إلا في ازمات التحدي الكبرى ، سواء الآتية منها من تقلبات و هيجان الطبيعة القاسية الكبرى، أو أمام رغبة الغزاة الأجانب في غزو المدى الروسي، أو امام ضغوطات الخصوم أو المنافسين الأجانب على بطولات كل أنواع الرياضات والعقوبات الاقتصادية أو المحاذير التكنولوجية والمعلوماتية و غيرها. قوة الصبر و التحدي والتصدي للنفس الروسية لا حدود لها. فهي فعلا كذلك في علاقة النفس الروسية مع غيرها من النفوس الأخرى شرقية كانت أم غربية.  هي صعبة المنال وواسعة المدى كما هي اليابسة والسهول الروسية. وهنا تكمن نقاط القوة و الضعف معا في هذه النفس الروسية . فإلى جوانب القوة فيها كان من الصعوبة الكبرى بمكان على الشعب الروسي ، من جهة أخرى، أن يسيطر بإحكام و حكمة على هذا المدى الهائل وأن يقوم بتشكيله وتنظيمه. فكما يقول واحد من كبار الفلاسفة الروس وهو بردييف " لدى الشعب الروسي قوة عفوية هائلة مقابل ضعف ظاهر في الشكل"  (11).

    فالمجال الذي لا حدود له والذي يصعب التحكم به، هو شبيه بالشخصية الروسية التي يصعب التنبؤ بأفكارها وممارساتها. فالمكان الروسي، يفرض سلطته على وعيه وممارسته اليومية.

فالمشهد الطبيعي الروسي ، يدفع المتأمل به لان تكون مساحة التفكير فيه أو الرسم بمناظره أو الإصغاء لأصواته، متميزة بالاتساع، ومن جهة أخرى تفتقر لديه القدرة على استخلاص النظام والجمال من التفاصيل. وهكذا ، فإن المشهد الروسي يتميز  بخصائص تترك انعكاساتها على العقلية الروسية في مجمل نواحي التفكير النظرية والعملية.

 علما بأن العامل الطبيعي ، لا يشغل العامل الوحيد ، أو حتى الأساسي في تحديد وتوجيه حركة التفكير والعمل الانساني في حياته. إلا أن التقليل من دور المكان وخصوصية التركيبة الطبيعية لا يوصل المرء الى إدراك خصائص الطابع القومي للشعب الروسي. فمن يتتبع على سبيل المثال   الخطط الصناعية والاقتصادية التي يسلكها الحاكم الروسي وإدارته ، سرعان ما تبدو له تلك الخطط المرتبطة بالمشاريع الكبرى والضخمة. وهذا ما بدى جلياً للعيان في الفترة السوفياتية. فالصناعة ركزت بشكل أساسي على المشاريع الضخمة واهملت الصناعات الخفيفة. حتى إن أية صناعة خفيفة كانت تظهر في السوق ، كانت لمسات الخشونة واللاجمالية الصناعية الكبرى تترك بصماتها على نوعية القسم الأوسع إنتاج الألبسة و الأحذية و مجمل الحاجيات اليومية لتسهيل أو تجميل حياة الإنسان و عيش الحيوان. فكل شيء كان يتسم بالضخامة والكبر و بشيء من الخشونة الظاهرة في كلام القسم الأكبر من الجمهور الواسع المزع في عيشه على مساحات كبرى من الأرياف و المدن التي تفتقر معظمها الى بنية تحتية متطورة . لذا يمكن القول بأن الروسيا هي فعلا بلاد النهايات الكبرى. فكما هي ضخمة و كبيرة وواسعة منطقة الخيال العلمي والفني و الروحي في الذهن و النفس و العين و الأذن الروسية، فإنها ضخمة و كبيرة أيضا مشاكل الحياة اليومية للقسم الأوسع عند الروس ، هكذا كان الأمر في المرحلة ما قبل السوفياتية و أثنائها و بعدها... و كل شيء في الروسيا واسع كوسع الجغرافيا المحيط بالإنسان.

     يصعب الكلام على مجمل منطقة الخيال و التصورات والسلوكيات التي تطبع علاقةالحاكم و المحكوم في المدى الروسي، فهذا يحتاج الى مجلدات عديدة ، إلا إن هذا لا يمنع من التوقف عنب البعض منها وباب المثال أو النموذج.

 فأي كانت التحولات التي  جرت أو تجري في عملية الاصلاح ، التي يجريها الحاكم الروسي على نظام الاقتصاد والمجتمع والثقافة ، يبقى الروسي شديد الالتصاق بأرضه وجغرافيته. من مجالها طوّر مصطلحات لغته، ومنها أيضاً شكلّت لغته الفلسفية والسوسيوثقافية . وسنحاول إعطاء بعض الامثلة على ذلك. فكلمة Rod   بالروسية تعني أصل العائلة و"رودينا" تعني (الوطن), ولفظة الوطن ، كانت بالروسية شديدة الارتباط بفكرة الام. لذا، كثيراً ما نقرأ في الادب الروسي مصطلح الأرض – الأم" . (رودينا – مات) (rodina – mat) ؛ والأرض

 في المفهوم الروسي هي قدس الاقداس ، كما هي الأم ، والحرص والحفاظ عليها هي ترادف الحرص على حياة الأم. كما أن الأم هي مصدر الحياة فإن الأرض هي ينبوعها. وتعلق الروسي بوطنه وأرضه لا مثيل له على هذا الكوكب. فحلم الأنسان الروسي ، أي روسي ، سواء عاش داخل الارض الروسية طوال حياته أم دفعته الظروف للهجرة الى خارجها ، فإن واحداً من أجمل أحلامه أن يدفن في الارض الروسية.

فهذه المفاهيم، و الألفاظ، و الأحلام وغيرها الكثير التي يمكن اقتباسها من القاموس اللغوي اليومي للإنسان الروسي معظمهما مرتبطة بمفهوم المجال الأرضي الذي يعيش عليه. يشير بهذا الصدد المفكر الروسي فيدوتوف "الإرادة تخجل من المتساوي معها من العالم، الارادة تنتصر. ساعة تركها للمجتمع، تأخذ مداها الواسع، من المدى الشاسع للسهوب "(12). هذا المفكر ميز مفهوم الإرادة، عن الحرية عندما قال: "الحرية الفردية لا يمكن التأمل بها من دون احترام حرية الغير. في حين إن الإرادة هي ملك صاحبها. فهي لا تقع موقع النقيض مع الاستبداد، ذلك لان المستبد نفسه, هو كائن إرادي. (13). من كلامه نستخلص الفكرة التي تشير بأن الإرادة الروسية لا حدود لها إلا في داخل الإنسان، في حين إن الحرية غير ذلك. وهذا ما يميز هذين المفهومين عما هو في الطرح الغربي لهذا الموضوع.

ومن هنا يجتهد الفكر الغربي ومعه "المغربين" الروس ليقولوا بأن العقلية الروسية غير متهيئة لهضم فكرة الحرية ومعها الديمقراطية. هذا الكلام لا يمكن رفضه بالمطلق فإن التجربة الروسية في الحكم في الزمن القيصري والسوفياتي وحتى الروسي المعاصر، لا توحي بان الثقافة الديمقراطية ومع الممارسة الديمقراطية قد شغلت مساحة معينة في الذهنية الروسية. وُيرجع البعض سبب هذا،  إلى الخوف من أن تفلت زمام الامور من يد الحاكم المركزي، الأمر الذي يستدعي دائماً اتباع سياسة القبضة الحديدية التي يجب أن تنحصر مهمتها في الإمساك القوي بالمكان الروسي الواسع  وبحركة الشعوب والاتنيات والإيديولوجيات التي تتعايش عليه.

 

من جهة أخرى فإن توزيع البشر على كافة الأصقاع والأقاليم الروسية , وضآلة الكثافة السكانية  تجعل ضبط حركة العادات والتقاليد والأعراف والأفكار والممارسات ليست بالأمر السهل، كما هو الأمر في بلدان تتميز بكثافة سكان عالية مثل اليابان , وبعض بلدان القسم الغربي من أوروبا.

فكثافة السكان في مجالات ضيقة لا تسمح لأصحابها بالحرب أو الاخلاء أو التحرر والاحلال من القيود . وهذا ما يجعل النظام والدقة وضبط حركة الناس في بعض المجتمعات الغربية كضبط عقارب الساعة ، في حين نرى نزعة "التحرر من القيود" و التماهي مع الطبيعة وضخامة اتساعاتها ، في كل الاتجاهات الروسية، هي واحدة من السمات التي لا تشكل  قيودا هامشيةً في السلوكية الحياتية للروس، بل أنها تحضر بشكل واسع  في وعيه، وفي خياراته اليومية داخل اسرته وعمله وعلاقته بكل السلطات التي يتواصل معها.

 فالطبيعة الروسية تعتبر الحاضن الاساسي الذي يشعر الروس فيها بالراحة التامة بعد أقرب أقربائهم. فهو لا يفوت اية فرصة من أجل أن يهرع الى غاباتها وثلوجها وسهوبها وسهولها الواسعة. عادة ما يكشف لها صدره ويفتح لها رئته وكل أحاسيسه. وعادة ما يتماهى معها، دون أن يردعه قانون أو نظام أو التزام أو منطق صارم.

الجغرافية الطبيعية الروسية خلقت إذا الجغرافية الروحية. وهذه الأخيرة أثرت على ثقافة العين و الأذن و سائر الحواس و أغنت بالتالي المخيلة الفنية و الجمالية و العلمية.

تبدو المدن والقرى الروسية كأنها نقاط متباعدة بين فضاءات واسعة .  من انوار وهبات الطبيعة. على جسد هذه الروسيا , يمتد بساط من الثلج الهائل الاتساع الذي يحتل الحيز الأكبر من القطب الشمالي. فيبدو هذا البلد، ولمدة تتراوح بين السبعة والثمانية اشهر في  السنة كأنه مجال متواصل بين الأرض والسماء. فانعكاس لون الثلج على هذه البلاد يعطيها صورة المدينة الأرضية المضيئة والجوالة.

وتترك رحابة المجال الروسي تأثيره الكبير على فضاء الكلمة ونقاوتها وبريقها، في الشعر والأدب، والرسم، وحركات الجسد، وكل فنون الرقص، وخاصة في فن رقص البالية.

 فاتساع المجال الذي يحيط بكل حواس الروسي يجعله يحضر في عمق الطروحات والمهمات الفكرية والسياسية ويظهر على نحو لافت في المساحات الواسعة في النفس الروسية. فمن  ينبوع الجغرافيا الطبيعية والروحية يمكن تفسير الكثير من اسرار الابداع الروسي. مثلاً سر المخيلة الإبداعية الروسية  الممثل بأشعار بوشكين و ويسنين وبلوك وأخماتوفا وغيرهم الكثير. وفي الاشراقات المبدعة ، لأدب دوستويوفسكي وتولستوي وتشيخوفوشولوخوف. وفي شلالات الانغام المتسامية في انسيابها وحركتها وتموجاتها لدى تشايكوفسكي ورحمانيوفوسكريايينولكرييف و ياخين. وفي الفضاءات اللامتناهية في المخيلة القصصية الموجهة للأطفال واليافعين الكبار ، تلك التي عكست سحر الجوانب الخفية في عالم الطبيعة والحيوان والانسان؛ والتي ظهرت في اعمال باجوفونوسوف وسواهما. وفي رقص الجسد الروسي المتماهي مع موسيقاه ومع كل مشاعر الحزن والفرح والبطولة والانكسار في باليه بافلوفاوبسمرتنيفاومكسيموفاونورييف. وفي سيمفونية الأطياف والالوان الداكنة والفاتحة التي تعكس الطبيعة الجغرافيةوالإنسانية للشخصية, وتتجلى في ريشة سيروف وربين وسوريكوفوريرخوزفرييف وآخرين. وكذا  في دراما وتراجيديا النفس الروسية التي ابدعها مخرجون مسرحيون عظام أمثال ستانيسلافسكيوميرخولدولوبيموف وآخرون. في السينما التي قدمت للعالم في فترة معينة ابهى المشاعر المختلجة  في أعمق أعماق النفس الروسية , والاخرى التي عكست مسيرة آلام ومعاناة البشر الطبيعية و الروحية في القرن العشرين.  وفي هذا السياق  سجلت اعمال ايزنشتاينوتاركوفسكيوميخالكوف و غيرها اسطع الابداعات. والمجال لا يتسع هنا لذكر الإبداعات الكبرى التي تعكس غنى ووسع الطاقة الفنية للمدى والخيال الروسيين.

   ترتبط علاقة الروسي بالمكان الذي يعيش فيه ويتحرك عليه أشد الارتباط بالطرق التي يسلكها. فالطرقات البرية منها بشكل رئيسي التي بدورها لا يحدها حدود في هذا المدى الهائل للمكان تركت بدورها انعكاساتها على أدبه وشعره واغانيه وفولكلوره . فالطرقات الروسية , هي رمز الحياة الرومانسية الروسية . هي رمز دروب الحياة غير المكتملة البناء. على الطرقات البعيدة التي لا يحدها نظر تعيش النفس الروسية في حالة ترقب، وحذر وتمكين من الوصول الى بر الامان. فالطرق الوعرة منها بشكل خاص هي رمز مصاعب الحياة التي تنظر بفارغ الصبر ساعة الرجوع الى المنزل حيث الراحة والاسترخاء. والطرقات في المفهوم الروسي هي التي تجسد حركة السير في مجال واسع محفوف بكل المفاجئات السارة والحزينة والخطرة، هي المجال الذي يشعر فيه الروسي بأن الحياة مستمرة الى ما لا نهاية.

    وعلى هذه الجغرافيا تعيش الاتنيات المتنوعة ويمارس الانسان طقوسه وعاداته ويتواصل على طريقته الخاصة مع الروحانيات وعالم الألوهة. وهذا ما يشكل المادة اللاحقة للبحث والتأمل.

 

 

الهوامش 

 

1-      HalfordMaekinder,Democratie ideals and reality . New York 1919 p.26; 31

2-       سولوtيوف س.م. حول التاريخ الروسي ، موسكو 1992 ، ص 191.

3-      روزانوف . ف.ف. إنارة الضبابيات ، موسكو، 1990 ، ص 531 .

4-      Fréderic Gaussan , Le monde , 4 octobre . 1981

5-      Fernand Braudel. L’identité de la France, Espace et Histoire, Paris 1995, p. 40

6-       راجع توينبي أ.   مسيرة التاريخ، موسكو 1991، ص 120 (بالروسية).

7-      سافيتسكي ن. ن. نحو تثبيت الأوراسية ، برلين 1992 ، ص 365 (بالروسية)

8-      سافيتسكين.ن عالم روسيا الأوراسيا ، برلين ، 1962 ص 232 (بالروسية)

9-       أرنولد تونيني ، مسيرة التاريخ ، مصدر سبق ذكره ص 140.

10-   كوستاماروف . ن.أ. التاريخ الروسي من خلال التأملات الحياتية للشخصيات التي صنعته، ، موسكو 1991، المجلد الثاني، ص 347.

11-    نيكولاي بردييف، الفكرة الروسية، موسكو ، 1990 ، ص 44.

12-   فيدوتوف غ. ب. "رسائل حول الثقافة الروسية، من كتاب مصير وخطايا روسيا، موسكو، 1992، المجلد الثاني، ص 286.

13-    المصدر نفسه .

 

 

سهيل فرح - رئيس تحرير القسم العربي لموقع روسيا والعالم الإسلامي