ولكن بمضي الأشهر والسنوات، اتضح أن المدينة إياها لا وجود لها إلا في ذهن أفلاطون.وبعد أشهر، وربما أيام من العسل عاشتها جموع المشاهدين العرب آملين في شاشات أكثر مصداقية وأصوات أصدق تعبيرية، كتلك التي كانوا يعتبرونها الشاشات كما ينبغي أن تكون حين تطل عليهم «سي أن أن» أو غيرها من ملكات الأخبار العالمية، استيقظوا على ارتطام عنيف بأرض الواقع. فالشاشات التي تصل إلى كل بيت عربي لا يسعها أبداً أن تكون شاشات لا تعبر عن الحقيقة.ويبدو أن المشاهد العربي تعلم الدرس عبر الطريقة الأصعب والمعايشة الأعنف. فلا الحقيقة واحدة، ولا مصالح الجماهير متطابقة، وبالطبع فإن ما يراه أولياء الأمر سواء في دول الربيع أو تلك التي رعت الربيع حقيقة قد يختلف شكلاً وموضوعاً عن الحقيقة التي ينشدها المشاهد. كما أن المشاهد نفسه لم تعد مصالحه متطابقة.وسرعان ما أيقن المشاهدون العرب، أو أيقنوا ولم يعترفوا بعد، بأن هذه التشكيلة الضخمة التي تباغتهم بها تلك الشاشة الصغيرة حيث قنوات لا ترعى سوى الإرهاب، وأخرى لا هم لها إلا الفتنة، وثالثة تدق أسافين الفرقة، ما هي إلا نتاج للعب في قواعد هوامش الحرية والعبث بمقاييسها وتسييس مكوناتها وتديينها. ومع هذا الاكتشاف بزع اكتشاف آخر لا يقل عنه أهمية. فما كان حتى الأمس القريب قبلة للحرية الإعلامية، يتهاوى اليوم أمام أعين المشاهد.كلمات الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب في المؤتمر الصحافي الأول له بعد انتخابه والموجهة لمراسل «سي إن إن» مسكتاً إياه ورافضاً لإعطائه حق السؤال: «مؤسستك فظيعة. اسكت. وأخباركم كاذبة»، لم تكن إلا تأكيداً إضافياً على أن مدينة الإعلام الحر الشعبي الفاضلة لا وجود لها. والمسميات كثيرة، والعبارات المدققة عدة، والاختيارات المصطبغة بصبغة سياسية أخلاقية لا أول لها أو آخر. فتارة تأتي التغطيات الإعلامية الموجهة بسبب «مصلحة البلاد العليا»، وأخرى بحكم «ظروف الإرهاب العالمي المتفشي»، وثالثة «لدواعي الأمن القومي»، ورابعة غير معلنة حيث ضرورة فوز هذا المرشح أو هزيمة ذلك التيار أو غلبة هذا التوجه والقائمة لا تنتهي.صحيح أن التغطيات الإعلامية الموجهة في بلاد العرب ما زالت تنأى بنفسها عن مجملات التبرير ومحسنات نكهة التوجيه، لكنّ الجميع شرقاً وغرباً، ربيعاً وخريفاً، يتساوى في خرف مدينة الفضائيات الفاضلة، وما كل هذا الصراع على الحريات سوى صراعات على الهوامش.

الحياة: ٢٤-١-٢٠١٧