وتنفرد الحضارة الروسية وتتميز عن ما سواها بطابعها "الأوراسي" حيث تجمع بين عراقة الشرق الآسيوى ودفئه الثقافى من ناحية، وتقدم الغرب الأوربى وثورته العلمية والتكنولوجية من ناحية أخرى. فالعقلية الرّوسيّة مزيج فريد من نوعه بين روحانيّة الشرق، كل الشرق ، وبين عقلانيات الغرب،  وفيها الكثير من الخيال والكثير من التصورات الوجدانية والروحية والمغامرات العلمية والحياتية.

ويستشهد د. سهيل بانطباعات الرحالة العرب عن الروس مثل فضلان والبكري  وغيرهما ممن زاروا الديار السلافية  وإمارة روسيا الكيفية  بين القرن التاسع والقرن الحادي عشر. ففي مذكرات هؤلاء  كانوا كثيراً ما يتوقفون عند توصيف حالة التوق للحرية عند الشعب الرّوسي؛ والكراهية المطلقة للاستعباد. فهم يؤكدون بأن الروس لا يتصالحون مع أي نوع من الخضوع للآخر، حتى بين بعضهم بعضاً لا يقبلون منطق السيد والعبد... وأنهم شعب طيب القلب، يتميزون بحسن الضيافة وبالثقة. يتعاملون مع العبيد والأسرى برفق، لكنهم ميالون إلى اتخاذ الآراء القاطعة، يتكاتفون أثناء العمل، ويساند بعضهم بعض. وأن الشعب الروسى بطبيعته شعب روحاني، وأن النظام هو العنصر العظيم في بناء الشخصية الروسية. وعادة ما يبدو الرّوسي شديد النعومة، والصبر والوداعة، وهو مستعد للمعاناة ، ليس لأن طبيعته كذلك، بل لأن ثقافته المتراكمة مع الزمن تفرض عليه ذلك، وهذه الثقافة هي التي تجعله يسلك دروب التحفظ والتضحية إلى درجة التضحية بالذات.

لقد طاف بى الكتاب القيم لدكتور سهيل فى أعماق روسيا ليطرح تساؤلاً لم يجل قط فى خاطرى وكأنه من مسلمات الكون وهو لماذا سميت روسيا بهذا الأسم، لينتهى إلى إنها وليدة النور السماوي والحياة البيولوجية الأرضية. بل إن البعض يرى في روح الأمة الرّوسيّة ، وفي معناها، رسالة تبشيرية وحضارية لبقية الشعوب والأمم والحضارات. وأن "الروسنة" تعني التوق والعشق والمصير والواجب والموهبة والمعنى والحياة، وجميعها مفاهيم عالمية كونية روّج لها كبار المفكرين والفلاسفة والأدباء الروس بلغة وروح الوطن الرّوسي على حد تعبيره. وكيف أن الأمة الرّوسيّة هى مزيج ثلاثية اللغة الرّوسيّة، والإثنية السلافية، والديانة الأرثوذكسية.

ويغوص د. سهيل بمهارة فى أعماق المجتمع الروسى ليبرز عظم الشخصية الروسية، وتنامى الأبعاد الروحانية والأخلاقية فيها، وتزايد مساحة الإيمان، في الوعي الرّوسي والذى ينعكس فى تهافت الروس المتزايد على دور العبادة ، وخصوصاً الكنيسة. هذا إلى جانب ظاهرة الإحياء الديني بالنسبة للمسلمين الروس، وتميز روسيا بعلاقتها الخاصة مع شعوب الشرق الاسلامي، وبكونها الأقرب إليه ليس فقط من ناحية الجغرافيا، بل ومن الناحية الثقافية.

كما يلقى الكتاب الضوء على الطاقة الإبداعية للروس التى امتدت إلى مختلف  المجالات الفكرية والعلمية والأدبية وتجلت فى إنجازات القياصرة العظام أمثال بطرس الأكبر وألكسندر الثالث، ومآثر وفتوحات كبار القادة العسكريين أمثال ألكسندر نفسكي وكوتوزوف وسوفوروف وناخميسكي وجوكوف وآخرين . وفى أعمال المبدعين أمثال لومونوسوف ومندلييف ولوناشرسكي وتسيلكوفسكي وتشيجسكي وفرنادسكي ولاندو وكابيتسا وكورتشاكوف وكارليوف وغيرهم من العلماء فى العلوم الطبيعية والإنسانية. إلى جانب أساطين الشعر والأدب الرّوسي والعالمي أمثال بوشكين وتولستوى ودوستويفسكي.

وكان للمرأة الرّوسيّة نصيب من الاهتمام حيث أشار الكاتب إلى دورها الملحوظ  بدءاً من قيادة دفة الحكم مروراً بِترؤس المؤسسات التعليمية الكبرى والصغرى وفي البعثات الجيولوجية والرحلات الفضائية وصولاً إلى إنتاج الفنون العظيمة مثل فن البالية والسينما والمسرح والسيرك والغناء والشعر و الأدب والصناعات اليدوية المتعددة وغيرها. إن الحديث، كما يشير د. سهيل، يبدأ ولا ينتهي عن إبداع الروس في ميدان العمارة وهندسة القصور والجسور والحدائق والساحات العامة وصولاً إلى الصفحات الإبداعية المشرقة في الثقافة الروحية والجمالية.

ويرى د. سهيل أنه بصرف النظر عن كل نقاط الضعف التى يشير إليها البعض يبقى النموذج الرّوسي قوياً وغنياً في عقله العلمي وفي روحانياته. وبحكم التكوينة الإثنية الخاصة لروسيا، فإنها لا يمكنها أن تكون أوروبية وبالتالي غربية عقلانية صارمة ولا أسيوية متماهية مع تهويمات الروحانيات المطلقة "للشرق". وأن هذه التوليفة يمكنها إدخال روح علمية جديدة ونماذج مبدعة عملية لتعميم قيم العدالة في فضاء تفكيرها وممارساتها وطرح استراتيجية جديدة وقوية، تسهم بفاعلية في تخليص البشر من ديكتاتورية الظلم والتعصب التي تطال الجميع ودمرت العديد من الحضارات، وتهيئ القاعدة لبدائل حضارية أكثر إنسانية وعدالة.

إن من يمتلك مثل هذه الحضارة العظيمة لا يمكن أن يكون سوى شعب عظيم ينتمى لدولة غيرت من مجريات التاريخ الإنسانى فى لحظاته الفارقة. ويعتبر الكتاب بحق موسوعة شاملة وعميقة لكل جوانب الحضارة الروسية، وهو إضافة قيمة للمكتبة العربية كنا فى حاجة إليها، خاصة مع ندرة الكتابات العربية الرصينة عن روسيا عامة وثرائها الحضارى والثقافى خاصة.

د. نـورهان الشيــخ