لا تجعل المرء يشعر , وكأن هناك مناخات متباعدة كثيراً. بل على العكس من ذلك , فالعين الناظرة , في بانوراما الجغرافية الروسية، توحي لصاحبها , بأن هذه المساحات تكمل بعضها بعضاً وتؤثر معاً , على حراك الإنسان الروسي في هذا المدى الاوراسي.

    لكل بيئة ، بطبيعة الحال، نباتاتها وحيواناتها واعراقها البشرية ولغاتها وثقافاتها وبالتالي حضاراتها. والشخصية الحضارية الروسية الاوراسية، تتشكل من اللغة الواحدة والمجموعتان الإتنيتان الأساسيتان ، السلافية والتركية، والمجموعات الإتنية الاخرى الصغيرة، وهذه كلها , تشكل الحاضن البشري لهذه الجغرافيا.

   و في سياق هذا الكلام , عن الخصائص المناخية , لكل منطقة أو بيئة من البيئات الروسية. وفي هذا المنحى , سنحاول ابراز تأثيرها , على أنماط تفكير وسلوكيات الإنسان الذي يعيش عليها.

   فالمنطقة الواقعة في أقاصي الشمال والمترامية على سهوب التوندراالأركيتية، هي منطقة باردة من غير غابات ، وقليلة الفائدة , من ناحية الزراعة، يتبعها فوراً من جهة الجنوب منطقة غابات حرشية. أما حدودها السفلى التي تبدأ من جنوب الكاربات وتمر عبر الخط  الذي يمر على تخوم مدن كييف – قازان – تيومان – وجبال الألتاي،  وهذا الخط يتابع سيره ومداه , ليصل الى الحدود الجنوبية من السهوب والصحارى المنغولية. يتبع ذلك المنطقة الثالثة وهي منطقة السهوب الممتدة من الغرب الى الشرق ، خارقة المدى الأوراسي بأسره. وتلك السهوب الهائلة الاتساع والتي تقع تحديداً في هذا المدى، فهي عبارة عن سهول واسعة يغلب على تركيبة أرضها التراب الأسود الصالح للزراعة. واخيراً , هناك المنطقة الرابعة , التي تضم مناطق الصحراء والأورال والكوسبيسكوالمنغول.

   بهذا المعنى , يمكن القول , بان الجغرافية الحضارية الروسية , هي جغرافية قاريّة، يعيش معظم سكانها في الداخل , بعيداً عن الشطآن الكبرى للمحيطات والبحار. وأن كان هناك منافذ للجغرافية الروسية , على احواض البلطيق والبحر الاسود , وعلى بحار الاخوتكا واليابان، إلا أن حراك الإنسان الروسي , الاكثر كثافة , كان ولازال منحصراً في الداخل، في اليابسة. ومن هنا , يمكن توصيف الحضارة الروسية بأنها أقرب الى حضارة اليابسة – السهلية، منها الى الحضارة الساحلية – البحرية.

   وهذه الحضارة , التي استقرت وامتدت سلطتها على اليابسة , هي في المعنى الجيوبوليتكي حضارة التيلوروكراتيا (أي حضارة سلطة اليابسة)، على خلاف الحضارة الإنكليزية , التي هي حضارة التالاسوكراتيا (أي حضارة سلطة البحر). فالحضارة البحرية , بطبيعتها , هي تجارية , تعتمد , أساساً على تبادل السلع والخدمات عبر الطرق المائية، لذا , ينبغي ان تكون فيها منظومة الملاحة متطورة لتسهيل وتطوير عملية التبادل من الخارج. الامر الذي قد يؤهلها أكثر من غيرها , لأن تقوم ببسط سيطرتها على العديد من المناطق الهامة إستراتيجياً , على اكثر من صعيد.

 علماً بان الحضارة السهوبية التي يغلب عليها الطابع الزراعي ، تعتمد على نظام تبادل المنتجات والسلع والخدمات عبر الطرق الداخلية من حديدية وبرية وجوية وغيرها من الوسائل الكلاسيكية الاخرى. ولكي تكون عملية التبادل نشيطة، فإنه من المفروض أن تكون شبكة المواصلات متطورة.

   ولكون روسيا بعيدة عن الشطآن الاساسية للمحيطات والبحار، فإنها ركزت في خططها لشبكة المواصلات على حركة الملاحة النهرية وبالذات عبر أنهار مثل امور والفولغا ولينا. كما أن كل المعارض التجارية الكبرى التي شهدتها المدن الروسية الكبرى، كانت تتواجد في تلك المدن المحاذية للأنهار مثل مدينة نيجنينوفغورد الواقعة في القسم الأوسط من ضفاف نهر الفولغا, وغيرها من المعارض الاخرى المتواجدة في مدن فلاديفستوكونوفاسيبرسك ...

 والأنهار الروسية التي تحمل الثروة السمكية , تجري على ضفافها عملية التبادل السلعي بين المناطق الداخلية الروسية وخارج المدن التي تغذي حركة الأسواق في الأرياف.  لذا , كان تركيز الحاكم الروسي يعتمد بشكل أساسي على سكان المدن القاطنين بالقرب من الانهار ... حتى أن الاسطول الروسي الذي بناه القيصر بطرس الأكبر، التي ارتبطت باسمه بداية القوة البحرية الروسية، كان اختياره للملاحيين والضباط والجنرالات على الناس الذين تآلفوا سنوات طويلة , مع نمط الحياة القريبة , من الأنهار والبحار الداخلية الروسية.

الفولغا هو أبو الانهر الروسية . الذي يعتبر الخزّان الأساسي للمياه التي تتغذى منه مجموعة كبيرة من السكان الروس. فالفولغا , كما تم توصيفه سابقاً يعتبر بمثابة "النيل" لروسيا. لذا , ليس من باب الصدفة أن يطلق عليه الكتاب الروس الكبار امثال ريزانوف وغيره (نيل روسيا). فالفولغا هو بمثابة المكان الأزلي المقدس الدائم الحياة والتجدد، وهو بمثابة الأم أيضاً التي تمنح الروس المتطلبات الضرورية لاستمرارية الحياة.

   والسمة الخاصة الاخرى , التي تطبع الجغرافية الروسية هي تلك السهول والسهوب الواسعة المدى التي  لا تحدّها عين أو نظر. أينما توجّه الإنسان لا يجد أمام عينيه إلا تلك المساحات الهائلة الاتساع ذاك الامتداد الأفقي لأراض مسطحة، نادراً ما تحجبها هضاب أو جبال عالية. وهذه الخصوصية الجغرافية , جعلت من الحدود الروسية مشرعة أمام أي راغب في غزوها. فكما يقول أحد المؤرخين الروس: "إن الأعداء المتربصون بالأراضي الروسية متواجدون في كل الجوانب. فالحدود مفتوحة . ولا وجود لجبال يمكنها أن تحمي البلاد من الغزوات. فالروسي عادة ما كان يفاجئ بأن العدو وصل الى باب داره. لذا , فإن صدره وظهره دائماً كانا مكشوفين. على خلاف شعوب وبلدان اخرى مثل الألمان والفرنسيين والإنكليز والطليان والإسبان ، الذين تمكنوا بنجاح من بناء قلاع متينة من الحجارة على الجبال والهضاب . بينما نحن الذين نفتقد الى الجبال وبالتالي فإن الحجارة قليلة ، فأن بيوتنا عادة ما كان يتم تشييدها من الخشب " (2).

وحتى سلسلة جبال الاورال التي تكلمنا عنها، تبدو وكأنها امتداد طبيعي للسهوب الروسية بشطريها الأوروبي والآسيوي. ولم تشكل كبقية الجبال المتواجدة في بلدان أخرى، الحد الفاصل بينها وبين بلدان أجنبية أخرى.

   كان للسهوب الروسية الدور الملحوظ في حراك الإنسان السلافي وغير السلافي عليها. فلقد تمكن الروس من التمدد باتجاه الشرق الجنوبي والجنوب الشرقي من البلاد. وهذا الأمر ادّى لأن تتوسع رقعة التموضع  السلافي ، ولفترة وجيزة من الزمن على مساحة هائلة الحجم موزعة على عدد كبير من الخطوط والاتجاهات من القارتين الأوروبية والآسيوية.

   وهذا بدوره , ترك تأثيره في تشكل العقلية والطابع القومي الروسي. وليس من باب المصادفة , أن نجد صورة "السهوب" حاضرة دائماً في الصور الادبية والشعرية والفنية في المشاهد الثقافية العامة في كل تجلياتها. فالأديب المعروف تشيخوف، على سبيل المثال، وفي قصته "السهب" تكلم عن غنى وضخامة المدى الجغرافي الروسي ، ذاك الذي احتضن وتعايش مع حركة الإنسان في الزمان والمكان الروسي. وفي هذا السياق يشير المفكر روزانوفف.ف. "روسيا هذه الجغرافيا التي تحتل السهوب والسهول الواسعة الحجم الاكبر من مكوناتها، وفيها يعيش الإنسان طوال حياته، وكانه في وضع المسافر الدائم في كل المجالات البعيدة والكثيرة، والذي لا يعترضه في طريقه أي جبل ... وفي خضم الأسفار والنظرات الى المشهد الطبيعي لروسيا، قد يصادف المرء أمامه تلك المرتفعات المحيطة بنهر الفولغا، والتي قد لا يكون لها شأن يذكر، مقارنة مع جبال القفقاس ، والألب وغيرها من السلاسل الجبلية الضخمة" (3).

   هناك خصائص مناخية تتميز بها المنطقة الشمالية والروسية. فهذه تقع على الاطراف البعيدة من مراكز التجمعات الحضارية الهامة في العالم، والتي عاشت على هامش التاريخ، والممتدة من حدود آلاسكا التي تقع على مقربة من الأطراف الأميركية المهمشة, والممتدة على خط يقترب من تخوم مدن روسية مثل فولغا غراد وروستوف الواقعة على نهر الدون . هذه المنطقة , يتصف مناخها بالبرودة المقبولة الى البرودة الصقيعية الحادة التي لا تحتمل. في حين يتصف الجنوب الروسي الذي يشمل مقاطعة الكوبان وضواحيها وعاصمتها كراسندار ومنتجعها السياحي المشهور سوتشي، يتصف بالمناخ المعتدل الدافئ نسبياً . وهذه المنطقة تشكل الرئة الأكثر دفئاً للروس التي تتناغم مع انسياب مياه البحر الاسود التي تتمايز عن البحار الروسية الاخرى .

   من جراء موجات الصقيع المتتالية التي تغطي السبعة أشهر من كل سنة والوافدة من الجزأ الشمالي لروسيا، فإن هذه المنطقة تضرب الرقم القياسي في البرودة على هذا الكوكب، باستثناء المنطقة الوسطى الشمالية من كندا، وبعض المناطق الشمالية من النرويج وفنلندا.

   الأشهر التي يمكن العمل فيها بشكل مكثف في الزراعة الروسية تتراوح في المعدل الوسطي لها بين الأربعة والستة أشهر كحد أقصى ومقارنة مع معظم بلدان العالم فإن العمل في الارض والزراعة يرتفع من رقم الستة ليصل الى السبعة أشهر في السنة.

   والبرودة التي تغطي معظم الأراضي الروسية ، تتطلب الاهتمام المركز بالتدفئة الدائمة للمنازل، والتي تتراوح بين مقاطعة معينة واخرى من ستة الى ثمانية أشهر. وإذا ما أجرينا مقارنة في هذا السياق مع الولايات المتحدة الأميركية، فإن الطقس الدافئ في معظم الولايات قد لا يستدعي حتى أية تدفئة خاصة في سياق السنة.

   بصرف النظر عن هذه البرودة التي ترخي بظلالها على العدد الاكبر من أيام السنة، فإن الطبيعة الروسية التي ينبسط الثلج على تربتها، وتلك المياه التي تجري في شرايين الارض في الربيع، والخريف بخاصة ، ودفء الشمس الذي يتكامل ويتناغم مع البرودة، يجعل المناخ الروسي برمته مرتعاً واسعاً وخصباً لكي تنبت فيه غابات كثيرة تحوي الاشجار والنباتات والازهار المتنوعة الاجناس والاشكال والألوان.

 وفي المشهد الطبيعي الروسي الذي يكثر فيه خرير الانهر والبحيرات , الامر الذي يترك انعكاساته على ثقافة العين والاذن ومجمل الحواس والاحاسيس والوجدانيات التي تلهم الرسامين والشعراء والادباء والفنانين والمفكرين والعلماء.

   ولكون هذا المناخ بخصوصيته الروسية ترك بصماته على مخيلة وذهنية وسلوكية الانسان القاطن فيه، فإن للمكان وللجغرافيا سلطتهما على مجمل حراك الانسان وعلى تأملاته النظرية ونشاطه العملي في الحياة. وهذا الامر يستحق بلا شك التوقف عنده وإفراد بند أو بحث خا وحدة الطبيعة

 

   وفقاً للعلاقة بين المناخ والتربة والتضاريس والمياه ؛ يتحدد في كل مجال جغرافي مجموعة من الاشياء التي تؤثر على طابع الارض الزراعية، ونمط الحياة من مأكل ومشرب ومسكن ، ووسائل التواصل ومصادر الطاقة وغيرها من المتطلبات الحياتية. فكما يقول الباحث الفرنسي فرديريك جوسان: "إن كل بلد ينجب نموذجاً من السكان نوعاً من المشهد الطبيعي الذي يكفل معه بناء البلد "Le pays" (4)

  علماً بان للإنسان دور فاعل في تسيير المكان الذي يعيش عليه. ويشير بهذا الصدد عن حق المؤرخ الفرنسي المعروف فرناند بردويل: "إن كل تاريخ فاعل للإنسان يخلق نوعاً من السكان ونوعاً من المشهد الطبيعي، ويكفل معه بقاء بلاد Pays  ما" (5).

فمن نافلة القول, بأن كل حضارة من الحضارات لا يمكنها العيش من دون تأمين الطاقة, والحد الوافر من الماء والضوء والهواء والتربة. والحضارة الروسية الممتدة عميقاً في اليابسة ، بنت نفسها على مسافة بعيدة من البحار والمحيطات مما جعلها مع الزمن تنطوي على نفسها، مهجوسة دائماً بالحفاظ على خصوصية الثقافة والروح واللغة والهوية . وهذا ما أدى في الأزمة الاخيرة لأن تكون مسيرتها بطيئة مع حركة تمدد العولمة، بل جعلها تعيش على أطرافها، بيد إن هذه الظاهرة , هي حالة معاصرة.

   فتاريخ الإنسان الروسي , على ارضه هو تاريخ التمدد والاستقرار ومن ثم مرة أخرى التمدد والاستقرار على اليابسة، الأمر الذي كون لديه خبرة واسعة في توطين عمق اليابسة. ومن جهة اخرى فإنه عادة ما كان كثير التوجس من الملاحة في البحار والمحيطات الكبرى. والروسي في عيشه على الارض المترامية الأصقاع والتي يغلب على مناخها البرودة لا بل الصقيع، الأمر الذي جعل هذه السمة تترك أثرها الملحوظ على خمول في حراكه اليومي، غير أن خصوصية المدى الجغرافي، أدت بدورها لان يتكدس لديه احتراف العديد من المهن والأعمال المعينة المتلائمة مع المناخ الذي يغلف جسده. وتكونت لديه عاداته الخاصة في الصبر وفي شكيمة الإرادة من أجل مجابهة المخاطر الدائمة والداهمة عليه إما من البيئة- الطبيعية القاسية , أو من الزاحف الاجنبي الطامع بثروات أرضه. الأمر الذي جعله يصمد أكثر من غيره أمام تحديات الطبيعة و الأنسان الطامع في ثروات طبيعته. و لأعلني لا أجافي الحقيقة إذا ما قلت بأن الشعب الروسي من أكثر الشعوب صلابة أمام العدو الخارجي وأنا الروسيا دائما ما تخرجه متوجة بالنصر أمام التعديات الخارجية عليها.

    فالمناخ الروسي القاسي، تطّلب خشونة روسية في الحياة الدنيا؛ الأمر الذي حرمه من الرفاهية والدفء. وإذا ما انطلقنا من المقولة التي طرحها أرنولد توبيني بأن " الفعل الحضاري ينطلق من خلال تحديات الطبيعة والرد عليها"(6). فإن الرد الروسي الحاسم على طبيعته الجغرافية أدى الى خلق حالة تحدي دائمة لديه، بينه وبينها، وفي كل فرصة ملائمة كان يتحفز للعمل وللتكيف معها. وهذا ما أبقى الطاقة الجسدية والمخيلة الفكرية في استنفار وتحد دائمين. وهذه التحديات والمصاعب والظروف القاسية والميزات الخاصة لحركة تطويع المكان من قبل الإنسان الروسي استطاعت أن تكون مع الزمن على هذا الكوكب واحدة من أكثر الحضارات قوة وتأثيراً على مسيرة الحضارة الإنسانية ككل.

   وعلى عكس النظرية التي يؤمن بها البعض ، بأنه كلما كان المناخ ملائماً ومعتدلاً للإنسان كلما توفرت الظروف الافضل لتطور الحضارة ولاستمرارها. فالتجربة الحضارية التي عاشتها معظم الشعوب التي قطنت في الأماكن الباردة أو غيرها ، فرضت على الأنسان تلك التحديات الكبرى , من اجل تخطي المصاعب، وشحذ المواهب لتحسين ظروف العيش والسعي لأن يتطور المجتمع الى الأمام.

لكن الذي ميّز حراك الإنسان الروسي في الجغرافيا ، هو حركته المتواصلة في الاتجاهات الاربع، نحو الشرق والغرب، الشمال والجنوب. الأمر الذي مكّنه خلال فترة زمنية ليست بالكبيرة  لأن يستقر على الجغرافية الاوسع على هذا الكوكب. الا أن الشيء المميز لهذه الجغرافية ، هو تواجد القسم الأكبر منها ، الذي لا يصلح لفترة طويلة من السنة للزراعة في بعض المناطق لا تصلح أبداً للزراعة، وهذا ما أسس ويؤسس لتحديات مزمنة , من اجل قبول أو رفض تحدي المجال الحيوي الطبيعي من الجغرافية.

ص له.

 

سهيل فرح - رئيس تحرير القسم العربي لموقع روسيا والعالم الإسلامي