لو بقي رسول حمزتوف حياً لكان عمره اليوم 94 عاماً!

يمتلكُ رسول حمزتوف قلباً مختلفاً عن قلوب الآخرين.. وقد تجلّى هذا في رائعته "بلدي"، كما يتجلّى في هذه المختارات من شعره .. والشعر ينبوع القلب .. 
هنا رسول حمزتوف الشاعر والثائر والعاشق والرجل الواقف على حافة النهايات .. يودّعنا وفياً لزوجته فاطمة " .. يعرف جيداً أن لكل شيء أن ينتهي وأن يتغيّر إلا فاطمة .. فلا شيء يُشبهها في هذا الكون الرحيب..!

شعبي ليس كبيراً تعداده
لكنه بأفعاله عظيم 
سيقدم دمه قطرة قطرة 
كي تُنبت القطراتُ ازهارا
ولا يمكنه ألا يكون مؤمنا 
فهو مخلص للوطن 
في انعطافات الحياة 
الاكثر قسوة وصعوبة 
***
ماما
الينبوع يتمتم بهذه الكلمة 
وهو يسدي خدمة للابريق 
لانه يتذكر القمة الجبلية 
التي اشتهرت بها أمه
**
ألقي بخدك على كتفي 
وسوف نطير وإياك عبر الثلج 
وظلام الليل، إلى هناك 
حيث تتعانق شجرتان مزهوهرتان 
**
فيما أنا أغرق في الحزن، 
وأنتِ تعرفين جميع المعابر والمخارج في قلبي 
كما تعرفين بيتكِ بالضبط
**
دعيهم يطلقون النار، فهل من منشد
لم يُصَب قلبه بجروح؟
احفظنا أيها الزمن، حتى القبر 
من القلوب الباردة الخالية من الجراح 
**
شيء واحد أخشاه 
أن تنأَيْ بوجهكِ فجأة 
عند اللقاء، فيما بعد، 
كما لو أنك لا تعرفينني !


ما أنقى رسول حمزتوف و ما أصفى قلبه ... حتى من لم يرَ داغستان يقرأها ويحبّها في كلمات رسول المليئة بالحُب لأرضها وسهلها وجبلها وترابها وصخرها وسمائها وكل شيء فيها .


بعد أن زرتُ العديدَ من البلدان،
ورجعتُ إلى البيتِ تعِباً من عناء الطريق،
سألتني داغستان وقد انحنت فوقي:
"
أَحبُّكَ البعيدُ أثارَ فيك الشوق؟"

صعدتُ إلى الجبل، ومن ذلك العلو
أجبتُ داغستان، وقد تنهدّتُ بعمق:
"
لقد زرتُ مناطقَ كثيرة، لكنك
تظلُّين الأحبَّ إلى قلبي في كل نواحي الدنيا.
ربما أنا نادراً ما أُقْسِمُ بالحبِّ لك،
فلا الحبُّ جديدٌ، ولا القسَم جديد،
أنا أحبُّ بصمت، لأنني أخاف
أنْ تشحبَ الكلمةُ المُكررةُ مئاتِ المرات.
وإذا ما راح كلُّ واحد من أبنائك يقسم
بالحب لك، وهو يصرخ، كما المنادي،
فسوفَ تَملُّ قِممُك الصخرية
أن تسمعَ وأنْ تجيبَ بالصدى في البعيد.

حين كنتَ غارقاً في الدموع والدماء،
سار أبناؤك إلى الموت بأقلِّ ما يمكن من الكلام،
وصارتْ أغنيةُ الخنجر القاسية
هي صوتَ القَسَم لحبِّ الأبناء.

ثمَّ بعدُ، حين خفّتِ نار المعاركُ،
راح أبناؤك، يا داغستاني،
يُقسمون صامتين بالحبِّ لك،
بضرباتِ المطرقة والمنجل الرنان.

لقد علّمتني كما الجميعَ خلال قرون
أنْ نعمَلَ وأن نعيش بلا ضجيج، لكن بشجاعة،
علّمتنا أنَّ الكلمة أهمُّ من حصان،
وأن الجبليين لا يسرجون خيولَهم من دون حاجة.
ومع ذلك، وقد عدتُ إليك من عواصم
بعيدة وغريبة، ثرثارة وكاذبة،
يصعبُ عليَ الصمتُ، وأنا أسمع صوتَ
جداولِك الغنّاء وجبالِك الشامخة

-


أنا وقد تجاوزت درب التفكّر الوعر
أتوجّه إلى هواجس الأرق الممتزج بالدموع :
تعبتُ أنا , أيتها الهواجس !
دعيني أرتاح .
فقد حل الليل في الفناء
والوقت تأخر لتتزاحمن

***

سابقاً كنتُ أظنُّ، أنَّ الطفولةَ مجرد جزءٍ
من حياة البشر.
لكن، قسماً برأسي،
حياةُ الإنسان طفولةٌ ليس إلا،
من اليوم الأول وحتى نهاية المصير

سأتنهد في السرِّ، متحسّراً على شيء ما،
وسأخفي دمعة في ضوء النهار الصريح:
"لا تقلقي – أقول لأمي
فكلُّ شيء عندي على ما يرام، أيتها العزيزة

أمشي، كما مشَيتُ مائة مرة من قبل،
أحسب أني سأبوح بما في روحي،

لكني أصمت: فالدموع التي تهطل
من عينيك الآن بتلك السهولة
تعميني وتخنقني أنا - وليس أنتِ

 

هذه القصائد هي كُل ما تحتاجُه عندما يحرُث رُوحَك التَّعب. رسول حمزتوف كان بِحق مؤمنًا؛ فهو لم يجد في الموسيقى إثماً ولا في قُبلة اختلسها عاشقٌ خطيئةً، فالخطيئة الوحيدة بالنسبة له هي أن تكون لك حياة قاتمة. و كما يقول بابلو نيرودا: "لا تنتمي القَصائد للذين يكتبونها، بل لأولئك الذين يحتاجونها". ونحن بحاجة إليك يا شاعرنا رسول حمزتوف.
نفسي ستبقى غضّةً أمام قصيدتك. شكرًا لك أيُّها الشّعر.

شكرًا لك أيُّها الشّعر 
لأنّك لم تسمح بالسّقوط 
لمن تكسّرت عظامه 
و هو يتسلّق الجبال الصّخريّة 

***