هو، مثلا، مثلا يعنى، يعلم أن بلبل يصطحبه عندما يذهب إلى الحلمية كل خميس لكى تبدو الزيارة عائلية. وجود عمر أمر لا بد منه، لمداراة أن بلبل يزورهم ليرى «توتة» ويلتقى بها. وجوده مهم. أمه تدرك هذا، وحين رأته راقدا على الأريكة فى الصالة ورأسه على وسادة صغيرة يرفع ساقيه بالتناوب فى الهواء، قالت له:«يا عمر. المفروض تراجع دروسك». فلما رد عليها: «اليوم الخميس يا ماما. وأنا أنتظر بلبل»، لزمت الصمت ومضت فى طريقها إلى المطبخ. توتة هى الأخرى تقدر أهمية حضوره، لهذا فإنها حين تودعهما هو وبلبل على باب الفيلا تستبقى يده فى يدها لحظة وتقول بامتنان: «ما تغيبش ياعمر». صحيح أن بصرها فى تلك اللحظة يزوغ قليلا ناحية بلبل، لكنها فى الوقت ذاته تدرك ضخامة دوره، وعمر، والله، والله، لا يضع ذلك فى المقام الأول، كل ما فى الأمر أنه عندما يرى بلبل وتوتة يتمشيان بين أشجار الحديقة يحس كأن نورا يرفعه بخفة فى الهواء. هو يفهم كل شيء، مع ذلك يقبضون على كفه بحرص ويلحون فى السؤال عن المدرسة كأنه ما زال طفلا صغيرا. يارب!

يسيران فى الطريق. يطمئن عمر على أناقته: حذائه الأحمر الجديد، بنطلونه الأسود القصير المحبوك عليه، وأخيرا يمر بيده على قميصه الأصفر الكمونى. كل شىء تمام، وهو حافظ السكة. فى نهاية الشارع سيجدان محل بقالة كبيراً. يميلان من عنده يمينا. يتقدمان فى العتمة «شوية» إلى أن يصلا إلى الفيلا بأسوار القرميد التى خبا لونها الأحمر. يقف بلبل ويشد قامته بعصبية ونفاد صبر. قرع الجرس. تفتح «توتة» الباب الضخم. تقودهما إلى الحديقة. إذا كان جده حامد مستيقظا سيكون جالسا كعادته على كرسى خيزران، فى الروب البنى الثقيل، يحملق بنظارته السميكة فى جريدة مفرودة على ركبتيه. يناديه الجميع «جدو حامد»، لكنه لم يكن جده مباشرة بل أخ غير شقيق لجده. تهتف توتة ليسمعها: جدو... ده نبيل وعمر. يرفع إليهما بصره من وراء النظارة. يرحب بهما بغمغمة غير مفهومة. فى أغلب الأحوال يعيد عليهما أنه لن يفارق منطقة الحلمية التى نشأت نسبة إلى الخديوى عباس حلمى الثانى وعمرتها قصور وسرايات الأمير يوسف كمال والأمير وحيد الدين. يختم حديثه بقوله: « لن أبيع الفيلا مهما كان الثمن. ستبقى لـتوتة وحدها». كانت حفيدته الوحيدة من ابنه الضابط الذى توفى فى الحرب، ولم يكن لديه سواها هى والفيلا وذكرياته.

كانت الساعة حوالى السادسة مساء حين توقفا أمام باب الفيلا. قرع بلبل الجرس. فتحت توتة. قصيرة. ملفوفة العود. وجهها مدور مثل وجه قطة. شعرها ملموم إلى الوراء ذيل حصان. بعينها اليسرى حور خفيف يلفت النظر إلى جمالها. ما إن رأتهما حتى اتسعت عيناها مندهشة، وقالت ضاحكة بصوتها الذى يشبه هديل الحمام:» إيه ده؟ مش معقول؟!». هى تنتظر هذه الزيارة كل يوم خميس، وتتوقعها فى هذا الوقت، مع ذلك كانت تندهش بصدق من حضورهما، كما كانت تندهش من نفسها ومن كلماتها ومن كل ماحولها مئات المرات فى اليوم. هزت يد عمر فى الهواء بيدها الحانية الدافئة. مدت كفها إلى بلبل بخجل فبدا كأن لهبا ورديا يموج فى وجهه. عمر يلاحظ كل شيء، ويرى أن كل شيء يتغير فى بلبل ما إن تطل عليهما توتة. صوته يصبح أرق وأكثر خفوتا. حركاته أدق. أنفاسه ومشيته بحساب، ويصبح كأنما بلمسة عصا سحرية كائنا آخر. يفهم عمر كل هذا، وأكثر، والله، والله العظيم، يفهم! دخلا وأغلقا الباب خلفهما وبدآ يشعران بالنسائم المحملة بعطر المانجو تهف عليهما. استأذنت توتة منهما: «دقيقة واحدة. أدخل بابا ينام، لأنه بقى له مدة فى الجنينة». لزما الصمت وهما يتابعان احتجابها بين ظلال أشجار تلتقى بظلال أشجار أخرى.

من الخارج لا يتصور أحد أن هذه الفيلا تخفى بداخلها حديقة واسعة مهملة وبهذا الجمال. توسطتها «فسقية» صغيرة، وعلت فى جوانبها أشجار الجوافة والموز والمانجو بأوراقها الطويلة المتهدلة، وتحت جدران الفيلا تناثرت أرائك حجرية من رخام ثقب المطر سطحها ببقع سوداء. عادت توتة ضاحكة معتذرة. قال بلبل يشاكسها: «نحن هنا ننتظرك من يومين». ضحكت: «لاء.. ياشيخ». كانت تقول «لاء.. يا شيخ» تعقيبا على أى شيء، وتضحك بنظرة فضولية متأهبة لاستكشاف شيء مجهول. فى هذه اللحظات يتجمد عمر من انفعاله بفرحتها العذبة ولمعة عينى بلبل الندية من توسل عميق. قادتهما توتة عبر ممر مرصوف بأحجار تبزغ من بينها الأعشاب إلى الشرفة الخشبية الممتدة من جوف البيت وتطل على الحديقة. اختفت توتة لحظات، بينما هما جالسان يرسلان البصر إلى النجوم القليلة المشعة فى السماء بعيدا. رجعت توتة بصَينية عليها ثلاثة فناجين شاى بجوارها علبة «بسكويت». جلست فى مواجهة بلبل، وكانت قد غيرت ملابسها، وارتدت فستانا بدت فيه كأنها قطعة من زرقة السماء، وراحت تفرد أطرافه بضربات من يدها وهى تسأل عمر عمّا إذا كانت المدرسة صعبة أم سهلة. أجابها: «سهلة. طالما الواحد بيذاكر خلاص». ضحكت «لاء.. يا شيخ». عادت تسأله:» فاكر يا عمر لما كنت تقف قدام المروحة وماما تقول لك ابعد عن المروحة عشان ما تبردش، وأنت ترفرف بذراعيك فى الهواء وتقول لها» ياناس سيبونى.. أنا عاوز أطير»؟! احمر وجه عمر مبتسما: «بس ده كان زمان وأنا صغير». ربتت على كتفه تستفسر «بس أنت كنت عاوز تطير فعلا؟». هز رأسه سارحا أن نعم. صاحت ضاحكة مندهشة «يا واد يا جامد».

طرق بلبل بالملعقة الصغيرة حافة فنجان الشاى مرتين، فأدرك عمر أن وقت الجولة فى الحديقة قد حان. عمر يعرف أنهم فى البداية سيمشون ثلاثتهم معا متجاورين، ويحكى بلبل نكتة لـتوتة. تضحك، وتعقب «لاء.. يا شيخ» وهى تسدد نظرة إلى بلبل فتلمع عيناه باضطراب وانفعال. يتجولون إلى أن يوسع بلبل عينيه لعمر بنظرة جانبية حادة فيفهم ويقول لهما: «ح أروح أستريح شوية على الكنبة». يبتعد عنهما. يتخير أريكة. ينفض الغبار من على سطحها. يجلس ويمد ساقيه أمامه. يحنى رأسه ناظرا إلى بنطلونه والحذاء. يخرج منديلا من ورق يدعك به جلد الحذاء. يعتدل. يرى بلبل وتوتة وهما يخطوان معا فى الهواء الخفيف، وعلى كتفى توتة ووجنتيها سقط ضوء القمر من بين الشجر ممتزجا بعطر المانجو وبهسيس الأوراق تحت قدميها. يجلسان جنبا إلى جنب على حافة سور الفسقية. يحاول بلبل الإمساك بكفها. تشدها منه. يحاول ثانية. تضحك، فتترامى من ضحكها سعادة تدور وتحتويه وهو جالس صامت على الأريكة.

لكن.. ما الذى يجري؟ ما الذى يراه عمر الآن؟ قسمات وجه توتة تكتسى بانفعال حاد وقد زالت بسمتها. يرى ما يشبه الغضب فى وجه نبيل. ماذا جري؟ سمع من بعيد نبرة حوار خشنة. تراجع نبيل برأسه وصدره للوراء. هزت توتة كتفيها فى الهواء باستهجان ومرارة. نهض عمر واقفا. أقبل نبيل نحوه. قال بصوت قاطع: «يا الله ياعمر. لازم نمشى بقى». رنا إلى وجه توتة الذى شمله تأثر وامتعاض. مضى عمر صامتا خلف نبيل حتى باب الفيلا. وقفت توتة بفستانها الأزرق وعلى وجهها عاصفة إحباط وألم تتجمع ولا تهب. ودعتهما بفتور ولم تنظر تجاه نبيل، فقط انتزعت بسمة لعمر قائلة:» مع السلامة يا عمر». لكنها لم تقل له « ابقى تعالى».

فى الطريق إلى البيت جلس نبيل فى الأتوبيس ساهما، مرفقه على حافة النافذة يتطلع إلى الشوارع صامتا. حين وصلا إلى البيت، بادرت أمه تسأل باهتمام: « خير يابلبل؟». أجابها باقتضاب وهو يرتمى على فوتيه فى الصالة: «الظاهر ما فيش فايدة. هى بنت طيبة وجميلة لكن عنيدة. اتفقنا اليوم أننا لا نصلح للحياة معا. أظن هذه آخر مرة نلتقى». لم يصدق عمر أذنيه إلى أن عاد نبيل وأكد ماقاله:» خلاص.. الحكاية مش نافعة»، ثم نهض مستاء، صفق باب الشقة خلفه من دون أن ينظر وراءه. دخلت أمه حجرتها، ولبث عمر فى مقعده وحده ساكنا ثم وقف. سار إلى حجرته ببطء. دخل وأغلق بابها عليه. جلس على طرف السرير وتدلت منه ذراعاه مرتخيتين لأسفل. تذكر وجه توتة وهى «تنتر» يدها فى الهواء وملامحها مشدودة بغضب، ووجه نبيل متجهم مكفهر. فتحت أخته الكبرى منال باب الحجرة. سألته: «ما لك يا عمر مشدود كده ليه؟». تمتم بصوت مختنق: «بلبل مش ح يشوف توتة تانى». قالت باستغراب:» طيب، وأنت ما لك؟!» رفع رأسه بذهول: «ما لى إزاي؟». رفعت حاجبيها متعجبة:»بلبل مش زعلان.. أنت بقى زعلان ليه؟!». خرجت وتركته وحده. نهض. خلع ملابسه بتراخ وهمود. ارتدى البيجاما وأطفأ النور. ارتقى السرير وسحب الغطاء حتى رقبته. أخته كبيرة وفى أولى جامعة وتقول له:»وأنت ما لك»! برقت أمام عينيه لمعة حذائه الأحمر الجديد. نظرة الإحباط فى عينى بلبل. قتامة الأسف حين شاعت فى وجه توتة. لن يلتقيا بعد ذلك. وهو سيواصل الذهاب إلى مدرسته كل يوم. يعكف بعد الظهر على واجباته المدرسية. يقصد النادى أيام الجمعة. يجلس أمام حمام السباحة. يسابق الأولاد فى المياه. يشرب مياها غازية مثلجة تحت الشمسية. سيمضى كل شيء على ما يرام، لكن ثمة شىء سيكون ناقصا. البهجة لأن بلبل يحب توتة وتحبه ولا تفصح، وفرحة أن يتابعهما يبتعدان داخل الشجر والنور يرفعهما إلى أعلى. شيء ما سيكون ناقصا. شيء ما. سحب الغطاء على رأسه فبدا العالم كله ليلا وأجهش بالبكاء.
*** 
الأهرام ،الملحق الأدبي: 22 ديسمبر 2017