ينطلق “على حرب “من نقد العقل عند “كانط” ليقدم لنا رؤية لكيفية تشكيل التفكير الناقد لعقولنا التى أضناها الكسل والتقاعس عن فهم الحياة , وهو حين يقدم رؤيته النقدية يساعدنا عن طريق “تفكيكية دريدا “..لكى نفهم مواطن الخلل ونحن نعيد تشكيل العقل .

ولا تتوقف حدودنا معه على تنوير “كانط”أو تفكيكية “جاك دريدا “, بل يدخل معنا الى عالم البنيوية من خلال أعلامه ميشيل فوكو,وجاك لاكان, ورولان بارت, وكلودليفى شتراوس,إنه ذلك الفيلسوف الذى يحاول أن يجمع لنا صورة لعقلية عربية , نقدية , لكنه لا يتركنا دون أن يحدد لنا خريطة توضيحية لكيفية التكوين والتشكيل .

«على حرب» يمتلك حضورا فاعلا وسط المشهد الثقافي، باعماله التى تركت بصماتها على الساحة الفكرية، وقراءات خصبة للنصوص، أو فتحه أبوابا جديدة للمقاربة، أو باستخدامه طريقة فعالة فى المعالجة، الأمر الذى أثمر تجديدا وتحديثا فى العدة الفكرية، كما تشهد كتاباتة التى تتمتع بالأصالة  والابتكار، من حيث لغتها المفهومة ,وصياغاتها الفكرية وخرائطها المعرفية.

من ابرز مؤلفاته التى لاقت صدى واسعا عربيا وعالميا “ خطاب الهوية ، أوهام النخبة أو نقد المثقف , تواطؤ الأضداد: الآلهة الجدد وخراب العالم ,الإنسان الأدنى: أمراض الدينوأعطال الحداثة , أزمنة الحداثة الفائقة: الإصلاح–الإرهاب–الشراكة ,الأختام الأصولية والشعائر التقدمية ,أصنام النظرية وأطياف الحرية, نقد بورديو و تشومسكى ,النص والحقيقة:الممنوع والممتنع .ملاك الله والاوطان ,ثورات القوى الناعمة, حديث النهايات ,نقد النص ,التأويل والحقيقة”

.التقيناه وكان هذا الحوار …

بعد التطورات الاخيرة فى العالم العربى هل يمكن الحديث عن صورة جديدة للمثقف ام اعادة انتاج للصورة التقليدية ..و هل يمكن –انئذ– اعادة تعريف النخبة ؟

ما فعلته الثورات هو أنها أيقظت المثقفين من سُباتهم العقائدى والنخبوي. نحن نعلم أن النخب الثقافية قدمت مشاريع وبرامج لتغيير الواقع ، ولكنها عجزت وأخفقت، إذ الواقع تغير بعكستصوراتها وخططها. تشهد على ذلك المآلات البائسة للعناوين التى ترجمت بأضدادها، كما هى مصائر شعارات الحرية والتقدم والعدالة والوحدة، إذ ترجمت الى استبداد وتخلّف وفقر وفرقة…

ولكنى أشير الى أننى لم أكن أنتظر الثورات لكى أعيد النظر فى مفهوم «النخبة»، وأفتح ملف المثقف. فبعد كل هذا الفشل والعجز الذى أخرج المثقف من المعادلة وجرّه، من حيث لا يحسب، الى هامشيته، أصبح من غير المجدى التمترس وراء الثوابت، كما كان يفعل ديناصورات الهوية والعقيدة والحداثة. بل العودة الى الذات والفكر، على سبيل المراجعة والمساءلة. هذا ما حملنى على الانخراط فى عمل نقدى تناول المثقف من حيث عدته ودوره ومكانته وصورته عن نفسه.


 

هذه المعطيات الجديدة حملتنى على إعادة النظر فى مفاهيم الحقيقة والحرية والهوية والحداثة، بقدر ما حملتنى على كسر ثنائية النخبة والجمهور الخادعة والمزيفة، بفتح أفق جديد أمامالعمل الثقافى من خلال مفردات المنتج والخالق، أو الفاعل واللاعب، أو الوسيط والمشارك.

أين وجه الخداع فى مفهوم النخبة؟

«النخبة» تعنى احتكار المثقف للوعى والعلم والمعرفة، بقدر ما تعنى احتقاره للناس الذين يريد تنويرهم أو تحريرهم أو الدفاع عن مصالحهم. مثل هذا المفهوم كان من المنطقى أن يسقط بعد أن أثمر ثماره السيئة جهلاً وعتمة واستبداداً.

هل اخرجت التغيرات الاخيرة المثقف العربى من ثبات رد الفعل الى يقظة المبادرة وهل مازال مدافعا عن الحرية والهوية؟

يا له من بؤس أن يخشى أصحاب مشاريع التغيير من المتغيرات على هوياتهم العاجزة وعقائدهم المعيقة وحداثتهم الهشّة أو العقيمة، كما هو موقفهم مما بعد الحداثة وكشوفاتها الفكرية أو من العولمة وفتوحاتها التقنية. هذا مثال على أن المثقف لا يحسن قراءة التحولات والانقلابات لاستثمار إمكاناتها بتجديد رؤيته واستراتيجيته. وكانت النتيجة أن جلس ينتظر حصول المعجزة من لدن الغيب. لم يكن يرد فى عقله النخبوى أن تظهر قوى جديدة على المسرح. لم يحسب بسبب قصور عقله وفقر خياله أن تخرج المجتمعات العربية من سجونها الفكرية لتقلب الأوضاع وتغير قواعد اللعبة وعلاقات السلطة.ثم حصل الانفجار العظيم الذى فاجأ المثقفين وصدمهم، بقدر ما كشف عن جهلهم بما يحدث، أى بالناس والمجتمع،وبالواقع ببناه العميقة وتحولاته الصامتة .

هل بددت الاحداث التى مر بها العالم العربى اخيرا ما تصورتموه عبر اطروحتكم اوهام النخبة ام اكدتها ؟

أنا كـ«سواى» من الكتاب قد فوجئت بالثورات، وإن كانت هذه أعطت مصداقية لقراءتى النقدية لواقع المثقف منذ كتابي: «أوهام النخبة»، سواء بكشف مآزق النخب، أو بتسليط الضوء على دور الفاعلين الجدد فى صناعة العالم. هذا ما حصل فى الثورات العربية: ثمة جيل جديد استثمر على نحو مبتكر مواقع التواصل الاجتماعي، على الشاشة، بترجمتها الى فعل ثورى من نوع جديد.

واليوم، وبعد حصول الثورات، اواصل قراءاتى النقدية، بالكشف عما فتحته الثورات من الإمكانات للتفكير والتعبير أو للتنوير والتغيير.

هل مازالت نظرية المؤامرة فاعلة فى اسناد كل العثرات العربية اليها ..وفى ضوء ذلك هل ترى الدور الايرانى تدخلا ام احتلالا ؟

من المفارقات أن يعزو المثقف، الذى هو ثمرة الثقافة الغربية، ما نعانى منه من مساوئ وعوائق أو من آفات وكوارث، الى الاستعمار أو الى العولمة. ناهيك بمن يتحدثون عن الاستعمار العثماني. هذا فيما نحن ندخل فى زمن الاحتلال الإيراني. والايرانيون يقولون ذلك بكل صلف، كما يعلن جنرالاتهم الذين يؤكدون بأن حدود إيران تمتد من بحر قزوين الى شاطئ صور فى جنوب لبنان. بذلك هم يهربون من حل مشكلاتهم الداخلية التى تزداد تعقيداً للتشبيح على ساحات العالم ظلماً وإرهاباً، من هنا المسئولية الجسيمة التى تقع على الدولة العربية الكبرى، مصر. فهى بتراجعها وانكفائها، على المستوى الاستراتيجي، العربى والإقليمي، خلفت فراغاً ملأته إيران وقوى أخرى.أياً يكن، يا لها من فضيحة أن نرد أسباب تعثرنا الى الآخر. لقد فشلنا فشلاً مثلّثاً فى امتحانات الديمقراطية والتنمية والمعرفة. وبالمقارنة، إن بلداناً كانت وراء العرب قد تقدمت وحققت قفزات نوعية فى هذا المجال أو ذاك. ولننظر الى مانديلا الذى فضحنا بالنموذج الذى جسده. فهو الذى قضى 27 عاماً فى السجن، كان مقاوماً ومحرراً ومؤسساً، ثم تحرّر بلده وتسلم سدة الرئاسة، ولما انتهت ولايته لم يشأ البقاء فى السلطة لحظة واحدة.لم يفكر هو المقاوم والمحرر بوصفه مالكاً لبلده يتصرف فيه كما يشاء، كما يتصرّف عندنا الزعماء والطغاة والمرشدون من الساسة رجال الدين.

هنا مكمن العلة ومصدرها، وليس لدى الآخر، أى فى أفكارنا العقيمة والمستهلكة أو فى استراتيجياتنا المدمرة والقاتلة.

اى نوع من الاختلاف قد حدث من خلال ثلاثة اجيال من المثقفين كانت لهم علاقة بالغرب , رفاعة الطهطاوى , طه حسين , محمد اركون ,الاول نقل الصورة والثانى اعتمد على المنهج والثالث استعمل المنهج لتحليل الآليات ؟

لنتوقف عند النماذج التى ذكرتها، وهى أكثر من ثلاثة.

الأول هو الطهطاوي، وقد نقل الصورة حقاً، بحسب توصيفك الدقيق، كمراقب أو مشاهد بأقل قدر من أحكام القيمة ومرايا الهوية؛ الثانى يجسّده عبده الذى بهره التفوق الغربى وأيقظه من سباته بقدر ما كشف له تخلّف العالم الإسلامي. ولكنه حاول الالتفاف على الإنجاز الغربى ولم يعترف به، لقد نظر إليه بعين الإسلام أى بوصفه تطبيقاً لتعاليمه، إذ لا يعقل برأيه لغيرمسلم أن ينجح ويبنى نموذجاً صالحاً للحياة. مقابل النموذج الإصلاحى هناك النموذج الحداثى والتقدمى الذى مثّله شبلى الشميل وفرح أنطون.

أما النموذج الآخر فقد جسده طه حسين الذى استخدم المنهج النقدى العقلانى فى تناول التراث والفكر الديني. تجلّى ذلك خاصة فى كتابه «الشعر الجاهلي» الذى يتعدى النقد الأدبي، نحو النقد الثقافي، وقبل اختراع المصطلح. ولو كان مجرّد نقد للشعر لما تعرّض لهجوم القوى المحافظة.أما أركون فإنه استخدم عدة جديدة فى الدرس والتحليل، مستفيداً مما أسفرت عنه الموجة الحداثية الجديدة (ما بعد الحداثة)، من الطفرات المعرفية والثورات المنهجية والشبكات المفهومية. ولكن أركون وقع فى نفس المطب الذى وقع فيه الفلاسفة العرب الذين لجأوا الى تجنيس العقول والفلسفات على سبيل التعريب أو التغريب أو الأسلمة، كما يتجسد ذلك فى كلامهم على عقل عربى أو غربى أو إسلامي.لقد أضاع الفلاسفة العرب خارطة الطريق، بتغليبهم الاعتبارات الإيديولوجية المتعلقة بالهوية والحرية على المشاغل المعرفية، بقدر ما تصرفوا بعقلية المناضل والثائر والمصلح. وقد تمّ ذلك على حساب الصناعة الفلسفية المفهومية التى لا هوية لها. بذلك عادوا الى ما قبل كانط وديكارت أو الى ما قبل ابن رشد والفارابي، بل هم تراجعوا عن الفقهاء وعلماء الكلام الذين كانوا يتحدثون عن العقل بصفته العالمية الجامعة لبنى البشر.ولذلك لم يستطع المفكرون العرب التجديد والإضافة فى ما يخصّ مفهوم العقل وصيغ العقلانية.

فى ضوء ذلك كيف ترى علاقة المثقف بالسلطة؟

ما ينتظر من المثقف الفيلسوف او العالم أن يكون منتجا لفكرة، نظرية أو طريقة أو نموذج أو قاعدة، يمكن أن يفيد منها الحكام والساسة، وبقية القطاعات. من غير ذلك يتحول المثقف المناط به تجديد العدة الفكرية الى مجرد ناشط او مروج، او الى ملحق بالسلطة، كما فعل كثيرون من المثقفين الذين تخلوا عن استقلاليتهم وحريتهم وعقلهم النقدي، لكى يمشوا فى ركاب دول وأنظمة عملت على استبعاد المثقف واقصائه.

كيف يمكن ان تلتهم الانتهازية السياسية لجماعات الاسلام السياسى كل امكانات التغيير لتضعها فى قبضة سلطة واحدة (المرشد) ؟

لنقرأ ما حدث، خاصة فى مصر حيث التيار الاسلامى الاصولى هو الأقوى والأعرق. لقد اشتغل جماعة “الاخوان” طوال عقود، باعداد العدة للوصول الى السلطة، بالدعوة والدعاية، أو بالتعبئة والتنظيم، ولكنهم لم ينجحوا فى ذلك. ثم أتت ثورات الميدان، التى فجرتها الأجيال الجديدة، لتفتح أمامهم الاماكن للوصول الى البرلمان عبر الاقتراع الديمقراطي. وهكذا فقد اخذوا الفرصة التى انتظروها طويلا، ولكنهم أهدروها، لأنهم لا يملكون مفاتيح لخرائط المستقبل، ليس لديهم ما به تدار الدول وتبنى المجتمعات وتصنع الحياة من الرؤى الخارقة والمفاهيم المبتكرة والمعارف الحية والنماذج البناءة والاستراتيجيات الفعالة…

من هنا …هل كان من الطبيعى أن يلاقى الاخوان الفشل الذريع لكى يسقط مشروعهم على غير مستوى؟؟

الأول سقوط الفكرة الأصولية الرامية الى اعادة بناء الحاضر بأفكار الماضين. والثانى سقوط شعارهم السياسى الرامى الى اقامة دولة دينية. والثالث سقوط سلطة المرشد الذى ابتلع باقى السلطات العائدة للأب والمعلم والشرطى والنقابى والمثقف… وما سقط بفعل ذلك كله، على مستوى رابع هو منطق الفتوى، كما تجسد ذلك فى الدستور التونسى بشكل خاص. لأن سقوط المرشد فى مصر، حيث المدرسة الأم التى تخرجت فيها أو تأثرت بها معظم الحركات والأحزاب الحركية، قد أثمر ثماره فى غير مكان.

كأنك تقول بنهاية المرشد بعد اطلاقك مقولة نهاية المثقف؟

قراءتك الذكية فى محلها. ثمة مفارقة مزدوجة فيما يخص مصائر الشعارات سواء على جبهة المثقف أو فى معسكر الدين. فنحن نعلم أن رجال الدين قد تراجعوا وانكفأوا مع صعود الموجة الحداثية التى شهدت ازدهارا، فى الستينيات من القرن المنصرم، بمختلف تياراتها ومشاريعها وعناوينها القومية واليسارية والليبرالية.يومها كنا نظن ان الدين بات مرحلة بائدة من حياتنا، وكان ذلك تبسيطا فادحا وقصورا فاضحا فى القراءة والتشخيص. ذلك أنه، بعد عقدين، وبعد سقوط المشاريع الحداثية، وجدنا رجال الدين أمامنا يتصدرون واجهة المشهد، وينتطروننا لكى يقبضوا على الأمر بعقلية المهيمن والمنتقم، على سبيل الانذار والتهديد بإشهار سيف الفتاوى التكفيرية.

هذا هو الوجه الاول للمفارقة، اما الوجه الثانى فهو أن رجال الدين حيث حكموا او سيطروا اخفقوا، باستجماع مساوئ المشاريع القومية واليسارية، إذ هم لا يملكون العدة الفكرية. لقد لغموا الحاضر وسدوا آفاق المستقبل، بأفكارهم الهشة وثقافتهم الضحلة ونماذجهم البائدة وأدواتهم المقصورة. ولذا فما اتقنوه هو ممارسة الاستكبار الدينى والاستبداد السياسى والارهاب الفكرى .

كيف يمكن فهم الحداثة من خلال نظرة كاريكاتورية ..أى ان يكون المستقبل خلفك لا امامك ؟

لقد اخترع الاصوليون اسلاما لم يطبق يوما، ولن يطبق اليوم الا بصورة كاركاتورية ارهابية. والأخطر من ذلك أن سيطرة رجال الدين أيقظت الذاكرة الموتورة وحولت العصبيات الطائفية الى مصانع لانتاج الحروب الاهلية التى تمزق المجتمعات وتفكك وحدة الأوطان فى بلدان المشرق العربي. من هنا يطالب الآن بعض رجال الدين بالعلمانية كحل للفتن المذهبية، ولكن بعد فوات الأوان. وتلك هى الفضيحة والكارثة: ما حسبه الاسلاميون الحل هو المشكلة بالذات. فقد تحول الدين الى مأزق لأهله وللناس أجمعين، بقدر ما تحول الاسلام الى بعبع ارهابى على المسرح العالمي.

هم لا يريدون تطبيق الشريعة لأن همهم ليس الشريعة بل السلطة والقبض عليها. ثم إن الصيغة الدينية يستحيل تطبيقها اليوم. إذ هى كانت صالحة وشغالة فى الماضي، ولكنها لم تعد تصلح للنهوض والتقدم والتحديث.

لم ينس مهاتير محمد ماليزيا فنجحت تجربته, كما لم يحاول “اردوغان” اسقاط صور اتاتورك فاستمر فى الحكم.. ترى هل فشل الاخوان لانهم أرادوا اسقاط صورة الوطن ؟

ثمة فارق كبير بين (حزب العدالة والتنمية) فى تركيا، وبين (جماعة الاخوان المسلمين) فى مصر. فأردوغان فى نسخته الأولى، حاول التأليف على نحو مثمر وبناء بين التقليد الاسلامى والمرتكز القومى والنمو الاقتصادي. ولذا قدم نموذجا ناجحا كما شهد له العالم. وأخشى أن يقوم بهدر ما نجح فيه نتيجة تراجعه مؤخرا. أيا يكن، فالاسلاميون الاتراك حافظوا على العلمانية والديمقراطية بقدرما تمسكوا بهويتهم الوطنية.

أما “الاخوان” فهم على العكس من ذلك، قد تعاملوا بمنطق النفى والسلب والعداء مع بلدهم مصر، كوطن ودولة او كثقافة وحضارة. ولذا فقد أتوا الى الحكم بعقلية الغزو والفتح، لكىيسقطوا على نحو مدوٍ.

هل ترى أن الخيار العلمانى هو الطريق لتحرير المجتمع العربى والاسلامى؟ على اعتبار أن الاسلام على امتداد تاريخه عرف ازدواجية الدنيا والأخرة ، الدولة والدين، النبوة والملك؟

نحن نتجاوز الآن ثنائية الدين والعلمانية التى يجرى تناولها بمقولات قديمة مستهلكة، بل مزيفة. فالأحرى أن نستيقظ من سباتنا الدينى والعلماني، لأن المسألة هى كيف نتجاوز العلمانية الى ما بعدها، كما نتجاوز العصر اللاهوتى الى ما بعده. القضية الآن هى كيف يمكن ترجمة الأفكار والعقائد والمذاهب والقيم، على أرض الواقع، لكى يتمكن البشر من العيش سويا فى مواجهة الأخطار والكوارث التى تهدد الأرض بمن عليها وما عليها.

أراك تستثنى الليبرالية من النقد الذى توجهه للمشاريع القومية والدينية. أليس لليبرالية مساوئها؟

ليست الليبرالية فردوسا، ولكنها ليست جحيما كما تتهم من جانب أصحاب الايديولوجيات اليسارية. فما يتهمونها به هو بالذات ما مارسته الأنظمة والدول التى حكمت باسم الاشتراكية والتقدم والتحرر، إذ هى حولت المجتمعات الى معسكرات والحياة الى جحيم.

إن الليبرالية سواء مورست على مستوى اقتصادى من خلال حرية الأسواق، أو على مستوى سياسى كما فى الأنظمة الديمقراطية، او على مستوى ثقافى كما يتجلى ذلك فى حرية الاعتقاد، هى نمط وجودى بقدر ما هى شكل من التبادلات والتعاملات بين الناس، تنفتح معه امكانات للتحرر المجتمعىوالسياسي، كما تجلى ذلك فى صوغ الحقوق المدنية أو فى توسيع مساحة الحريات الديمقراطية. ولكن المثقف اليساري، وكما هو دأبه، يدافع عن الأنظمة التى تصادر حريته ويفزع من الأفكار والمذاهب التى تحطم قيوده. لنأخذ المثال المصرى فى العهد الليبرالي. كانت مصر أفضل حالا فى مجالات الثقافة والسياسة والاقتصاد والعمارة والنظافة. ولكنها تراجعت مع سيطرة الفكر الأحادى والنظام السلطوى بعد مصادرة الحريات واهدار الفرص الحضارية.

نحن والحداثة .. هل يمكن القول إننا انغمسنا فى المشروع الحداثى أم مازلنا نعيش مرحلة ما قبلالحداثة ,وفى اطار ما نملكه من تراث كثيف يلقى بكل ثقله على تفكيرنا وأنماط سلوكنا .. كيف يمكن أن نوائم بين الحداثة والتراث ؟

لقد تجاوزنا الحداثة منذ زمن. نحن الآن فى زمن الحداثة الفائقة على المستوى التقنى والرقمي، كما انخرطنا من قبل، على المستوى الفلسفى والأدبي، فى عصر ما بعد الحداثة. ومن الفضائح أن نجد فلاسفة ومنظرين ومثقفين يفزعون على حداثتهم المستهلكة او العاجزة او الفقيرة، مما اسفرت عنه فتوحات ما بعد الحداثة، من الثورات المنهجية والابتكارات المفهومية والانقلابات المعرفية.لنستيقظ من سباتنا. لا أحد يعرى من ثوابته، ولكن العلاقةبها هى دوما متحولة. نحن فى زمن الحداثة منذ حملة نابليون على مصر، بل منذ دخول المطبعة الى جبل لبنان. المسألة الآن هى كيف نشتغل على تراثنا لكى نحيله الى عملة راهنة، كيف نمارس خصوصيتنا الثقافية بصورة حية، خلاقة، عابرة، لكى نمارس حداثتنا بصورة منتجة، فعالة، على سبيل المشاركة فى صناعة الحضارة، هذا ما فعلته مجتمعات كانت وراء العرب فصارت أمامهم، لأنها أحسنت قراءة المتغيرات واستثمار الفتوحات. من غير ذلك تتحول العلاقة بالثوابت الى عوائق ومآزق.

مفهوم التنوير بين حضارة ورقية وكتابات فلاسفة التنوير وصولا الى تشومسكى , وحضارة رقمية تؤول الى بيل جيتس .. كيف تفهم السياقين ؟

فى ظل هذا التشخيص لواقع المثقف، سيما بعد حصول الثورات لا معنى لمطالبة المثقف للهبوط على أرض الواقع. فهو يعيش اصلا فى صميم الواقع، ولكنه على هامشه ولا أثر له فى مجرياته..من هنا فان التنوير، كجرأة فكرية ونقد عقلى وجدة معرفية، يحتاج الآن مع الدخول فى مجتمع المعرفة، الى اعادة البناء بتوسيع حقل ممارسته، او بشحنه بمعنى جديد، أو بفتحه على بعد مغاير. واذا كان الفيلسوف كانط عرّف التنوير بأنه خروج المرء من قصوره والجرأة على استخدام عقله من غير وصاية؛فإن التنوير يقتضى اليوم، كما أفهمه وأمارسه، كسر ادعاء المثقف امتلاك الحقيقة وتجسيد قيم الحرية والاستنارة والعدالة والانسانية، وذلك للانفتاح على العاملين فى بقية القطاعات. كل عامل منتج فى مجاله له صلة بالحقيقة، بقدر ما يخلق، عبر نتاجه او ابداعه، وقائع تسهم فى تغيير المشهد على مستوى من مستوياته.

بهذا المعنى ليست صلة المفكر اليسارى الكبير نعوم تشومسكى بالحقيقة هى اقوى من صلة بيل جيتس بها، لأن ما ابتكره هذا الأخير من الوقائع، فى مجال البرمجيات، يشكل فتحا كونيا اسهم فى تغيير مشهد العالم.

بمعيار الحسنات والسيئات كيف ترى الثوراتالعربية ؟

اذا كان للثورات العربية من حسنة فهى أنها فضحت هذه التهويمات حول الواقع البشري، لأن الشعوب العربية قد انتفضت وخرجت من سجونها الفكرية، لكى تخرج من كهوف التاريخ، وتصنع لها حياة ومستقبلا، بابتكار ما يحتاج اليه ذلك من الرؤى والبرامج أو الخرائط والنماذج

الحداثة وما بعد الحداثة: ٢٥- ١١-٢٠١٥