خصائص الحضارة الروسية

على الرغم من حركة التبدل والتغير المستمرة في بيئة طبيعية معينة، فإن هذه البيئة تفرض عليه التأقلم معها، وهو يقوم بذلك من أجل أن يؤمن لجسده الدفء، والغذاء، والطاقة، والنمو والاستمرار في الحياة. حيث أن المناخ والأرض والغذاء مثلث عوامل لها تأثيرها المباشر ليس فقط على جسد الإنسان، بل ايضاً على نفسيته، وطباعه، وذهنيته، ومجمل أنماط سلوكياته العملية في الحياة.

 فساكن المناطق الباردة يتمايز عن سكان المناطق الحارة، وقاطنو الجبال يتميزون عن قاطني السهوب أو المناطق الجليدية. فكل مدى جغرافي خاص يسهم في تشكل الجماعة البشرية، وفي إضفاء نوع من التجانس عليها وبينها. كما أن للجغرافيا دوراً ملحوظاً في بداية تشكل الأعراق والإتنيات الكبرى في التاريخ. وهذا العامل هو الذي جعل الأنسان الأبيض ينشأ ويتموضع في القارة الأوروبية، والأسود في أفريقيا، والأسمر والأصفر في آسيا. وكل هؤلاء الاعراق الذين ينتمون الى جنس بشري واحد، تلونوا بألوان المناخ والجغرافيا.

  مع مر الزمن تنشأ بين الجماعة البشرية والأرض علاقة متبادلة، وكلما طال الاستقرار عليها انطبعت الجغرافية بالطابع الإتني والثقافي للجماعة التي تعيش عليها. وبهذا المعنى فإن المدى الجغرافي الذي عاش عليه الروس هو ما يمكن تسميته بـ"الأمة الجغرافية" الروسية التي طُبِعت بخصائص معينة على اكثر من صعيد. فالحضارة الروسية التي تكونت عبر التاريخ شكلت روح الامة، بينما الجغرافيا التي عاشت عليها المجموعة الإتنية المتنوعة شكلت وتشكل نوعاً من الغلاف الجسدي لها.

 ولكي يكون لهذه المقدمة المعنى الذي يدلنا على هذا الغلاف الجسدي، لا بد من الشروع في الكلام عن المكونات الطبيعية لهذا المدى الجغرافي، وعن خصائصه وسلطته وروحه...

  إن دولة الاتحاد الروسي تقع في المجال الشمالي من نصف الكرة الارضية وتحتل الحيز الجغرافي الاكبر على هذا الكوكب. فتبلغ مساحتها أكثر من 17 مليون كيلومتر مربع. وتشغل أرضها ما يقارب نصف القارة الأوروبية وثلث القارة الآسيوية. وسكانها يتراوح عددهم في السنوات الاخيرة بين 145-147 مليون نسمة. حدودها يبلغ امتدادها 60 ألف كلم. وهناك 14 ألف كلم منها تقع على حدود بلدان الاتحاد السوفياتي السابق. نسبة البحر مقارنة باليابسة تشغل 2 على واحد. وهناك 14% من مساحتها تقع في القطب الشمالي حيث المناخ معتدل نسبياً و60 % من مساحتها تقع في المنطقة الجليدية.

  بعد انهيار الاتحاد السوفياتي بقيت حدود دولة روسيا الاتحادية على حالها مع كل من بولندا وفنلندا والنرويج ومنغوليا والصين وكوريا الشمالية. وفي الشرق، هناك الحدود البحرية لروسيا التي تقع على مقربة من الولايات المتحدة الأميركية. كما أن بحارها وجزرها من جهة الشرق والشمال تقترب من اليابان. ويغسل مساحتها 12 بحراً تتواصل مع ثلاث محيطات: المتجمد الشمالي والهادئ والاطلسي.

  القسم الاكبر من المدى الجغرافي الروسي تحتله السهوب وتشكل السلسلة الجبلية للألب الخط الفاصل بين الجزء الأوروبي والجزء الآسيوي من الجغرافيا الروسية، ومن هنا يطلق عليها تسمية الدولة الأوراسية. في القسم الشرقي من منطقة الأورال تقع السهوب السيبيرية الواسعة التي يحدها نهرا ينيسيْ ولينا. وعلى ضفاف نهر ينيسي يتشكل خط الوسط بين شطري روسيا. فمن الضفة الغربية لنهر ينيسي تتشكل المساحة الأوسع من السهوب الروسية. ومن الضفة الغربية تمتد سلسلة واسعة من الهضاب والجبال والوديان. وضمن هذه السلسلة تقع جبال يصل ارتفاع البعض منها الى حد الخمسة آلاف متر، في حين يصل ارتفاع الجبل الاكثر ارتفاعا وهو جبل إلبروس (جبل البروز) الى 5642 متراً.

  وعلى الرغم من أن البرودة والصقيع اللذين يغطيان العدد الأكبر من أيام السنة في الجزء السيبيري والأوسط من الروسيا، فإن هناك مناطق أخرى تتسم باعتدال المناخ، وبالذات، القسم الجنوبي من الاراضي الروسية.

 على هذه الجغرافية الواسعة تتواجد كل المناخات والبيئات الطبيعية للكرة الارضية تقريباً. فهناك المناخات الصقيعية والثلجية والمعتدلة. وهناك مناطق التوندرا والمساحات التي تحتلها الغابات الواسعة والسهوب الشديدة الاتساع، وهناك اليابسة المتاخمة للمحيطات والبحار والبحيرات والأنهار والينابيع. والى جانب هذا كله، لا تخلو الاراضي الروسية من تواجد الصحارى أيضاً. فكل منطقة من المناطق لها سماتها النادرة والخاصة بها. فالمنطقة التي تمتد عليها التوندرا تشمل خمس الأراضي الروسية، وهي التي تحتل 22% من مساحة الغابات الموجودة على مجمل كوكب الارض. فمنطقة الغابات الروسية تحوي 25 % من الخضار الشجري العالمي.

  في روسيا يفوق معدل المساحة المتاحة للشخص الواحد خمسة هكتارات من منطقة الغابات، في حين أن هذه النسبة تصل الى 0.8 هكتار في سائر أنحاء المعمورة. وإن كل هكتار من المنطقة الغابية الروسية يستوعب، على سبيل المثال، كمية من ثاني اوكسيد الكربون تساوي ما يصدر عن 220 إنساناً، في حين أن الهكتار نفسه يزود 30 إنساناً بما يحتاجه من الاوكسجين. وهذا الامر يجعل من روسيا احد أبرز المصدرين للهواء النقي على سطح هذا الكوكب. فربع سكان الكرة الأرضية يتنشق أوكسجين الغابات الروسية. فهي تشكل مع غابات الأمازون في البرازيل رئتي معمورتنا.

  الغابات، هي "الفلتر" الاساسي للغبار وللغازات والمحروقات التي تنبعث منها الفضلات السامة. وهي التي تحافظ على الثروة المائية والطبيعية للأرض.

  في المناطق المحيطة بالغابات، تنمو بشكل أساسي أشجار السنديان والصنوبر والحور والأرز وغيرها من الاصناف العديدة التي تعيش في ظروف مناخية كهذه. وفي الجهة المقابلة الدافئة تنمو أشجار الغار والنخيل والبلوط والكستناء وغيرها. فوق هذه السهوب والمناطق والمساحات الشاسعة كان حراك الانسان الروسي.

  وتحتل اليابسة الخالية من الغابات حوالي 90 % من الأرضي. وهي تمتد من الغرب باتجاه الشرق حتى تصل الى منطقة الألطاي المحاذية لجمهورية كازاخستان. هذه الأراضي، الصالحة بمجملها للزراعة، تنمو عليها كمية ضخمة من الخضروات والفواكه والأعشاب.

  ومن أجل الحفاظ على البيئة الطبيعية الروسية من مخاطر غزو الصناعات الكيمائية، ومن قطع الاشجار، ومن التدخلات الرعناء "العدوانية" للإنسان، استطاعت الدولة الروسية إقامة 100 محمية حكومية كبيرة و31 حديقة واسعة (هذا باستثناء العدد الهائل من الحدائق الصغيرة التي تمتد على مساحات كل المدن الكبرى والصغرى الروسية)، وتشغل مساحتها أكثر من 1.5% من مجمل الاراضي الروسية. هذه المحميات تمكنت من أن تحافظ على أكثر من 260 نوعاً من الطيور وان تحمي عدداً واسعاً من الحيوانات والنباتات المهددة بالانقراض.

 ويجري في شرايين الأرض الروسية حوالى 120 ألف نهر يصل طولها الى أكثر من 10 آلاف كلم. وتساوي مساحتها الإجمالية مساحة مليوني بحيرة، تبدأ كل منها من كلم مربع واحد وما فوق. وإن الرمز الاكبر للأنهار الروسية هو نهر الفولغا الذي يعتبر اطول الانهار الأوروبية - 3500 كلم. فعلى ضفاف هذا النهر يعيش عدد كبير من الشعوب والإتنيات الروسية، لكل منها تاريخه، وشخصيته، تتشاطر الحياة بفرحها وترحها، بانتصاراتها وانكساراتها، بفألها وشؤمها... وكل هذا محفور في ذاكرة "الفولغا". الفولغا بالنسبة للروس هي الأم الحاضنة للحياة، هي كما النيل بالنسبة للمصريين ودجلة والفرات بالنسبة للعراقيين والسين للفرنسيين واليانتسي للصين...

  أما فيما يخص البحيرات، فإن البايكال وهي البحيرة الكارستية الجببلية الأعمق في العالم (162 مترا)، التي تقع بين أحضان السلسلة الجنوبية للجبال السيبيرية ويبلغ طولها 600 كلم؛ في هذه البحيرة يرتع خمس المياه الصالحة للشرب في العالم.

 وفي سياق هذا المنحى، يمكن القول بأن أكبر احتياط للمياه العذبة وللمياه عامة يوجد في روسيا. لذا، فإن هذا البلد يعتبر بمثابة الجزيرة العالمية. وهذا البلد يدخل ضمن المفهوم الجيويوليتيكي heartland أي قلب العالم. ومن يسيطرْ على هذا المدى heartland حسب تصور أحد أكبر منظري الجيوبوليتيك (الجغرافيا السياسية) هيلفورد ماكيندر، "يسيطرْ على العالم" (1).

  باطن الأرض الروسية غني جداً بالثروات الطبيعية الكامنة فيه، نذكر منها الغاز، والنفط، والفحم، والملح، والحديد، والألمنيوم، والألماس، والذهب وغيرها. احتياطاتها من هذه المواد تصل الى 30 % من الثروة العالمية. ولعل من الاهمية بمكان، سرد بعض الأرقام. ففي روسيا أكثر من 36 % من احتياطي الغاز العالمي و13 % من احتياطي النفط. كما أن المنطقة التي تضخ في شرايين الاقتصاد الروسي المواد المغذية الواقعة في البحار والبحيرات والتي تشغل مساحة 8.5 مليون كلم2 (وهي المساحة التي تلامس مجمل مساحة الولايات المتحدة الأميركية) تتواجد فيها ثروات طبيعية هائلة معظمها لم يستخرج حتى الآن. فهذه الثروات مؤهلة، في حال استخدامها استخداما عقلانيا وحكيما، لأن تغير كل المعادلة الاقتصادية على هذا الكوكب، ولمصلحة روسيا بالذات. يكفي القول بأن 47 % من المناطق الصالحة للزراعة متواجدة في الاراضي الروسية التي تشكل 70 % من الاحتياط العالمي لم تمس حتى تاريخه.

 بيد أن هذه المساحات والإمكانيات والأرقام لا تقلل من ضخامة المشاكل الإيكولوجية الضاغطة على هذا المدى الجغرافي الروسي الواسع. فالإحصائيات، حتى الرسمية الروسية منها، تؤكد بان أكثر من ثلث السكان الروس يعيشون في مناطق غير صحية إيكولوجياً. وعلى الرغم من المحاولات التي تقوم بها الدولة ومعها كل الجمعيات والأندية المكرسة نشاطها للدفاع عن البيئة والتي يصل تعدادها الى المئات، ما تزال الأزمة الإيكولوجية ترخي بظلالها الثقيلة على الجسد الروسي.

ويسكن 4/5 (أربعة أخماس) الروس في الشطر الأوروبي والخمس المتبقي في الشطر الآسيوي من الجغرافية الروسية. وفي المائة سنة الأخيرة يقطن ما يقارب ¾ (ثلاثة أرباع) السكان في المدن، في حين يسكن الربع الباقي في المناطق الريفية.

 لذا يمكن القول بأن "الشخصية المدينية" هي الغالبة على الشخصية الحضارية الروسية المعاصرة، وهي التي تشغل الحيز الأكبر من الحياة الاقتصادية والثقافية في روسيا. في حين تبقى "الشخصية الريفية" القريبة من الأرض راكنة متماهية مع المدى الجغرافي الاوسع، وهي التي تسهم في انتاج القيم المادية والثقافية الأقل تأثيراً على حركة الانتاج الروسية. فالعدد الأكبر من السكان الريفيين الروس يتمركزون في المناطق الجنوبية والوسطى من الشطر الأوروبي. وعلى الرغم من ضعف حركية النشاط الريفي في الاقتصاد الروسي، فإن "الشخصية الريفية" الروسية تبقى الحاضن الأكثر عمقاً للوجه التاريخي الروسي.

  فمعظم المدن الروسية، "تعقلن" و"تعولم" الى حد ما، وهذا ما يجعل "الشخصية المدينية" الروسية تبتعد أكثر فأكثر مع مر الزمن عن الجانب الخاص والعريق الذي يطبع وجهها الحضاري، في حين تبقى "الشخصية الريفية" محافظة وحارسة للوجه الروسي التاريخي الكلاسيكي.

أما حصة روسيا من سكان كوكب الأرض فلا تتعدى 2.6 % وتشكل 18 % من سكان القارة الأوروبية (وهي التي تشغل 42 % من يابسة أوروبا). في حين أن حصة روسيا من سكان القارة الآسيوية لا تتعدى 1 % بينما هي تشكل 29 % من يابستها).

  في المدى الجغرافي الروسي تقع 1100 مدينة وحوالي ألف تجمع سكني أقرب الى معالم المدينة بمقابل 24500 تجمع قروي. وهناك حوالي 170 مدينة يتعدى عدد سكانها المئة ألف نسمة، و13 مدينة يتعدى عدد سكانها المليون نسمة. معظم هذه المدن تكونت حديثاً بعد دخول روسيا عصر الصناعات الثقيلة والخفيفة وتطوير أنظمة المواصلات والتجارة، في القرن العشرين، وتحديدًا"، في الفترة السوفياتية. هناك، مدن وتجمعات سكنية تكونت انطلاقا من قربها من هذه الثروة الطبيعية، أو تلك. أو، انطلاقاً من مخزون الاحتياطات الصناعية والزراعية للاقتصاد الروسي.

  حركة المواصلات الروسية، توصل مجمل المدن، والأرياف، والأراضي، والمياه بعضها ببعض. فشبكة الخطوط الحديدية الواسعة يصل طولها الى 46 ألف كلم، والطرق المعبدة يصل طولها الى 760 ألف كلم، ووسائل المواصلات البحرية الى 89 ألف كلم.

إلا أن هذا المدى الجغرافي، الأوسع والأكبر على هذا الكوكب، ما زال يشكل، حتى الآن، المدى الأقل إنتاجية. فالأرض الزراعية تكاد لا تكفي حاجة 47.2 بالمائة من السكان، والثروة الحيوانية لا تلبي إلا 52.8 % من احتياجات الإنسان. والاسئلة التي تطرحها العقول البشرية في أكثر من مكان هي: هل برودة الطقس وسوء الأحوال الجوية هي المسبب لضعف الإنتاجية؟ هل هذا مرتبط بعلاقة ملتبسة بين الروسي والعمل كقيمة؟ هل العقل الحاكم عاجز عن التحكم في هذا المدى الشديد الاتساع؟ هل هناك أسباب إيديولوجية حالت في السابق وتحول حتى في الوقت الحاضر دون الاستثمار العقلاني والديناميكي للمجال الروسي والجغرافية الروسية ؟ وثمة أسئلة كثيرة غيرها مفتوحة ومطروحة من دون جواب لها حتى اللحظة. وهذا البحث سيدخل لاحقاً في مغامرة التوصيف والتحليل والاقتراب من الإجابة عن البعض منها في البنود والفصول الآتية.

 رئيس تحرير القسم العربي لموقع روسيا والعالم الإسلامي