتاب (نهضة الغرب) من منطلق فهم الاتصال مع الغرباء، الذين يمتلكون معارف جديدة مجهولة، كأساس لعامِل يساهم في التغيرات الاجتماعية المهمّة تاريخياً. وطبيعياً أصبح استنتاج أن مراكز الثقافة العالية (أي الحضارات)، باستعراضها لمبتكراتها الجذابة أمام جيرانها.   وقد سعت الشعوب المحيطة بها والأقل تطوّراً منها إلى استيعاب هذه الابتكارات والحصول بذلك على إمكانية الوصول إلى الثروة والسلطة، وإدراك الحقيقة والجمال، وكل ما تقدمه الخيرات للذين يمتلكونها... إن الاتصالات بين الحضارات، الموجودة في وقت واحد، يجب أن تكون أيضاً هدفاً رئيسياً لدراسة التاريخ العالمي، لأنّها هي بالتحديد مدعوة لتغيير كم ونوع المعارف والتقنيات الكامنة في كل حضارة، والتأثير على الصورة العامة لتداخل الثقافات».

وبالتالي، تشمل الاتصالات بين الحضارات كشكل من أشكال الحوار، جميع المجالات وتعدّ أداة بالغة الأهمية في المسار التاريخي، ونشر الابتكارات (الأساسية). وهذا ليس تطلعاً مادياً بحتاً، وإنما ضرورة ملحّة، لأن الحضارة المتخلّفة في تطوّرها الفكري، والتقني، والسياسي الجغرافي، والعسكري، ستتعرض للهزيمة عاجلاً أم آجلاً، في صدامها مع الحضارات الأكثر تقدماً.

في مرحلة الدورة التاريخية العظمى الثانية، التي شملت حضارة القرون الوسطى، والحضارة الصناعية المبكرة، والحضارة الصناعية، اتسع مجال التفاعل بين الحضارات كثيراً، وصارت أشكال التفاعل أكثر تنوّعاً واستقراراً. ولكن استمرت في الهيمنة أشكال المواجهة والصراع والصدام. والمثال الأوضح على ذلك- هو صدام حضارة أوروبا الغربية وأمريكا، والذي نتج عنه التدمير العملي لحضارة العالم الجديد. الأمثلة الأخرى على ذلك- تشكّل الحضارة الإسلامية وتوسعها السريع، والانتشار السريع ولكنه قصير الأجل للحضارة الاحتكارية، واستعمار بريطانيا العظمى للحضارة الهندية، وصدام حضارة أوراسيا مع الحضارة الإسلامية (صدام روسيا مع الإمبراطورية العثمانية) ومع الحضارة الأوروبية الغربية (غزو نابليون، حرب القرم، والحرب الوطنية العظمى).

في الوقت نفسه، مع نمو التجارة الدولية والعلاقات الثقافية نمت عناصر الحوار بين الحضارات في مختلف المجالات، وأحياناً كان يحدث تعاون قصير الأمد وصولاً إلى الشراكة (مثلاً، الشراكة بين حضارة أوراسيا، وحضارة أمريكا الشمالية والحضارات الأخرى في سنوات الحرب العالمية الثانية، التي أدت إلى  هزيمة ألمانيا النازية والنزعة العسكرية اليابانية، كما أدت إلى إنشاء الأمم المتحدة وشبكة من المنظمات الدولية في عالم ما بعد الحرب). إلا أن هذه الشراكة            كانت سريعة الزوال وتوقفت مع بداية الحرب الباردة، وجرى استبدالها بمرحلة طويلة من المواجهة بين الحضارتين الأوراسية والغربية من الجيل الرابع. ولكن                     عناصر الشراكة بقيت حاضرة في تفاعل الحضارة الأوراسية مع الحضارتين  الصينية والهندية.

أظهرت التجربة التاريخية توفر الأشكال الخمسة التالية من التفاعل بين الحضارات المحلية في الفضاء الحضاري الجغرافي:

• الصدامات العسكرية بين الحضارات، وصولاً إلى تدمير أو استعباد التشكيلات الحضارية الأكثر ضعفاً؛

• المواجهة والصراع بين الحضارات، بأشكال لا تصل إلى الصدامات العسكرية؛

• الحوار بين الحضارات لتحديد المصالح المشتركة، ومجالات وأشكال التعاون؛

•  التعاون بين الحضارات في بعض المجالات وبأشكال متنوّعة؛

• الشراكة الإستراتيجية بين الحضارات على قاعدة تحديد المصالح والأهداف المشتركة على نطاق واسع من المجالات وعلى أساس مستدام.

ومن التجربة التاريخية والتحليل النظري يمكننا أن نستنتج الاستنتاجات التالية.

أولاً، المقدمة الموضوعية للشراكة هي تحديد نطاق واسع من المصالح الحيوية المشتركة المهمّة والتي تنتمي إلى هذا الشكل من التفاعل بين الحضارات. يظهر هذا النوع من الوحدة الجامعة عادة في أطوار الأزمة في الدورات الحضارية طويلة الأمد والأكثر من طويلة الأمد، عندما يحضر خطر الموت المشترك، تصبح صراعات المصالح الحتمية بين الحضارات أمامه ثانوية.

إن مقدمة من هذا النوع بالتحديد صارت واقعاً في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين. لأن مجموعة الأزمات العالمية- الأزمة الحضارية، والأزمة الطاقية البيئية، والأزمة السكانية، والأزمة التقنية، والأزمة الاقتصادية المالية، والأزمة الجغرافية السياسية، والأزمة الاجتماعية الثقافية- وضعت الحضارة العالمية على شفا كارثة وشيكة. حيث تعجز البلدان والحضارات بمفردها أو بمجموعات منها، عن التعامل مع هذا التهديد القاتل. والرّد الفعّال على هذه التحديات يمكن تحقيقه فقط على أساس توحيد جهود جميع الشعوب والحضارات على سطح كوكبنا، على قاعدة من خلق نظام عالمي طويل الأمد من الشراكة بين الحضارات، الأمر الذي يصبح، كما قيل سابقاً، حتمية تاريخية (حضارية) في النصف الأول من القرن الواحد والعشرين.

ثانياً، يتم تحديد مقدمات، وأهداف، ومجالات، وأشكال، ومؤسسات الشراكة بين الحضارات، على أساس الحوار والتعاون فيما بينها. وهي مراحل تحضيرية ضرورية لتشكيل إستراتيجية الشراكة طويلة الأمد. في الوقت نفسه يجب عدم المبالغة في أهميتها وتجنب إطالة هذه المراحل.  فالحوار هو حديث على قدم المساواة، يتم خلاله مناقشة المصالح المشتركة للمتحاورين وأشكال التعاون المحتملة والشراكة المستقبلية. ولكن الحوار بمفرده لا يعطي نتائج محددة للتغلّب على التناقضات وحل المشكلات المشتركة التي تم تحديدها من خلال الحوار.

يقوم الحوار بخلق مقدمات لصياغة توجّهات وأشكال، وآليات محددة للتعاون في حل المشكلات المشتركة. إلا أن أفق هذا التعاون يكون قصير الأجل عادةً، حيث يمكن أن يغير أشكاله أو يتوقف عند تغير الوضع وتفاقم التناقضات.

تصبح الخبرة المتراكمة من خلال التعاون بين الحضارات، قاعدة أولية للانتقال إلى الشكل التالي، الأعلى والأطول مدة والمنهجي من التفاعل بين الحضارات- إلى شراكتها الإستراتيجية على قاعدة من وحدة المصالح الجوهرية ولحل المشكلات العالمية الكبرى.

يمكن لهذه الشراكة أن تكون محلية، تضم عدة حضارات، مثلاً، في إطار الاتحاد الأوروبي، أو (آبيك) التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي، أو منظمة شانغهاي للتعاون، أو بريكس (وتضم البرازيل- روسيا- الهند- الصين- جمهورية جنوب إفريقيا). ويمكن للشراكة أن تأخذ طابعاً عالمياً ـ مثلاً في إطار منظمة الأمم المتحدة، أو «مجموعة 20» (التي تضم القوى العظمى لاثنتي عشرة حضارة من الجيل الخامس). وتتحدد الخطوط العريضة لهذه الشراكة العالمية في مؤتمرات القمم العالمية.

تم إقرار برنامج الشراكة لتنفيذ إستراتيجية التنمية المستدامة خلال القمة في ريودي جانيرو عام 1992م. وبعد عقدين من الزمن، وفي ظروف الانتقال إلى حقبة تاريخية جديدة وظهور مجموعة من الأزمات العالمية، آن الأوان، لإنتاج إستراتيجية عالمية جديدة طويلة الأمد للشراكة بين الحضارات.

ثالثاً، إن إستراتيجية الشراكة بين الحضارات لا يمكن حصرها في منطقة واحدة أو مجال واحد، حتّى وإن كان بالغ الأهمية (مثلاً، من أجل التغلّب على الأزمة البيئية الطاقية العالمية). إذ عليها أن تكون واسعة النطاق كفاية، لتشمل جميع المجالات الرئيسية للتفاعل بين الحضارات، والمكونات الستة لنمطها الوراثي جميعها ـ المكون البيئي الطبيعي، والسكاني، والتقني، والاقتصادي، والسياسي الجغرافي، والاجتماعي الثقافي. بهذه الطريقة فقط يمكن تحقيق تأثير متوازن ناتج عن تنفيذ إستراتيجية الشراكة. لذلك يجب وضع إستراتيجية من هذا النوع على أساس علمي متعدد التخصصات، استناداً إلى توقعات طويلة الأجل، يضعها فريق من العلماء الدوليين المتخصصين، استناداً إلى المنهجية التقدمية، الموجّهة نحو وقائع القرن الواحد والعشرين. وقد نفذ علماء روسيا وكازاخستان ودول أخرى، هذا الشرط، عندما أعدُّوا توقعات عالمية «مستقبل الحضارات» تشمل الفترة الزمنية التي تصل إلى عام 2050م، مرفقة بالتوصيات لإستراتيجية الشراكة طويلة الأمد بين الحضارات، التي اجتازت الاختبار خلال مجموعة من المنتديات الحضارية، وخلال اجتماع الطاولة المستديرة في مقر اليونسكو، والمنتدى الحضاري في إطار اكسبو- 2010م في شنغهاي. كما قام هذا الفريق من العلماء الدوليين بتطوير أسس الإستراتيجية طويلة الأمد للتنمية العالمية المستدامة على قاعدة من الشراكة بين الحضارات.

والمرحلة التالية يمكن أن تكون من تصميم فريق رفيع المستوى تشكّله الأمم المتحدة من رجال الدولة والسياسيين من جميع الحضارات، مع الأخذ بعين الاعتبار توقعات وتوصيات فريق العلماء الدوليين الواردة في مشروع الإستراتيجية طويلة الأمد للتنمية العالمية المستدامة على قاعدة من الشراكة بين الحضارات، والذي يمكن بحثه وقبوله في مؤتمر القمة العالمي، ومن ثم تنفيذه بمساعدة مجموعة من الإستراتيجيات طويلة الأمد والبرامج التي تتناول المحاور الرئيسية للشراكة.

رابعاً، لا يمكن لإستراتيجية الشراكة بين الحضارات أن تتشكّل وتُنفَّذَ على قاعدة من عدم المساواة  والإكراه  والتسلط  والإملاءات من جانب حضارات منفصلة، مهما كانت هذه الحضارات قوية. فالأساس الديمقراطي للشراكة يكمن في الاعتراف بالمساواة بين جميع المشاركين، والأخذ في الحسبان تنوّع وتضارب مصالحهم، وإيجاد التوافق، والرضا المتبادل عند حل المشكلات الحادة. لذلك يجب إنتاج مؤسسات وآليات، تأخذ في الحسبان تنوّع المصالح هذه، وألاّ تُنتَهك الحقوق السيادية، وأن تُخلَق في الوقت نفسه إمكانية لتحقيق أهداف الشراكة، وبرامجها ومشاريعها.

هذه الشروط الأربعة يجب أن تُراعى تماماً خلال وضع وتنفيذ إستراتيجية طويلة الأمد للتنمية العالمية المستدامة على قاعدة من الشراكة بين الحضارات.

(ويُقصد بطويلة الأمد، المرحلة التي تصل إلى منتصف القرن، مما يتوافق مع حجم ومدة التحولات العالمية الحاصلة). (يتبع)