رغم المرونة التي أبداها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية تجاه روسيا، حيث أشار في كلمة ألقاها يوم 1 أغسطس/آب، أمام أنصاره في مدينة كولومبس بولاية أوهايو الأمريكية، إلى أنه سيدرس إمكانية الاعتراف بالقرم جزءاً من الأراضي الروسية، في حال انتخابه رئيساً، وأعرب عن اعتقاده بأنه إذا حاولت واشنطن مساعدة أوكرانيا في استعادة القرم من روسيا بالقوة فقد يؤدي ذلك إلى حرب عالمية ثالثة. فإن الأمر لم يكن يسيراً على ترامب حتى لو كان راغباً حقاً في التفاهم مع موسكو، وأدت الضغوط الداخلية والخارجية القوية إلى تلجيم خطواته باتجاه روسيا، ليستمر التوتر السمة السائدة على العلاقات الأمريكية الروسية رغم الدفء الذي بدا في علاقة الرئيسين ترامب وبوتين على هامش قمة العشرين في يوليو/تموز ثم قمة منتدى التعاون الاقتصادي لمنطقة آسيا والمحيط الهادي (أبيك) بفيتنام في نوفمبر.
إن رحيل إدارة أوباما لم يغير كثيراً من واقع العلاقات الأمريكية الروسية، وتعددت القضايا والعوامل المحفزة للخلاف والتوتر بين البلدين. وجاءت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي أصدرها ترامب في 18 ديسمبر/كانون الأول لتؤكد على أهمية توسيع النفوذ الأمريكي في العالم، معتبرة أن دور روسيا الدولي يمثل تهديداً للولايات المتحدة، مستخدمة مصطلح «الدول التحريفية» للإشارة إلى روسيا والصين اللتين تحاولان تغيير الوضع الراهن، أو «القوى المراجعة» التي ترغب في خلق عالم لا يتوافق بالضرورة مع المصالح والقيم الأمريكية، معتبرة أن موقف روسيا من أوكرانيا وجورجيا هو «لتغيير الوضع الراهن في أوروبا إلى اتجاه غير إيجابي». 
واستراتيجية الأمن القومي الأمريكي على هذا النحو جاءت كاشفة، وليست مؤسسة، لتوجهات السياسة الأمريكية عامة وتجاه روسيا خاصة، فقد أفصحت الوثيقة عن حجم المخاوف الأمريكية إزاء العودة الروسية، وأن التنافس بينهما في الملفات المختلفة ومنها أوكرانيا هي تناقضات هيكلية ممتدة بين الولايات المتحدة، باعتبارها القوة التي هيمنت منفردة على مقاليد النظام الدولي على مدى أكثر من عقدين، والقوى العائدة ممثلة في روسيا، ومعها تلك الصاعدة ممثلة في الصين، واللتان تحاولان معاً حلحلة النظام أحادي القطبية الذي تتربع الولايات المتحدة على قمته.
وتعد أوكرانيا قضية مفصلية في هذا الإطار، فخروج الولايات المتحدة منتصرة في الملف الأوكراني بضمها لحلف شمال الأطلسي، يمثل إنجازاً استراتيجياً غير مسبوق وذلك بوقوف ترسانة الحلف العسكرية على الحدود الروسية المباشرة ودون أي منطقة عازلة، وفي دولة طالما اعتبرتها روسيا امتدادا استراتيجيا وثقافيا وتاريخيا لها. وهو ما لا تتصوره روسيا، ولا يمكن أن تسمح به باعتباره تهديدا مباشرا لأمنها القومي من وجهة نظر موسكو. وفي ضوء ذلك تحتدم المنافسة والمواجهة الأمريكية الروسية باعتبارها تؤشر لمستقبل النظام الدولي والمكانة الأمريكية به.
في هذا السياق حظيت قضية التسليح الأمريكي لأوكرانيا باهتمام بالغ من الطرفين، حيث ترى واشنطن في تعزيز القدرات الأوكرانية خطوة هامة لدعم أهدافها. وكشفت شركة AirTronic USA الأمريكية، على لسان رئيسها ريشارد فنديفر، أنها تقوم بتوريد راجمات قذائف PSRL إلى أوكرانيا منذ عام 2016، حسبما أفاد موقع «صوت أمريكا» الناطق بالأوكرانية، مؤكداً أنها تتمتع بمدى محدود لإصابة الهدف، ولن تستخدم إلا لأغراض دفاعية بحتة حيث أوضح فنديفر: «أن PSRL نوع من السلاح الفتاك، لكنه سلاح فتاك دفاعي، وأن هذه الأسلحة ليست أنظمة صاروخية خطيرة، حيث لا يتعدى مدى الإصابة لديها ألف متر»، معتبراً أن هذه التوريدات لا تتعارض مع اتفاقية مينسك بشأن تسوية الأزمة الأوكرانية، والتي تم التوصل إليها في فبراير/شباط عام 2015. 
وكان الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو قد أعلن في سبتمبر/أيلول الماضي عن عزم الولايات المتحدة تزويد بلاده بأسلحة فتاكة «ذات طابع دفاعي»، وأن الكونجرس الأمريكي وافق على تخصيص نصف مليار دولار لهذا الغرض، وأنها «المرة الأولى التي يتم فيها تزويد أوكرانيا بوسائل دفاعية مثل رادارات، ووسائل دفاع جوي، ووسائل مراقبة التحركات البحرية، ووسائل مضادة للألغام البحرية، وسفن ساحلية، وسفن خفر سواحل»، يضاف إلى ذلك السماح «بمعالجة وتأهيل جرحى القوات المسلحة الأوكرانية في مؤسسات الولايات المتحدة الطبية».
وفي المقابل عبرت روسيا عن قلقها من تزويد كييف بأسلحة فتاكة، وأن يكون ذلك مقدمة لتعاون عسكري أمريكي- أوكراني واسع النطاق، حيث أشار سفير أوكرانيا لدى الولايات المتحدة فاليري تشالي عن أمله في أن تبدأ واشنطن بتوريد سلاح أشد فتكا إلى أوكرانيا في وقت قريب، كما أعلن رئيس هيئة الأركان الأوكرانية، فيكتور موجينكو، نهاية نوفمبر/تشرين الثاني، أن كييف أرسلت إلى واشنطن قائمة بالأسلحة اللازمة للجيش الأوكراني تتضمن منظومات دفاع جوي، ووسائل استطلاع وتتبع المجال الجوي، وأسلحة مضادة للدروع، ومعدات وتقنيات للحرب الإلكترونية.
وتتخوف موسكو من أن الأسلحة التي تقوم واشنطن بتزويدها لكييف قد تشجع الأخيرة على الإقدام على عمل عدواني مباشر على روسيا في القرم أو في شرق أوكرانيا لتوريط روسيا. وفي إمكانية توظيف هذه الأسلحة في استئناف الحملة العسكرية لإخضاع شرق أوكرانيا، خاصة جمهوريتي لوجانسك ودونيتسك اللتين أعلنتا استقلالهما من جانب واحد، الأمر الذي يعقد عملية التسوية المجمدة منذ اتفاق مينسك. وقد تدفع كييف للتهور في عمل ضد روسيا، وكان النائب السابق لرئيس الأركان الأوكرانية الفريق الاحتياطي إيجور رومانينكو قد أعلن أن جسر كيرتش الذي تقوم روسيا ببنائه لربط القرم بروسيا معرض من وجهة النظر العسكرية للغارات الجوية والضربات البحرية والبرية، وهو ما اعتبرته موسكو تهديداً مبطناً من جانب كييف لروسيا، ويمر الجسر المذكور عبر خليج كيرتش ليربط القرم بمقاطعة كراسنودار الروسية، وسيكون أطول جسر في روسيا، وسيبلغ طوله 19 كيلومترا، ومن المخطط أن تبدأ حركة السيارات فيه في ديسمبر/كانون الأول 2018، وحركة القطارات في ديسمبر من العام التالي.
على صعيد آخر، حذر نائب وزير الخارجية الروسي، جريجوري كاراسين، من حصول إرهابيين في الشرق الأوسط على أسلحة فتاكة تسلمتها كييف من الولايات المتحدة وكندا، وأن تكون كييف مجرد معبر لهذه الأسلحة لتستقر في يد الإرهابيين الذين تواجههم روسيا في سوريا، ومنطقة الشرق الأوسط.
إن أوكرانيا حلقة مهمة في دوائر التنافس الأمريكي- الروسي، والتي ستكشف عن واقع توازنات القوى ليس فقط في أوروبا ولكن على الصعيد العالمي، ومدى قدرة الولايات المتحدة على البقاء منفردة في صدارة العالم.
الخليج: ٤-١-٢٠١٨