الجزء الرابع

تابع: السلوكية النفسية عند الروس

في لحظات السكينة والهدوء وأثناءها « عادة ما يبدو الرّوسي شديد النعومة، والصبر والوداعة، وهو مستعد للمعاناة، ليس لأن طبيعته كذلك، بل لأن ثقافته المتراكمة مع الزمن تفرض عليه ذلك. وهذه الثقافة هي التي تجعله يسلك دروب التحفظ والتضحية إلى درجة التضحية بالذات. علماً بأن طبيعتنا ليست ميالة دائماً إلى هذا. نفسه تواقة إلى السلوكيات الشديدة الانفعالات، المترافقة مع المشاعر المنفجرة» (11)

أما فيما يتعلق بالعناد واللامبالاة وعدم التسرع فهي سمات عادة ما تكون متداخلة، وهي مرتبطة بحالة الاستقرار المادي والاجتماعي والثقافي أو غياب ذلك. ولكون هذه الحالة هي شديدة التقلب والقساوة فإن النفس الرّوسيّة تعيش وهي في حال تأهب للترحال الدائم على "أرجوحة" الحياة التي لا تستقر في الوسط، بل إنها دائمة الحركة إما باتجاه "اليمين" أو باتجاه "اليسار".

 ويمكن القول إن العناد الموجود في الشخصيَّة الرّوسيّة الطامحة لتحديد هدف بعيد ما، لا يضمن الوصول إليه إلا بعد متاعب ومخاضات طويلة. قد يضل الهدف ويقع في حفرة الضياع، وقد يفقد الأمل، ويسقط في دائرة الاكتئاب، وقد يهزم في معاركه مع الأعداء في الداخل والخارج، فينتكس على ذاته. إلا إن هذه الحالات التي قد تطول مع الزمن، سرعان ما تفاجئ المراقب بأن لا وجود لها. وأن التراكمات المتمردة عليها داخل الذات قد انتقلت الى حالة وجدانية نوعية وظهرت إلى النور بشكل معاكس تمامًا كما هي عليه في لحظات الوهن والخمول...

 في عداد المفكرين الروس الذين لحظوا سمات الضعف المتأصلة في النفس الرّوسيّة الأنثروبولوجي سيكورسكي الذي درس الثوابت والمتغيرات في الشخصيَّة السلافية التاريخية، حيث يقول: "إن السمات الخاصة التي تحدد العلاقة السلافية مع الذات والآخرهي عدم الحسم في اتخاذ القرارات، وضعف الشخصيَّة... ويرجعها السلافيون القدامى إلى التخوف من أن يكون للكلمة أو للقرار القدرة على التراجع . هذا التوجس كان عادة ما يعكس علاقة الإنسان السلافي بعالم مشاعره وذهنيته وبمكانة الكلمة داخل النفس، ودورها أثناء إطلاقها عبر اللسان". (12)

دائرة التوصيف للسلوكية هي من الاتساع بمكان بحيث تصعب بطبيعة الامر الإحاطة بكل جوانبها. ذلك لأن المسألة تطال مجمل السمات والأنماط والتصورات التي يختزنها الوعي واللاوعي الرّوسي. فالحديث عن هذا الموضوع لا يكتمل من غير تناول علاقة الرّوسي بالفكر، بالأخلاق، بالضمير، بالحق والواجب، بالعدل والظلم، بالخير والشر، بالقبح والجمال وبكل الثنائيات والمتناقضات الحياتية...

 بيد أن السمة الجامعة التي تطبع النظرة الرّوسيّة السلوكية الرّوسيّة هي قوة الحضور الأخلاقي في السلوك والتي قد تناقض الرؤية العقلانية –البراغماتية للأمور. وهذه السمة كثيراً ما يؤكد عليها الباحثون الروس ومنهم المفكر المعروف سرغي كاراميرزا عندما يشير قائلاً: "إن السمة المتأصلة في الثقافة الرّوسيّة هي حضور الضمير الأخلاقي الذي يدخل في أعماق الحياة الرّوسيّة"(13).

وفي هذا السياق فإن دخول روسيا،في عصر الإيمان المسيحي الأرثوذكسي، أحدث في شخصيتها العديد من المتغيرات. ولعل السمة الأبرز هي رجحان الميل للروحانيات على الماديات في الحياة، والشعور بوحدة الإنسانية مع الكليانية الكونية.

 لقد أتت الأرثوذكسية بسمات معينة طبعت الوجه الديني الجديد للشخصية الرّوسيّة – السلافية، ومعها ركنت إلى التوق أو الرجاء الذي يبعث الأمل بالأزلية، وبالحياة ما بعد الموت. وعبرها بدت الذهنية الرّوسيّة لا تتقيد كثيراً في نظرتها إلى الحياة الدنيا بالزمني أو التاريخي، بل إنها أرادت أن تُحلق فوق التاريخ، خارج هذا الزمن الدهري الذي تعتبره من صنع بشر تحركهم الغريزة المتعطشة لإغراءات الدنيا. كما أن الأرثوذكسية في بعدها الفلسفي التائق الى الأبدية، أضافت إلى الصورة الرّوسيّة للحياة بعداً جديداً للتعلق في النهائيات التي لا نهاية لها.

فالأرثوذكسية وكما جرى الكلام عنها في هذا الكتاب في أكثر من كلام شكلت الوعاء الروحي ولعله القومي للروس. وهذا ما أشار إليه شاعر روسيا الاكبر الكسندر بوشكين عندما قال: "إن الإيمان المسيحي اليوناني المتمايز عما سبقه، يعطينا السمة الخاصة التي تطبع شخصيتنا" (14)

فالسمة الأرثوذكسية في الشخصيَّة الرّوسيّة، أرست قواعد جديدة للأخلاق وللإيمان بالمطلق وللمحبة وللعلاقة بالجسد والنفس والروح. وأدخلت تصوراً دينياً لمسألة المعاناة والألم والخطيئة والمرأة والرجل والغفران والخلاص. وهذا الأمر دفع البعض من المتحمسين الأقوياء ومنهم دوستويفسكي لهذه السمة الروحانية للقول بأن لا دين حقيقي لروسيا إلا الدين الأرثوذكسي . فبإمكان الرّوسي الحقيقي العيش فقط إما معها أو أن يكون بلا دين...

وهذا نهج لا تحبِّذه فئة أخرى قليلة من السكان الروس، بل يشمل شريحة واسعة من المؤمنين بهذا المذهب.

 وبالرغم من وجود مؤمنين بهذا المذهب في كل من اليونان وصربيا وبلغاريا ورومانيا وأوكرانيا وأنطاكية، والعديد من البلدان في القارات الخمس، فإن روسيا تعدُّ نفسها الأم الحاضنة للأرثوذكس في العالم. وهي بإيمان أبنائها، عادة ما تعدّ الجماعة الأرثوذكسية العالمية وكأنها متفرعات لها.

 في هذا الإيمان يتجسد الحضور الروحي الميتافيزيقي في أكثف معانيه. وإذا أردنا أن ننظر إلى هذه النقطة من زاوية علم النفس الديني، نلمس حضور التعميم والإطلاق والتعلق بالنهايات، يظهر مرة أخرى في النظرة الرّوسيّة للإيمان، الشديدة التعلق بالطقوس.

والمخيلة الرّوسيّة في هذا السياق عادة ما تقدم أجمل ما في مخزونها، عندما تبني الكنائس والأديرة أوعندما ترسم الجداريات والأيقونات داخل أماكن العبادة. كما أنه نادراً ما يوجد مثيلٌ للطقوس الدينية، كما هي موجودة عند الروس. فالقداس الرّوسي على سبيل المثال يستمر في كل مرة ساعات من الوقت، في حين نرى بأن مثيله في الكنائس الأرثوذكسية غير الرّوسيّة يختصر إلى الثلث أو الربع من الوقت .

 علاقة الرّوسي بالموت لها بدورها طقوسها وعاداتها المرتبطة بالإيمان الأرثوذكسي، كذلك العلاقة بين الرجل والمرأة. وكلها أمور وسمات فيها الموروث السلافي القديم وفيها التأثير الأرثوذكسي. وبقيت هذه المظاهر السلوكية مستمرة وما تزال قوية حتى الآن، رغم دخول روسيا فترة تناهز السبعين عاماً ونيف في الدائرة السوفياتية الملحدة.

 بيد أن هذه السمات التي تحضر في عالم الوعي وغير الوعي عند الأكثرية السلافية الأرثوذكسية لا تشاطرها بها القوميات والشعوب الأخرى، أمثال التتر والمجموعات التركية أو المنغولية أو اليهودية أو الأخرى غير المتدينة. فهذه نقاط خلافية على المستوى الديني تدخل عنصر التباعد بين الروس، مما يترك انعكاسه على التكوين النفسي والإيماني للإنسان هناك.

 هناك سمات أخرى تطبع السلوكية والعقلية الرّوسيّة المرتبطة بالأيديولوجيا والأفكار. فالرّوسي هو شعب الأفكار والإيديولوجيات المتنوعة. هو أقرب إلى مفهوم الشعب النظري أكثر من مفهوم الشعب العملي . من هنا فالاستنتاج العام الذي يقول بأنه خلاق في الخيال وضعيف في تسيير شؤون وشجون الدنيا المادية. طبعاً لهذا الاستنتاج محاذيره فالرّوسي معروف بعشقه للأرض. إلا أنه وإنْ كان كما يقول الكاتب الرّوسي اندريه بارتشيف بأنه : "استطاع أن يبني دولة هناك حيث لا يستطيع أحد أن يعيش فيها غيره" فإنّه في علاقته بقيم العمل وإدارته لشؤون الدنيا، يعيش حالات التباسات وانكسارات، نجاحات وهزائم، تجعل الحديث عنها بشكل مستقل لا يخلو من الفائدة وهذا ما ننوي تناوله في بنود أخرى من هذا البحث.

الهوامش

1-        Dictionnaire de la sociologie. Ed. Larousse. Paris, p. 144.

2-        Vocabulaire des sciences sociales. P.U.F. Paris, 1978, p. 215.

3-        Les mentalités. P.U.F. Paris, 1971, p. 30.

4-        راجع بهذا الصدد كتابات إيغور شافاريفتش: "المعادون للروس"، موسكو 1994؛ "كيف تموت الشعوب"، موسكو 1996؛ "الروس في زمن الشيوعية"، موسكو 1999؛ "أفكار خاصة حول تاريخ اليهودية"، موسكو 2003؛ "الشعب الرّوسي والدولة"، موسكو 2004؛ "مستقبل روسيا"، موسكو 2005؛ "لماذا يتحمل الروس"، موسكو 2005 وغيرها.

5-        راجع بهذا الصدد بعض أعمال كسينيا كاسيانوفا "حول الطابع القومي للروس"، سانت بطرسبورغ، 1984؛ "يمكن أن نشكل نحن الروس، أمة ؟"، سانت بطرسبورغ، 1994؛ "بعض السمات الإتنية للروس"، سانت بطرسبورغ، 1993. "روسيا في الزمن المعاصر..." سانت بطرسبورغ، 1993 وغيرها (*).

6-        إيفان إيلين. جوهر وخصوصية الثقافة الرّوسيّة. تأملات ثلاثة (1941-1944)، موسكو، 1998.

7-        المرجع السابق.

8-        المرجع نفسه.

9-        إيفان إيلين : حول الرّوسيا، برلين 1934 (بالرّوسيّة).

10-      كسينيا كاسيانوفا "حول الطابع القومي للروس"، مصدر سبق ذكره.

11-      المصدر نفسه.

12-      إيفان سيكورسكي. سمات من سيكولوجية السلاف. موسكو، 1895.

13-      سرغي كاراميرزا. التحكم بالوعي. موسكو، 2000.

14-      ألكسندر بوشكين. "حول تاريخ روسيا في القرن الثامن عشر". موسكو 1822.

15-      Inkeles, Smith, 1985; Inkeles, 1978, Inkeles, Diamond, 1980.

16-      Hofstede, 1980; Goskov, 1988; Salk, 2000; Sobshik, 1997; Haymov, 1996; Laura, 2000; Merige, 2000; Murphy, 1999; Veiga, 2000.

17-      بيفافوروفا وفورسوفا، السلطة الاقتصادية في روسيا، موسكو 1999، ص 188-189.

18-      المرجع السابق، ص 182.

19-      كلوتشكوفسكي ف. التاريخ الرّوسي، موسكو 1956، ص 314.

20-      راجع مجلة "العلوم الاجتماعية والعصر"، عدد 1، موسكو 2003، ص 43.

21-      المرجع السابق، ص 44.

22-      المرجع السابق، ص 45.