لقد أحصيتُ ثمانية عشر قسماً في جامعة كاليفورنيا في بيركلي تدرس العالم العربي الإسلامي. هذا فضلاً عن  الدراسات التي نقوم نحن بها ويفيدون هم منها." اذ بدأت أوروبا بفهم الآخر على سبيل معرفته أو هناك حاجات كونيالية كانت بداياتها في إنشاء مراكز ومعاهد وأقسام علمية لدراسة منذ عدة قرون بل " أنها خصصت عددًا من أبنائها لدراسة الشعوب والأمم الأخرى جميعها، - بل أننا وجدنا مكتبة الكونجرس تحصل على كل مطبوعة تظهر في العالم العربي الإسلامي - ونظراً للسمعة العلمية التي حققتها هذه الدراسات توجه أبناء الدول المختلفة للدراسة والتدريس في الدراسات المتعلقة بمختلف المجالات التاريخية والاجتماعية والثقافية والسياسية والحضارية والثقافية " .

القراءة في كل الاحوال تعبر عن رغبة القارئ وحاجاته التي تتنوع بتنوع علاقته مع الآخر "إنّ الحضارات لن تتولّد ولن تتكوّن عن فراغ، بل كل ولادة حضارية وانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى في تاريخ البشريّة والحضارات وتعاقبها؛ يسبقه تراكم معرفي وثقافي يمهّد للانتقال والولادة الجديدة، وهذا التراكم المعرفي ينشأ من حركة دَوَرانيّة بين الأنا والآخر أو كل حركة ديالكتيكية وتفاعل إيجابي مستمر بين ما هو موجود عند الـ(أنا) وعند الـ(آخر) وبتلاقحهما وتفاعلهما المستمر تتولّد حضارات جديدة. هذه الحالة هي السنة المستمرة في تعاقب الحضارات منذ بداياتها الأولى وإلى يومنا الحاضر."

فمن ضمن هذه الابعاد يمكن أن ننظر الى هذه القراءة الى ثقافة مجاورة لنا وعلى تواصل طويل معنا بل إن لها تواجد وتداخل في حاضرنا وحاضرها فهناك تواجد وتواصل مسيحي شرقي في المنطقة العربية وتواصل إسلامي في روسيا فالمسلمون الأتراك يعدون الإثنية الثانية والإسلام الدين الثاني في روسيا مثلما المسيحية الدين الثاني في عالمنا العربي ، فضلاً عن التواصل الثقافي والسياسي ، كلها تمكننا من ضرورة فهم الآخر حتى نحسن التواصل معه جلباً للمنفعة ودفعا الى المضرة .

من ضمن هذه الآفاق يمكن ان نتفهم الكتاب الذي نقف بأزائه وهو كتاب المثقف سهيل فرح ، الحضارة الروسية "المعنى والمصير "، الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون ، في طبعته الاولى ،2017م .

بنية العمل

العمل يبدو بنية متماسكة في تاريخ الأفكار تتنوع فيه الحقول الثقافية والحضارية بين فلسفة التاريخ  والنقد الثقافي والحضاري ، والنقد الاستراتيجي ، وهذا يتجلى في الفصل الاول الذي حمل عنوان :"الروس وجبروت المكان " فهو هنا يتناول إحدى مقومات الحضارة الروسية من خلال أثر المكان في الشخصية للشعب الروسي كمثال لتحديات المكان واستجابات الروس لها وهو ما يترك أثره عميقا في الصراع مع الطبيعة وأثرها في الهوية الثقافية والحضارية للروس من ضمن جدلية التحدي والاستجابة في مجال دراسة العلاقة الطبيعة والثقافة يؤكد : (إن المناخ والأدب والغذاء مثلث عوامل لها تأثيرها المباشر ليس على جسد الإنسان فحسب ، بل ايضاً على نفسيته ، وطباعه و ذهنيته ، ومجمل أنماط سلوكياته العملية في الحياة )( ص15)، وهذا ما جاء في مباحث الفصل التي حملت العناوين الآتية :( لمدى الجغرافي )، (وخصائص الطبيعة )، (وحدة طبيعة )، (سلطة المكان وقوة الشكيمة )، (جغرافية الروس الروحية) ، يظهر واضحاً أنّه يعتمد على فلسفة التاريخ في تحليل العلاقة بين المكان وأثره على الهوية الحضارية والثقافية . ويصل الى نتيجة مفادها ((فالإنسان الروسي هو ابن مكانه وزمانه الأوراسي ...))(23ص) معتمدا على كلام "فرناند بردويل" بقوله : ((إن كل تاريخ فاعل للإنسان يخلق نوعاً من السكان ونوعاً من المشهد الطبيعي ، ويكفي معه بقاء بلا pays ما )).(ص29)

أما الفصل الثاني فقد حمل عنوان "اسئلة التاريخ " اذ يستعرض في هذا الفصل الهوية الحضارية للروس ، ويطرح سؤال هل هي تمتلك حضارة متميزة عن غيرها ؟ ويحاول أن يجد اجابة عن هذا السؤال لدى أحد مؤرخي تاريخ الأفكار الروس الذي اجاب " هي حضارة في طور التكوين "(ص53)ثم أنه يمضي جامعا بين فلسفة التاريخ والحضارة من خلال فروع أساسية جاءت في عناوين المباحث :  (روسيا في سياق النظريات الحضارية )، (إشكالية التاريخ الروسي)، (فلسفة التاريخ الروسي).

وهو هنا من خلال استعراضه مكونات الحضارة الروسية إذ يلتمس هيمنة الجانب الروحي على العلمي بقوله : ((من خلال إضفاء البعد الروحي على الشخصية الحضارية الروسية ... متمثلة بثنائيات الخير والشر و الصراع بينهما ، وأولوية الخلق الإلهي على النظريات التطورية والمادية الأخرى.))(ص54)

أما في تناوله للإشكالية التاريخية في الحضارة الروسية ، يؤكد هنا نقلا عن دانيا لفسكي (كان الشعب الروسي هو الوحيد ، بين تلك الشعوب الذي تمكن من ان ينجز استقلاله الذاتي و يحافظ عليه ).(ص63)وهو هنا يؤكد على احدى النتائج ، فالسيناريوهات التي يطويها كل وعي تاريخي  لنفسه ترجع إلى خياره الايديولوجي وتصوراته عن العدالة ، علماً بأن الموقف من العدالة تتغير مفاهيمه مع الزمن ، وبالآتي فان السيناريو التاريخي للأحداث التاريخية المتنوعة ، يكون مختلفا بالنسبة إلى الإنسان نفسه .)(ص73) .

أما الفصل الثالث حمل عنوان "البعد الديني للشخصية الروسية "، فقد تناول فيه دراسة اثر الدين في تشكل الهوية الروسية من خلال اجراء حفريات في المعنى والدلالة للروس ثم دراسة المكونات الاثنية ،إذ  يستعرض لأكثر من رؤية في أصل الروس الا إنه في النهاية يقول : ((لعل الرؤية الأقرب إلى الحقيقة التاريخية هي تلك التي تقول ، بأن كل التاريخ الروسي هو تاريخ النماذج مع الشعوب والإثنيات الأخرى ...)(ص95)أي انه متواشج مع شعوب المنطقة .على المستوى العراقي اما على المستوى الثقافي وخصوصا الدين نجده يقول :((الظاهرة الدينية تمتد لتشمل ليس فقط المؤمنون بالأديان الكلاسيكية : المسيحية والإسلام واليهودية والبوذية بل فئات اختارت الإيمان بمذاهب أخرى متنوعة )) (ص109) وعن موقف الكنيسة يقول : ((ردا على رغبات بعض الأحزاب في سبيل توظيف رصيد الكنيسة لمآربها السياسية كان إعلان البطريرك ، عن عدم رغبة من إقحام الكنيسة في الشأن السياسي . )(ص109) أما عن تواجد الاسلام فإننا نجده يصف تواجد الاسلام بالقول (إن المجموعة الإثنية التركية التي تحتل المرتبة الثانية  من حيث الحجم انضوى معظم مؤمنيها تحت لواء المذهب السني )(ص132)

وقد تناول ، الهوية وحضور الخطاب الكنسي المسيحي الارثوذكسي الى جانب الاسلام ، وهذا ما جاء في عناوين مباحث الفصل :  (روسيا الكلمة والمعنى )، (التركيب الاثنية )، (الدين في المجتمع الروسي السلطة والكنيسة أنموذجا )، (الكنيسة الارثوذكسية والصراع على الهوية الروسية )، (دور الإسلام في التركيبة الروسية ).

فضلاً عن كونه يجمل ما تقدم في توصيف حال روسيا اليوم بعد زوال الخطاب السوفيتي ، روسيا اليوم حلة توتر بفعل التحول المفاجئ ايديولوجيا ((فلم يعد الانتماء منحصرا في ايديولوجيا واحدة ولا اقتصاد واحد .))(ص137)

اما الفصل الرابع :"العقلية الروسية (معالمها النظرية والحياتية )" يبدو أن هذا الفصل يحاول أن يتناول دراسة التكوين النفسي من زاوية شمولية تحاول ايجاد توصيف للعقلية الروسية من خلال دراسة السلوك الجمعي بما يجمع بين الجانب النفسي معيار الجماعة الثقافية وفلسفة التاريخ ، وهذا ما يمكن ان نستشفه في مقاربته النقدية الوصفية التي يقدمها بوصفه مؤرخاً للأفكار ، وقد تجلت في عناوين المباحث الاتية : ، (العقلية الروسية بأي معنى )، (السلوك النفسي عند الروس) ، (القيم الروسية ،" نظرة من الداخل ") ،(طرق إدارة المدى والاقتصاد ) .

الفصل الخامس : الذي عنونه بـ"الطاقة الإبداعية الروسية بوشكين " وقد تناول به أهم مبدعي الروس واسهاماتهم الابداعية في الروح الجمعية الروسية مثل : الشاعر الأكثر تقربا إلى الوجدان الروسي دوستويفسكي وفكرة روسيا إيلين والروح الروسية الخلاقة ، فرنادسكي وحكمة الروس ، سوروكين الروسي الذي شعّ في الغرب والشرق .

ومثل هذه الروح كما تجسدت في بوشكين ((في لغته الشعرية الواسعة المدى ، والعميقة الجذور في وجدان الروسية كان لها الدور البارز في تشكيل المخيلة الجمالية .))(ص196)

اما دوستو يفسكي(197) فلم يكن أديبا من الطراز الأول فقط بل هو باحثٌ نفسيٌ ومفكرٌ فيلسوفٌ روسيٌ خالصٌ .(ص197)

أما الفصل السادس : فقد كان عبارة عن دراسة سياسية استراتيجية ، او ما يدخل في خانة المستقبليات بعنوانه :"الجيوبوليتيك و الطاقة الروسية " فقد تناول المباحث الاتية  : (الجيوبوليتيك الروسي بين الشرق والغرب )،(الإنتلجانسيا الروسية ، ماهيتها ووظيفتها ) ،(طاقة البناء والهدم في المثلث الروسي ).

يؤكد مهمة بحثه هنا على (توخي استخلاص بعض ملامح القوة والضعف في الجيوبوليتيك الروسي . ومن البداهة الإقرار بأن المجال لا يسمح هنا بتناول كل هذه العوامل )(ص256) ومن هنا يستعرض أحد المشاكل المتكونه في هذا الحقل إنها حالة البلطيقية المعادية لروسيا وقد وجدت الأخيرة نفسها في وضع لا تحسد عليه من تنامي التوتر الدائم مع حلف الأطلسي . بيد أن مجمل سياستها المتبعة مع جمهوريات البلطيق ، لم يغلب عليها في الحقيقة أي طابع ثأري . لقد حرصت من جهة على تقديم الدعم المعنوي للسكان الروس هناك ، وقامت من جهة أخرى باتباع سياسة الدبلوماسية الناعمة . (ص272)

اما الفصل السابع والذي تناول دراسة نقدية لعوامل التعثر التي انتاب الحداثة في روسيا مقارنةً مع غيرها من الدول الغربية بعنوان :"روسيا بين تعثر العصرنة وتحدي العولمة "وقد طرح فيه السؤال الآتي : (لماذا تعثرت العصرنة ؟)،و (الحضارة الروسية في زمن العولمة الثقافية ).وفي هذا الفصل يؤكد :( على أساس الحوافز الذهنية والثقافة والمادية ، يبرز مفهوم " النموذج " الأكثر تطوراً والآخر المحاكي له ؛  وتدور عجلة الحياة بين الحضارات والشعوب والمجموعات من أجل أن يلحق المتأخر بالمتقدم ، أو يتنافس في هذا الحقل أو ذاك .وتاريخ الحضارة ، في هذا السياق ، يتكون من العلاقات المتبادلة بين النماذج الأكثر تطورأ أو تقدماً و النماذج الأضعف .) (ص311)

اما الخاتمة:  فقد تمركزت على نتائج الكتاب ؛ إلا إنها انفتحت على آفاق المستقبل :"عبر التاريخ والمصير الروسي" أقامها على ثلاثة اسئلة هي جامعة بين كونها خلاصة الكتاب وانفتاح أفقها على المستقبل وقد تمركزت على معطيات فلسفة التاريخ والحضارة والمستقبليات ،(عبر التاريخ والمصير الروسي)،(الحركة الدورانية لتاريخ الحضارة الروسية )،(المؤشرات لتطور الحضارة الروسية .).

إذ يؤكد في هذا الموضع على فكرة تقول بأنّ الفكر الروسي عندما بدأ  يهتم بدراسة الحضارة الروسية والعالمية  على وفق معرفية مستقلة ،فإنه كان يقر بالتنوع الحضاري المرتكز على مبدأ التواصل بين الحضارات العالمية بأسرها .(ص338)

       د. عامر عبد زيد الوائلي - خاص بالموقع