> بالنسبة إلى لو كليزيو، ينطلق هذا الكتاب من تساؤل أساسي لم يكن قد كفّ عن شغل باله منذ زمن بعيد وحتى قبل أن يزور أميركا اللاتينية ويقيم ردحاً من الزمن في المكسيك ويكتب عنها أكثر من رواية ونصّ: كيف حدث أن اختفت ذلك الاختفاء الغريب والعنيف تلك الثقافات والحضارات الهندية في وسط القارة الأميركية خلال القرن السادس عشر؟ بل بشكل أكثر وضوحا: ما الذي جعل الحضارة المكسيكية بالتحديد تختفي تحت وطأة نهايتها التي تسبب بها المحتلون الإسبان في ذلك الحين؟

 

> أما السؤال التالي الذي يطرحه لو كليزيو هنا، فهو أكثر عمقاً، ولكن أيضاً أكثر إثارة للحيرة: ما الذي كان سيبدو عليه عالمنا اليوم لو لم يدمّر المحتلون الإسبان تلك الحضارة التي كان من الواضح أنها أكثر تقدماً من الحضارة التي كانوا هم عليها في تلك الأزمنة، ولا سيما في مجالات الفكر والسحر والطب والفلك وغيرها من علوم يرى الكاتب الفرنسي أن انسدادها في أوروبا كان في ذلك الحين من فعل الكنيسة، الكنيسة ذاتها التي ساق الأوروبيون أبناء الحضارة المكسيكية وغيرها من حضارات أميركا اللاتينية بالقوة إليها فحولوهم عبيداً مطيعين، مجبرينهم على استخراج المواد الأولية لإرسالها إلى أوروبا حيث ساهمت في بدايات تصنيع القارة العجوز وبالتالي هيمنتها على العالم.

 

> بالنسبة إلى المؤلف، بدأ كل شيء في العام 1517، بعد سنوات قليلة مما حلا للغرب أن يسميه «اكتشاف أميركا». يومها هرع سفراء الزعيم «الهندي» الأحمر موكتيزوما الذي كان يحكم مكسيكو تينوكتيتلان بالأساليب الحضارية التقليدية التي كانت راسخة منذ أزمان طويلة لدى الآزتيك والمايا والبوربيشا وغيرها، لمدّ أيديهم مستقبلين سفن الغازي الإسباني كورتيس، فما كان من هذا إلا أن بادأهم بالقتل والأسر، تماماً كما كان فعل قبله بسنوات «المستكشف» الأول للقارة الأميركية كريستوف كولومبوس، الذي يروي لنا عالم الإناسة الفرنسي الكبير كلود ليفي- ستروس كيف أنه -أي كولومبوس- حين تراكض «هنود» الساحل الكوبي يوم وصلت سفنه إلى هناك، لاستقباله تجاوباً مع ما تحضهم عليه أساطيرهم المتحدثة عن أن اكتمالهم الإنساني لن يتم إلا حين يصل توائمهم البيض من الشرق ليمتزجوا بهم، وهكذا ركضوا مرحبين فاتحين أذرعتهم ليتلقفهم جنود كولومبوس بالسيوف والمذابح. نعم، كان شيئاً مماثلاً تماماً هو ما حدث في المكسيك، مع فارق أساسي: لقد كان ما دمّره كولومبوس وجنوده مجموعات من بشر تنتظرهم لتبني معهم حضارة جديدة موعودة، أما ما فعله كورتيس فكان أكثر من هذا: دمّر حضارات كانت قائمة ومزدهرة، دمر الحلم المكسيكي.

 

> والأدهى من ذلك أن الدمار الذي مارسه كورتيس وجنوده بمباركة رجال الكنيسة، الذين رأوا الفرصة سانحة لتنصير تلك المجموعات الكثيفة من السكان إو إزالتهم إن لم يتنصروا، لم يكن يطاول البشر وحدهم كما كانت الحال مع كولومبوس، الذي وأد حضارة كانت قيد البنيان في تلك المنطقة البعيدة بعض الشيء إلى الشمال، بل بنى حضارية متكاملة لا يزال الحجر والذاكرة المخبوءة يشهدان عليها حتى اليوم، فالمرء حيثما يتنقل في المناطق التي كانت تشكل حواضر «الدول» التي كانت قائمة هناك بشعوبها ومعابدها ومؤسساتها الاجتماعية وثقافاتها المتنوعة وعلومها، سوف يجد الكثير مما من شأنه أن يدهشه. وتلك العناصر، ولا سيما في المكسيك التي عرفها لوكليزيو جيداً، هي التي تشكل ذلك الحلم الذي يحدثنا عنه. لكنه يحدثنا أكثر عن الصمت «المتمدن» الذي ساهم مساهمة أساسية في جعله ممكناً. ويقول لنا الكاتب الفرنسي أن ذلك الصمت كان هو «بداية التاريخ الحديث، حيث سرعان ما حلت مكان كل ما هو غرائبي وسحري وعلمي، وحتى مكان القسوة التي كان يتعامل بها الآزتيك والمايا والبوربيشا، والتي تسهب النصوص الإسبانية العائدة إلى تلك المرحلة في الحديث عنها والمبالغة في رسمها، وكأنها تعيش في بحث دائم عن تبرير لما حدث! مكان ذلك كله حلّت الحضارة الحديثة: حضارة الإنسان الأوروبي» التي يعرّفها لنا لوكليزيو بكونها حضارة العبودية والذهب واستغلال الأرض والبشر، على الضدّ مما كان من شأن الطبيعة أن تسمح به» بالنسبة إلى الكاتب، كما كان الأمر قبل ذلك بالنسبة إلى سلفه الكبير ليفي- ستروس، دمّر الإنسان الأوروبي عالمه الممكن ذاته، فيما كان يجهد لتدمير تلك الحضارات وأهلها. ودمّر على وجه الخصوص فكراً كان من شأنه لو عاش أن يضيف إلى الفكر الإنساني أضعافاً مضاعفة، ومن هنا طبعاً العنوان الفرعي للكتاب: الفكر الموؤود.

 

> إذاً، مكان الحلم الحضاري أحلّ الإنسان الأوروبي الواقع الصناعيّ، غير أنه، ولحسن الحظ، إذ كان قد قضى على كل شيء هناك في سعيه لنهب المواد الأولية وتحويله البشر مستهلكين وأرقاء مطيعين، لم يتمكن من القضاء على ما هو هنا أهم من ذلك كله: الذاكرة، إذ على سطح تلك الذاكرة ظلت أمور كثيرة محفورة لا يمكن محوها. وإلى تلك الذاكرة ينتمي طبعا كتاب «الحلم المكسيكي» الذي لم يكتف فيه مؤلفه بأن يروي لنا ما حدث، فما حدث لا يجهله أحد.

 

> المهم هنا هو أن لوكليزيو يتجاوز الأحداث في حدّ ذاتها ليغوص في تحليل معمق لأربع من الشخصيات الأساسية في السيرورة التي أدت إلى تدمير الحضارة المكسيكية: كورتيس نفسه ومالينكي وموكتيزوما الثاني، وأخيراً كواتيموك. وفي هذا الإطار هنا، يعود قلم لوكليزيو إلى قوته الأدبية التي تمكنه من أن يستخدم خياله الإبداعي لتصوير العلاقات بين هؤلاء اللاعبين الأربعة الأساسيين في تلك المأساة/المهزلة التاريخية التي تمثلت في الاستيلاء على أميركا الوسطى. والحقيقة أن الكاتب الفرنسي المعاصر يستفيد هنا كثيراً من نصوص كتاب برنار دياز ديلكاستيليو، «التاريخ الحقيقي للاستيلاء على إسبانيا الجديدة»، كي يحلل الأحداث تحليلاً عميقاً. أما إضافته الأساسية، والتي أشرنا أعلاه إلى عنوانها، فتكمن بعد كل شيء في تساؤله عما كان من شأنه أن يحدث لو أن ذلك الدمار لم يتحقق على يد المحتلين الإسبان في حينه؟ ما الذي كانت ستبدو عليه صورة العالم الغربي اليوم؟ ويقول لنا لوكليزيو في هذا السياق إن الغرب لا يزال حتى اليوم، على أي حال، يمارس هيمنته الثقافية والاقتصادية على العالم بسبب ذلك الدمار المريع الذي ترافق مع غزو القارة الجديدة. فكيف كانت ستتطور حضارات الآزتيك والمايا وغيرها لو أن المحتل الأوروبي الإسباني لم يمحها محواً خلال تلك الأحداث الرهيبة؟

 

> بقي أن نذكر أن لوكليزيو ولد العام 1940 في نيس لأب ولد في موريشيوس وأم من إقليم برتانيْ. وهو عاش طفولته متنقلاً في أفريقيا، وبدأ ينشر باكراً رواياته التي ترجمت إلى عشرات اللغات وأعطته جائزة نوبل وسمعة عالمية قلما حظي بمثلها كاتب فرنسي مجايل له.

الحياة: ١٩-٦-٢٠١٧