اما الفكر الشرقي فلا يتطرق اليه الشك بهذا النفي الذي يثبت؛ فهذا خارج مدار تناول تصنيفاتنا؛ فهو ليس إيماناً ولا إلحاداً ولا ديناً ولا فلسفة.ليس براهما فيشنو وشيفا أفراداً كما أنهم ليسوا رموزاً لمواقف إنسانية جذرية، وما تسرده عنهم الهند لا يمتلك المعنى فائق الثراء للأساطير الاغريقية او لاستعارات الأمثال المسيحية. هم بالكاد يكونون كيانات او وحدات فلسفية. ورغم ان الصينيين يفخرون بكون حضارتهم الاقل تديناً والاكثر فلسفة، الا انها بالحقيقة ليست ايضاً فلسفية،فما ينقصها هو معرفة عمل الروح في التماس المباشر مع العالم . الفكر الشرقي إذاً أصلي بمعنى انه لا يسلم نفسه لنا الا حين ننسى الاشكال النهائية لثقافتنا.لكننا نفهمه من خلال ماضينا الفردي او الجماعي؛ هو يكمن في المنطقة المحايدة حيث لم يتشكل بعد دين ولا فلسفة. هو مأزق الروح المباشرة الذي عرفنا كيفية اجتنابه. وهكذا يتجاوز هيغل فكر الشرق بدمجه كحالة شاذة أو لانمطية مع سيرورة الروح الحقة.

هذه الرؤى الهيجلية نجدها في كل مكان. حين نعرّف الغرب باختراع العلم او بالرأسمالية،فنحن نستوحي منه ذلك.وذلك لأن العلم والراسمالية لا يقدران على تعريف حضارة الا بفهمها “كعمل للنفي”، والنقد الموجه للشرق يتعلق دائما بجهله لذلك.

المشكلة اذاً واضحة جداً:لا يقر هيغل واتباعه بأية جدارة فلسفية للشرق الا باعتباره تقرباً بعيداً من المفهوم.

في الحقيقة،ان فكرتنا عن المعرفة متطلبة للغاية كونها تضع كل شكل آخر من الفكر في مرتبة الانصياع باعتباره مخطوط أولي من المفهوم،او في مرتبة تجرده من العقلانية.لكن هذه المعرفة المطلقة،هذا الملموس الكوني الذي اغلق دونه الشرق بابه،يجدر بنا ان نتساءل ما إذا  كنا نجرؤ على ادعاء امتلاكها كما فعل هيغل. وان كنا لا نملكها فعلياً فعلينا ان نعيد النظر بكل تقييمنا السابق للحضارات الأخرى.

حتى هسرل في نهاية مهنته حين عرض لأزمة العلم الغربي، كتب بأن “الصين والهند هي خمائر تجريبية أو انتروبولوجية. يبدو هنا إذاً سائراً على خطى هيغل. لكنه وإن احتفظ بالأفضلية للفلسفة الغربية،فذلك ليس لحق تمتلكه وكأنها تحتوي في بديهة مطلقة مبادئ كل ثقافة ممكنة،بل لأمر يتعين عليها فعله ولتفويضها بمهمة كبيرة.

سلّم هسرل بأن الثقافات المسماة بدائية تلعب دوراً مهماً في اكتشاف “العالم المعيش”،من خلال منحها لتنوعات نبقى  من دونها ملتصقين بأحكامنا المسبقة ولا نرى حتى معنى لحياتنا الخاصة. لكن يبقى أن الغرب قد اخترع فكرةً للحقيقة تجبره على فهم الثقافات الأخرى وعلى استعادتها باعتبارها لحظات من الحقيقة الكلية. ان هذا في الواقع عودة إعجازية الى الذات من تشكل  تاريخي،ينبثق فيها الفكر الغربي من خصوصيته ومحليته كتخمين او تقدير يتوق للاكتمال. وان كان الفكر الغربي كما يدّعي،يتوجب عليه اثبات ذلك بفهم كل “العوالم المعيشة” التي يشهدها من خلال معناها الوحيد وراء “الخمائر الانتروبولوجية”. وتظهر هنا من جديد فكرة “العلم المتشدد” او ما يشبه “المعرفة المطلقة” لكنها منذ الآن فصاعداً مترافقة مع علامة استفهامية. في أواخر سنواته قال هسرل:” ان كانت الفلسفة شبيهة بالعلم المتشدد فقد انتهى الحلم”. فالفيلسوف لا يستطيع استخدام فكرة راديكالية،ولا الادعاء بالامتلاك الفكري للعالم ولصرامة المفهوم. وان كانت مهمته تقضي برصد الأمور فهو لا ينتهي منها أبداً لأن عليه ملاحقتها من خلال حقل الظواهر التي لا يمكن لأي “قبلية” ان تحقق له امتلاكها مسبقاً. لقد فهم هسرل بأن المشكلة الفلسفية تقضي بتوسيع المفهوم من دون تدميره.

هناك أمر لا بديل عنه في الفكر الغربي،وهو الجهد الهادف للتصميم،صرامة المفهوم النموذجية حتى وان لم تستغرق الموجودات. فإن الحكم على ثقافة ما يكون من خلال درجة شفافيتها ووعيها بذاتها وبالآخرين. وعلى هذا الصعيد، يبقى الغرب نظاماً مرجعياً كونه من ابتكر الوسائل النظرية والعملية لاستيعاب يفتح درباً للحقيقة.

غير أن هذا الامتلاك للذات وللحقيقة الذي يشكل موضوعاً يتفرد به الغرب دون استنفاده،يمرّ أيضاً بأحلام الثقافات الأخرى. وكل ما تعلمناه عن العلاقات التاريخية بين اليونان والشرق،وكل ما اكتشفناه بالمقابل من “غربي” في فكر الشرق يمنعنا من رسم حدود جغرافية فاصلة بين الفلسفة واللافلسفة. وفي الحقيقة فإن” الفلسفة المحض أو المطلقة” لا يقصي هيغل منها الشرق فحسب بل أيضاً  جزءاً كبيراً من الماضي الغربي،وان شئنا التدقيق في هذا المقياس لما بقي سوى فلسفة هيغل نفسه.

ولأنه يتوجب على الغرب على حد تعبير هسرل،أن يبرهن على قيمته “كإنجاز تاريخي” من خلال إبداعات جديدة،ولأنه هو نفسه إبداع تاريخي يعد بإنجاز مهمة فهم الآخر العسيرة،فإن قدره أن يعيد النظر حتى في فكرته عن الحقيقة وعن المفهوم وفي كل مؤسساته- علوم، رأسمالية وان شئنا حتى العقدة الاوديبية- المتعلقة بشكل مباشر او غير مباشر بفلسفته.وذلك ليس بالضرورة لتدميرها بل لمواجهة الأزمة التي تمر بها،ولإعادة إيجاد المصدر الذي نبعت منه والذي تدين له بنجاحها الطويل. من هذه الزاوية،تعود لقيمتها المثرية حضارات لا تمتلك معدّاتنا الفلسفية او الاقتصادية. لا يتعلق الأمر بالذهاب للبحث عن الحقيقة او الخلاص في ما يقلّ عن العلم والوعي الفلسفي،ولا بنقل الأجزاء الأسطورية كما هي الى داخل فلسفتنا،بل (وبحضور هذه التنويعات الانسانية التي ما نزال بعيدين عنها وعن التعامل مع مشكلاتها النظرية والعملية التي تواجه مؤسساتنا) بإعادة اكتشاف الحقل الوجودي الذي ولدت فيه والذي أنسانا اياها نجاحها المديد.ان “صبيانية” الشرق تملك ما تعلمنا اياه،ربما بالتحديد ضيق افق افكارنا الراشدة. وما بين الشرق والغرب،كما بين الطفل والراشد، لا تختصر العلاقة بالجهل الى المعرفة او باللافلسفة الى الفلسفة،بل هي اكثر دقة بكثير من ذلك وهي تسلّم من جهة الشرق بكل الإرهاصات و كل النضج المبكر. ان وحدة الروح الانسانية لا تكون بربط بسيط او بإلحاق ال”لافلسفة” بالفلسفة الصحيحة،با هي موجودة اصلاً في العلائق الجانبية لكل ثقافة مع الأخرى،وفي الأصداء التي تولدها احداها في الأخرى.

يجدر بنا ان نطبق على مشكلة كونية الفلسفة ما يسرده لنا الرحالة عن علاقاتهم مع الحضارات الغريبة،وإن أبدت لنا الصور الفوتوغرافية الصينية المتوقفة عند المظاهر الطبيعية الجمالية- اي بالضبط عند فهمنا المجتزأ للصين-  عالماً لا يمكن اختراقه،بالمقابل  فإن صورة تحاول ببساطة التقاط الحياة المشتركة عند الصينيين تجعلهم يبسطون لنا حياتهم وتدفعنا لفهمهم. وإننا لنجد في العقائد -حتى في أكثرها تمرداً على المفهوم- وذلك إن فهمناها في سياقها التاريخي،تنوعاً مثرياً في الروابط بين الإنسان والكينونة تنير لنا درب ذاتنا.ففلسفات الهند والصين لم تسع يوماً للسيطرة على الوجود بل لأن تكون صدى لعلاقتنا بالكينونة.وتستطيع الفلسفة الغربية أن تتعلم منها كيفية إعادة إيجاد هذه العلاقة، ووكيفية قياس وربما إطلاق الإمكانيات التي انغلقنا عنها حين صرنا “غربيين”.

لهذا السبب، يجدر بنا وضع الشرق في متحف الفلاسفة الخالدين، ولأننا غير قادرين على إيفائه مكانته التي تتطلبها دراسة تفصيلية ، فقد فضلنا ان نضع بين ايدي الأجيال عيّنات دقيقة بعض الشيء، ربما يستطيع القارئ ان يميز من خلالها إسهام الشرق الكبير السري والمسكوت عنه في الفلسفة.

     حكمة: ٢-٦- ٢٠١٧