الجزء السابع

العامل الجغرافي والمناخي

في مرحلة ما قبل المجتمع الصناعي كان للعامل الجغرافي والمناخي الدور الحاسم في تحديد نمط الاقتصاد، ومجمل النشاطات الحيوية للبشر. منها العلاقة بقيم العمل والمهارات والكفاءات في الأرياف والمدن... والمجموعات الإثنية وتحديدًا المجموعة السلافية التي استوطنت في الديار الرّوسيّة كان لها تجربتها ورؤيتها المميزة للعمل وللعاملين في الزراعة والمهن، ولطرق المسكن والمشرب وللمال والادخار وبالتالي لمجمل العادات المتعلقة بتنظيم طقوس الزواج والولادات وتنظيم شؤون العائلة والعلاقة بفكرة التعلق بالحياة والرهبة من الموت.

إن الدورة الاقتصادية التي كان ينشط فيها وما يزال، الإنسان الرّوسي، في الأرياف مثلاً، لا تتعدى خمسة أشهر. فاليوم الصيفي أو الخريفي أو الشتائي أو الربيعي يخضع لوضع وتقلبات المناخ الرّوسي. فالخوف من سوء التغيرات المناخية كان يفرض على الفلاح الرّوسي أن يسرع الخطا ويضاعف الجهد وذلك في فترة قصيرة من الزمن. فالمزارع الرّوسي على حد قول المؤرخ الرّوسي كلوشيفسكي ف. "تعود على العمل بسرعة، وبكثافة في فصلي الربيع والصيف وبعد ذلك يرتاح وتطول الراحة عنده إلى درجة البطالة في فصلي الخريف والشتاء" (19).

 ولعل هذه الظروف المناخية الخاصة تترك تأثيراتها على كل حركية الحياة الرّوسيّة في الاقتصاد، فتجعلها غير منتظمة، غير متناغمة، وبالتالي تجعل العلاقة مع العمل محفوفة بعدد كبير من المفاجآت والمتغيرات الطبيعية، وهذا الأمر يترك تأثيره أيضًا على تركيبة الطابع القومي للروس. فكما أشار إلى ذلك العالم الرّوسي بافلوف "بأن الرّوسي لا يتمتع بعقل حاد يؤهله لأن تكون لديه القدرة القوية على التركيز والمتابعة والنظام والتخطيط الدقيق للوصول إلى الهدف".

والعامل المناخي والجغرافي في هذا السياق له تأثيره على إدارة الحاكم والمحكوم الرّوسيين للمكان. فالوسع الجغرافي الهائل وبرودة الطقس الحادة المستمرة طوال الأشهر السبعة من السنة، والبعد النسبي عن مياه المحيطات والبحار الدافئة، كل هذا يترك بصماته على إدارة الاقتصاد وعلى علاقة الإنسان الرّوسي بالعمل. إلا أن هذا لا يقلل من سلبية العلاقة مع العمل كقيمة ومن النظرة الدينامية للاقتصاد. فكندا وفنلندا والنرويج وغيرها من البلدان التي تتميز بطقس بارد، تعطي نماذج أكثر فعالية لحراك الإنسان في الاقتصاد، وتعكس قدرة أكثر ديناميكية من قبل العقل الاقتصادي الحاكم للمكان هناك...

مما لا شك فيه هناك عوامل أخرى إثنية ودينية ومذهبية لها رؤيتها الخاصة للاقتصاد في روسيا، وهذا بدوره يؤثر على طرق إدارة المكان الرّوسي. فإلى جانب النظريات الاقتصادية التي طلع بها العلماء الاقتصاديون الروس حول طريق الإدارة الاقتصادية للمكان الرّوسي، كانت هناك مقاربات أخرى للموضوع ملونة بحساسيات وعصبيات إثنية ودينية ومذهبية. ولكل منها كانت له مصالحه وحساباته التي حاولت إضفاء نظرة "علمية" عليها.

 فإلى جانب العقيدة الاجتماعية التي اشتغلت عليها النخب الفكرية لأكبر مؤسسة دينية في روسيا وهي المؤسسة الأرثوذكسية، والتي جرى الكلام عنها، في الفصل الثالث لهذا الكتاب، هناك آراء أخرى للمجموعات التترية والتركية والمنغولية واليهودية والقفقاسية والألمانية وغيرها التي تتصارع على اقتسام مناطق النفوذ الاقتصادي في المدى الرّوسي، تسعى كل منها أن تطرح آراء، أو أن تسجل مواقف متناقضة للأخرى، وكل هذا يخلق عراقيل وعوامل إضافية من أجل أن تكون العمليات الاقتصادية غير متوازنة وبالتالي تكون الثروة غير موزعة على مجمل السكان الروس بشكل عقلاني وعادل.

 ولعل الملفت للنظر في هذا السياق أن أكبر مجموعة إثنية ودينية في روسيا وهي السلاف – الأرثوذكس، لا تحتل إلا المراتب الأخيرة في سلم الاستفادة المادية من الثروات الطبيعية الرّوسيّة، فالأولوية تبقى لليهود والأرمن والشيشان والألمان ومن ثم الروس. والشيء الذي يثير المزيد من الانتباه أن هذه المجموعات، غير السلافية وغير الأرثوذكسية، تُلمَس عندها قوة الانتماء إلى الوطن الرّوسي، ليست بنفس الشدة والعمق كما هي عند السلاف وعند الأرثوذكس بشكل خاص. هذه نقاط تستدعي بلا شك أبحاثًاً موسعة أخرى، المجال هنا لا يتّسع لها.

التناول العام لمفهوم الاقتصاد ولفعالية الإنسان العامل في الديار الرّوسيّة تقتضي، للمزيد من الإضاءة على هذا الموضوع، شيئًا من المقاربة والمقارنة مع بعض البلدان لتبيان النقاط المشتركة والأخرى المتمايزة. ولعل من الأهمية بمكان هنا التوقف عند بعض السمات والخصائص التي تميز الروس في نظام العمل والإدارة مع بعض النماذج أو السمات والخصائص الأخرى.

الهوامش

1-        Dictionnaire de la sociologie. Ed. Larousse. Paris, p. 144.

2-        Vocabulaire des sciences sociales. P.U.F. Paris, 1978, p. 215.

3-        Les mentalités. P.U.F. Paris, 1971, p. 30.

4-        راجع بهذا الصدد كتابات إيغور شافاريفتش: "المعادون للروس"، موسكو 1994؛ "كيف تموت الشعوب"، موسكو 1996؛ "الروس في زمن الشيوعية"، موسكو 1999؛ "أفكار خاصة حول تاريخ اليهودية"، موسكو 2003؛ "الشعب الرّوسي والدولة"، موسكو 2004؛ "مستقبل روسيا"، موسكو 2005؛ "لماذا يتحمل الروس"، موسكو 2005 وغيرها.

5-        راجع بهذا الصدد بعض أعمال كسينيا كاسيانوفا "حول الطابع القومي للروس"، سانت بطرسبورغ، 1984؛ "يمكن أن نشكل نحن الروس، أمة ؟"، سانت بطرسبورغ، 1994؛ "بعض السمات الإتنية للروس"، سانت بطرسبورغ، 1993. "روسيا في الزمن المعاصر..." سانت بطرسبورغ، 1993 وغيرها (*).

6-        إيفان إيلين. جوهر وخصوصية الثقافة الرّوسيّة. تأملات ثلاثة (1941-1944)، موسكو، 1998.

7-        المرجع السابق.

8-        المرجع نفسه.

9-        إيفان إيلين : حول الرّوسيا، برلين 1934 (بالرّوسيّة).

10-      كسينيا كاسيانوفا "حول الطابع القومي للروس"، مصدر سبق ذكره.

11-      المصدر نفسه.

12-      إيفان سيكورسكي. سمات من سيكولوجية السلاف. موسكو، 1895.

13-      سرغي كاراميرزا. التحكم بالوعي. موسكو، 2000.

14-      ألكسندر بوشكين. "حول تاريخ روسيا في القرن الثامن عشر". موسكو 1822.

15-      Inkeles, Smith, 1985; Inkeles, 1978, Inkeles, Diamond, 1980.

16-      Hofstede, 1980; Goskov, 1988; Salk, 2000; Sobshik, 1997; Haymov, 1996; Laura, 2000; Merige, 2000; Murphy, 1999; Veiga, 2000.

17-      بيفافوروفا وفورسوفا، السلطة الاقتصادية في روسيا، موسكو 1999، ص 188-189.

18-      المرجع السابق، ص 182.

19-      كلوتشكوفسكي ف. التاريخ الرّوسي، موسكو 1956، ص 314.

20-      راجع مجلة "العلوم الاجتماعية والعصر"، عدد 1، موسكو 2003، ص 43.

21-      المرجع السابق، ص 44.

22-      المرجع السابق، ص 45.