الجزء الثالث: بطرس الأكبر وشرارة الاستشراق الروسي

          يعتبر القيصر بطرس الأول أهم الشخصيات الروسية التي لعبت دوراً مميزاً في الصعود بروسيا على المستوى الجيوسياسي والجيواستراتيجي الى الساحة السياسية الدولية. ولقد كان بالفعل من القياصرة القلائل الذي تمتعوا برؤية شمولية متنورة للسياسة والعلم والثقافة والجيش، وبفضله انتقلت روسيا من مرحلة التخلّف الى مرحلة الانفتاح على العلم والتطوّر والتقدّم الاجتماعي. ولعله، هو وأنصاره، قد ساهموا في دفع روسيا نحو الغرب، حيث تعرّفوا على المعالم الحضارية والعمرانية والعلمية والثقافية. إن طموحات بطرس الأول لمعرفة الغرب والشرق على حد سواء، جعلته يفكّر في تأسيس مراكز علمية متخصصة في كافة العلوم. ولما لم تكن الكوادر العلمية الروسية متوفّرة عندئذٍ، فلقد استعان بأوروبا. ومن هنا، نفسّر سبب دعوته للفيلسوف لايبنتز، واختياره له مستشاراً في الشؤون العلمية والسياسية والفلسفية والعلمية، فهو الذي اكتشف في علم الرياضيات حساب التكامل. وكان محامياً بارزاً ومؤرخاً وديبلوماسياً وعالماً في المنطق والفيزياء. ولقد لعب دوراً نشطاً في الحياة العلمية السياسية في معظم العواصم الأوروبية. وكان مقبولاً لدى معظم أمراء أوروبا وملوكها، لأنه حاول التوفيق بين الكاثوليكية والبروتستانتية وحتى الأرثوذكسية، وقدّم فلسفته التوفيقية على اساس لا يستطيع أن يقف ضدها أحد. ومن هنا سبب اختيار القيصر الروسي له، ليكون أحد أبرز مستشاريه الذي استفاد منه في رسم الخطة العامة لأكاديمية العلوم الروسية.

كما أن القيصر الروسي أبدى اهتماماً خاصاً بالشرق وتراثه، وبالذات الإسلام منه، لأنه كان يرى فيه فلسفة ومنهجاً يسير على ضوئها رجالات الحكم في المناطق الإسلامية. لذا، فلقد عيّن الأمير الملدافي الأصل، الاختصاصي في قضايا الشرق الإسلامي مستشاراً له في قضايا الشرق كانتمير (1673-1723) الذي أدخل الى روسيا أول مطبعة ذات حروف عربية (19)، إذ بواسطتها تمكن القيصر من طباعة أول بيان روسي موجه الى المناطق الواقعة تحت السلطنة العثمانية، وذلك في (13 تموز / يوليو 1722). والمستشرق كانتمير، كان من اوائل المستشرقين الروس الذين أعطوا صورة موضوعية عن الشرق والأسلام. ففي بحثه المكتوب باللاتينية تحت عنوان “ De religion et statu Imperii” (20)، والذي ترجمه الى الروسية ألينسكي، قام المؤلف بإعطاء صورة علمية سلّطت الأضواء على ظروف النشأة التاريخية لمحمد، وبعدها يتناول كيف أن الأتراك حاولوا توظيف الإسلام لمآربهم السياسية الخاصة. وكان الهدف الأساسي من وراء نقل هذا الكتاب الى الروسية هو تعريف القيصر الروسي بالإسلام وتركيا بالذات. وبهذا تكون قد فتحت صفحة جديدة في تاريخ الاستشراق الروسي عنوانها أربعة أهداف :

          الأول : تحضير كوادر روسية اختصاصية في الشرق.        

الثاني: تأسيس مدارس وبالتالي معاهد لتعليم اللغات الشرقية ولدراسة الحضارات الشرقية.

الثالث : جمع المخطوطات والمسكوكات والآثار الشرقية في أماكن مخصصة لها .

الرابع : ترجمة الأدبيات الأوروبية عن الشرق، وبداية التحقيق في المخطوطات الشرقية.

          وكخطوة أولى، أرسل بطرس الأول، أربعة شبان الى ايران لتعلم اللغات الشرقية – الفارسية والتركية والعربية، وذلك بتاريخ (14 شباط/فبراير 1716). ولم يعرف ماذا كانت نتيجة هذه البعثة العلمية الأولى (21). وأمر أيضاً ببناء متحف خاص للاحتفاظ بكافة المخطوطات والآثار العربية، ومن مسكوكات ونقوشات عربية على الصخور وبعض الزخارف الأخرى التي تم العثور على بعضها في منطقة الفولغا، ويرجع تاريخها الى عامي (670 و 746 م) (22) .

 ولعل الحدث العلمي الأهم في نشاط الهيئات الأكاديمية الروسية في أوائل القرن الثامن عشر، هو ترجمة الدكتور بيوتر بوستيكوف للقرآن في عام (1716) عن الترجمة الفرنسية التي قام بها المستشرق الفرنسي ديوري في عام (1647)، ولقد كان عنوان الترجمة الروسية " القرآن ومحمد أو قانون تركيا ".

          هذا رغم القرار الذي صدر عن القيصر بطرس الأول بتأسيس قسم خاص في أكاديمية العلوم الروسية، يهتم بدراسة الحضارة الإسلامية العربية وبتهيئة الكوادر العلمية لذلك، فإن هذا القرار لم يتحقق إلا بعد وفاته؛ ولقد بوشر بتعليم العربية في مدارس ثانوية اشرف عليها عدد من المستشرقين اليونانيين والألمان. وشهدت دراسة اللغات الشرقية والسامية وجود تيارين، الأول : كان يهدف الى إحياء اللغة العبرية واللهجات العربية الأخرى والثاني : أصر على تعليم اللغة العربية كلغة مستقلة، على أن يُعطى لها الأولوية. وكان التيار الأول يهدف، على حد قول كراتشكوفسكي، الى إحياء الخرافات التوراتية التي كان يروج لها معظم المستشرقين الغربيين. وهذا لم يبرز في الربع الأول من القرن الثامن عشر إلا مستشرقان، كان لهما أثرهما الملحوظ على مسيرة الاستشراق الروسية، وهما : ز.ت.باير (1694- 1738) وغ.ي.كير (1692 – 1740)، اللذان عمدا الى إدخال بعض الكلمات العربية الى الروسية، وقاما بكشف خصائص الحرف الكوفي على (18) قطعة نقدية عربية. ولقد أثبت كير خطأ النظرة الشائعة آنذاك بأن الحرف الذي يستعمله العرب لم يكن من صنعهم، بل إنه جاء إليهم من الهند. وفي العام (1737)، طلبت منه أكاديمية العلوم الروسية إعداد كاتالوج عن صناعة علم المسكوكات الشرقية؛ وقام بالفعل بإعداد مجلدين عن المسكوكات الشرقية – العربية والفارسية والتركية والتترية والكازاخية وغيرها (23). وكان هذان المجلدان الوحيدين من نوعهما في الأدبيات العلمية الروسية، وهما يرتديان أهمية علمية وتجارية في الوقت نفسه. فمن خلالهما تعرّف الروس على فن وصناعة المسكوكات الشرقية وعلى ظروف نشأتها وتاريخها، أضف الى ذلك أهمية التعرف على القيمة لهذه العملات ومكانتها بين العملات الأجنبية.

لقد طمح كير أن يكوّن جيلا ً من المستعربين والمستشرقين، وبالفعل فلقد بدأ بتدريس ستة من الطلاب كانت قد أرسلتهم اليه الأكاديمية السلافية – اليونانية – اللاتينية في موسكو. بيد أنّ وزارة الخارجية الروسية لم تفسح لهم المجال لمتابعة الدراسة، وهذا ما يشير اليه كراتشكوفسكي. لقد أُعفي أربعة منهم من الدراسة، وأرسل الأخران الى ايران. وحاول أن يقنع المسؤولين باستحداث قسم خاص لأكاديمية العلوم الروسية، أي إحياء فكرة بطرس الأكبر. إلا أن أفكاره كانت كثيراً ما تجابه بالرفض، لأنهم كانوا يعتبرونه " ذلك الرجل الغريب الأطوار الذي يعتبر قراءاته العلمية الشرقية قوق كل شيء" (24)

 

الحواشي

1- ىساخاروف. أ. ن: " ديبلوماسية روسيا القديمة – مسائل في التاريخ "، عدد 6 – موسكو 1976، (ص66)

2- حول هذا الموضوع راجع : باشوتاف. ت : " السياسة الخارجية لروسيا القديمة"، تاريخ الاتحاد السوفياتي، عدد 3 – موسكو 1967 ،(ص75 – 79)

3- شمورلا .ي: " الشرق والغرب في التاريخ الروسي " – يورييف 1895، (ص 3- 4)

4- الجاس سليمانوف : أسيا وأنا – ألماتا 1975،(ص153)

5- ليخاتشوف .د: " شاعرية الأدب الروسي القديم " – موسكو 1977، (ص20)

6- راجع فيخنرم، ف. تجارة الحكومة الروسية مع بلدان الشرق – موسكو 1956، (ص10 – 41)

7- راجع كراتشوفسكي، ي،أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " – موسكو لينيغراد 1950، ( ص 15 – 20) وكريمسكي أ. ي. : " تاريخ العرب والآداب العربية الدينية والدنيوية "؛ الجزء الثاني – موسكو 1912، (75 – 83).

8- كريمسكي أ. ي.، (المرجع نفسه )

9- راجع دانتسنغ ب.م.: " الشرق الأوسط في العلم والآداب الروسية " – موسكو 1973، (ص10- 41)

10- راجع، كراتشوفسكي : " حول ترايخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق) (ص20-21) ودانتسنغ،ب.م :من كتاب " خواطر حول تاريخ الاستشراق الروسي " - دار نشر العلم، موسكو 1953، (ص 186 – 220).

 11- دانتسنغ،ب.م : من كتاب " خواطر حول تاريخ الاستشراق الروسي " (مرجع سابق)

13- كراتشوفسكي، ي،أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق) (ص35)

14- راجع، بريسلكوف م.د. : " خواطر حول التاريخ السياسي للكنيسة الروسية الكييفية، بين القرن العاشر والثاني عشر " – بطرسبوغ 1913، (ص 34– 27).

15- راجع كراتشكوفسكي، ي،أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق) (ص30)

16- المرجع نفسه (ص 25)

17- المرجع نفسه (ص 27-28)

18- المرجع نفسه (ص 30)

19- المرجع نفسه (ص 31)

20- راجع، برتولد ف.ف. : " المؤلفات "، المجلّد التاسع – موسكو 1977، (ص28).

21- كراتشكوفسكي، ي،أ : " حول تاريخ الاستعراب الروسي " (مرجع سابق) (ص30)

22- برتولد ف.ف. : " المؤلفات "، المجلّد التاسع ،(مرجع سابق )(ص 29)

23- كراتشكوفسكي : " تاريخ الاستعراب الروسي" (مرجع سابق) (ص 38)

24- دانتسنغ،ب.م ." حول تاريخ دراسة الشرق الأوسط في روسيا في النصف الأول من القرن الثامن عشر " من كتاب " من تاريخ الاستشراق الروسي " – موسكو 1956 ،(ص 395 – 412).