عبقرية الفرد

لكل شعب عباقرته الذين تشغل مخيلتهم الإبداعية دنيا الأفكار الخلاقة. يسكن في مؤلفاتهم وفي الكثير من جنباتها وجمالاتها روح الشعب واسهاماته في انتاج القيم المادية والثقافية. أيتماتوف واحد من أعظم عباقرة قيرغيزستان والعصر السوفياتي. مريدوه من اولئك القراء الاوفياء، الذين تلذذوا بعبق إبداعاته، رفعوه الى أعلى قائمة الأدباء والمفكرين الذين عكسوا في مخيلتهم الغنية الجوانب الاكثر نورانية في المدى الأوراسي والكوكبي أيضا. 

يخيل لي أنه جسد في شخصيته الإبداعية لحظات الحقيقة الانسانية في بعدها الأزلي، وتفوح من كلماته جمالات الأرض والسماء. دخلت كتاباته أغنى كنوز المعرفة التي عكست الجوانب الاكثر اشراقا في اداب وثقافات ليس فقط شعوب الشرق بل شعوب الغرب أيضا. ومن خلال متابعتي لنبض حب القارئ القيرغيزي والروسي له ، بدا لي ان عشقه لإبداعاته يكاد يرادف عشقه لجمالات الطبيعة والتاريخ القرغيزي والروسي نفسه .

دور أيتماتوف كفرد في تطوير ثقافة الحوار بين الشعوب الأوراسية ظهر جليا في كل صنوف إبداعاته. فموهبته الخارقة تمثلت في السعي لتقريب روح ثقافات الشرق من روح ثقافات الغرب ، في نبش اسرار حراك الحياة لدى شعبه الأصلي في كل صنوف الإنتاج، في خبايا وغنى العملية الإبداعية نفسها .

 في الصورة شخصيات اجتماعية وفكرية امام ضريح ايتماتوف، بينها بوغدانوف وبوبوف من روسيا وأخت ايتماتوف روزا وعدد من الأكاديميين والاُدباء من ١٢ بلدا في العالم

في الصورة شخصيات اجتماعية وفكرية امام ضريح ايتماتوف، بينها بوغدانوف وبوبوف من روسيا وأخت ايتماتوف روزا وعدد من الأكاديميين والاُدباء من ١٢ بلدا في العالم

 

حول طبيعة وخصائص وخفايا ابداع هذه الشخصية الأدبية الكبيرة نمضي في رحلة البحث عن دوره في حوار الثقافات .

 

مقاربات مختلفة لدور الفرد في الحوار والتاريخ

ان دور الفرد في التاريخ في إنتاج الطاقة البناءة او الهدامة في مجرى العلاقة بين الانسان والمجتمع والطبيعة، في عملية التواصل بين الثقافات والأديان والشعوب ، ما يزال يشغل مكانا مميزا في تأويلات المدارس الفلسفية والسياسية المتنوعة. من الصعوبة بمكان في هذا البحث الموجز الاحاطة بكل لا بل بأبرز وجهات النظر تلك، لدا فإننا وبإيجاز شديد نتوقف عند فكرتين مركزتين .

في البلاد التي تجذرت فيها الديموقراطية ثقافة ومؤسسة، نلحظ بان دور الفرد فيها لا يشكل ظاهرة معاشة ، بل لحظة فردانية تتمثل في حدث تاريخي وطبيعي معينين.

في حين نجد العكس مرادفا لدور الفرد المتعاظم في بلدان مغايرة ، تلك التي تفتقد او تعيش على ضفاف الثقافة والمؤسسة الديموقراطية. هناك يلعب الفرد دورا كبيرا إَما في طاقة البناء أو طاقة الهدم في سياق حياة الشعوب.

الفلاسفة الذين ينهجون درب التوازن والوسط الذهبي ويبتعدون عن سلوك دروب تطرف النهايات، يميلون للقول بان دور الفرد خاضع لخصوصية المكان والزمان الذي بعيش في ثناياه الفرد ويسبح في فضاءات مخيلاته وطموحاته. يبدو لي بأن وراء دور الفرد محمولاته التاريخية، أسبابه ومحفزاته. أيتماتوف هو أبن اللحظة الإبداعية التاريخية للمدى القرغيزي والسوفياتي والعالمي في القرن العشرين. انه هامة ابداعية راقية المستوى، انه الابن البار لعبقرية المدى الأوراسي. هذا العارف- الحكيم وخلال ثمانين عاما كان شاهدا ،ثاقب الرؤية واسع الموهبة، لمداه الجغرافي والثقافي. إبداعاته عكست في عمق ندر مثيله شموخ العظمة لجبال قيرغيزستان التي تشغل حوالي التسعين بالمائة من أراضي وطنه ، وجمالات غاباته وسهوبه ونباتاته وحيواناته وناسه .

 

ميزة إبداعاته 

من يقرأ بتأني أعماله القصصية " جميلة ١٩٥٨"، "عيون الجمل ١٩٦١"، "المعلم الاول ١٩٦٢"، "الارض الام ١٩٦٣"، " العندليب الشاب ١٩٧٥" ورواياته " قرن يمضي ويوم يمر١٩٨٠"، "المقصلة ١٩٨٦"، "عندنا تهوي الجبال ٢٠٠٨"، وغيرها الكثير، لا يمكنه الا ان يثمن عاليا نبوغ هذه الشخصية الفريدة التي غرفت من الخفايا الثمينة للروح لكل معالم الشخصية الأوراسية العريقة. طَمَحَت اعماله لان تغرف من كل ما أنتجته الشعوب من قيم مادية وكونية.

 مع تقديم لوي ارغون، وهو واحد من أساطين الشعر العالمي في القرن العشرين ، له من خلال توصيفة لروايته الرائعة "جميلة"، بأنه لمس فيها "أجمل قصة حب قرأها في حياته"، يكون أيتماتوف قد قفز لحظة واحدة الى العين ا الجمالية للقارئ الفرانكفوني ، ومن ثم ومن خلال إدخال أعمال ايتماتوف في منظومة المراجع الأدبية الهامه لطلاب الثانويات والجامعات في إلمانيا، ومن ثم انتشار أدبه على مستوى القارات الخمس، يكون أيتماتوف الشخص والمبدع قد دخل العالمية من بابها العريض.

أعماله ما تزال تسكن في اعماق قلوب وعقول الأدباء والفلاسفة والمثقفين والديبلوماسيين. ما زال موروثه الثقافي يدخل اللذة الروحية لثقافة عيون قرائه في كل اللغات التي ترجم لها .

المنتدى الدولي "قراءات في أيتماتوف: حوار الثقافات"

 

ما هو سر لا بل أسرار الإبداع في ابداعات هذا الكاتب ؟

اختصرها بعشرة.

السر الاول: أيتماتوف دون غيره تمكن ببراعة وحرفية كتابية رائعة ان يعكس روح الخلود والجمال الكامن في شعبه.

الثاني: تمكن بقدرة خارقة ان "يتسلل" الى مكنونات الثقافة الجمالية للقارئ اَي كان انتمائه العرقي او الثقافي ، ليجعلها تتلذذ وتتعرف على جمالات شعبه وأرضه وما عليها من عالم النبات والحيوان. 

الثالث: تمكن بمعارفه التاريخية ان يجمع في بوتقة واحدة منسجمة مآثر التاريخ والثقافة للشعوب القرغيزية والتترية والتركية والروسية والعالمية. 

الرابع: في إبداعاته أيتماتوف جمع بين غنى الاديب الحالم، والفيلسوف العقلاني الحكيم، والديبلوماسي اللامع، والمثقف العالمي.

الخامس: أيتماتوف كان ذَا ضمير بلوري عظيم. فالخلق النبيل عنده شكل نقطة أوميغا معنى الحياة الانسان على هذا الكوكب ." الضمير الخلاق هو مأثرة عظيمة، هو موروث الجانب الأرقى في حياة الجنس البشري، في بنيان الوعي، في مكونات الروح. الانسان بفضل نبل ضميره يرتقي الى إنسانيته". هذه الدرر الكلامية تنتمي الى ضمير الشعب القرغيزي. وصانع هذه الكنوز العظيمة هو أيتماتوف العظيم نفسه.

السادس: أيتماتوف كان روحانيا شموليا. لم بجد نفسه مأسورا لدين او مذهب معين ، كان بحلم بإقامة دين انساني وسماوي كوني واحد للبشر اجمعين .

السابع: كان مناضلا صلبا ضد كل انواع التطرف السياسي والديني والعسكري، لأنه كان يرى فيها التربة الأسنة الموبوءة التي تبني الجدران الفاصلة بين نفوس وعقول البشر، كان يرى فيها السبب الأرعن لتأجيج كل آفات النزاعات والحروب بين أبناء الشعوب والاعراق المتنوعة. لذا كان أيتماتوف منشطا كبيرا لكل انواع الحوار والشراكة بين الحضارات والأديان والمعارف المتنوعة.

الثامن: كان واحدا من الكبار الذين مدوا جسورا صلبة بين الفعاليات والرموز الفكرية لتقارب وتناصح وتعاون حضارات الشرق والغرب. كان بامتياز رجل حوار ومواطن عالمي.

التاسع: لم تكن عنده القشرة الارضيّة التي يتعايش عليها الجنس البشري الا مختبر كوني صغير مربوطة حياته بمختبر كوني لا حدود له. من هنا فان ابطال رواياته وناسه وكل مكونات الحياة الارضيّة كانت حاضرة في كتاباته الكونية المعنى والرسالة. ومن هنا دخل أيتماتوف في قائمة الكتَاب الكونيين الكبار في القرن العشرين وما تلاه.

العاشر: أيتماتوف إنسان المستقبل، إنسان الحضارة الانسانية النووسفيرية المرتقبة.

 

في خلاصة هذه العجالة من الكلام عن كتابات هذا الأديب الكبير ، يمكن القول انه وفِي منعطفات فكرية ابداعية معينة لهذا الشعب او ذاك ، يمكن لعباقرتها ان يسهموا بتوجيه البوصلة التاريخية لمعاني الثقافة والوجود. هذه البوصلة التي توجها طاقة جمالات الكلمة، نبل الثقافة الراقية، استشراف المستقبل، الضمير الخلوق المتجدد، الحوار والتعاون المثمر بين الحضارات الروح المبدعة الأزلية الهادفة لتوجيه وتوحيد العقل البشري والكوني حول القيم الانسانية والسماوية المشتركة. كل هذه القيم والطموحات النورانية كانت حاضرة بقوة في نصوص أيتماتوف الجميل المحيا والروح.

 

جنكيز طارقوليفتش أيتماتوف انت- انت ذاك الكبير الساكن في عليائك الأزلية لك منا حبنا الذي لا ولن يشيخ ....

 

سهيل فرح: رئيس التحرير.