وكأن فوكو ينطق بحفرية لسانية من رسوبيات هذا المعجم. استدار والتف لكي يستحوذ أو يقبض على شيء، لكي يسوره، يحيط به، يحفظه ويصونه. وكأن التحديق يأتي للحماية أو للتعيين مثل سور أو ساتر، أو غطاء. فالحديقة إذن لا تسمى حديقة بدون سور، فهي كالمرأة لا تصبح امرأة بدون تحديق. أما في أكسفورد فيأتي الفعل gaze مرة بوصفه نظرة حادة stare، ومرة gawk نظرة طويلة تنم عن غباء، مثل نظرة السائحين للمشاهد المحلية وهو ما يعرف بالنظرة السياحية التي تعكس اختلاف المكانة الاجتماعية والحضارية، وأيضًا تأتي للدلالة إلى نظرة وقحة أو فضولية، ويشير Michael Argyle إلى إن لفظة gaze قد تشير إلى النظرة الملحقة peripheral وهي

النظرة التي تلحق الآخرين ضمن مجال الرؤية، ولا تركز على الرأس والوجه، بل على الجسم كله.

وخبرات النساء تضيء ما يشير إليه معجم أكسفورد، فهن خبرن بشكل جيد كيف يستقبلن نظرات الرجال في المجال العام سواء في الشارع أو في المواصلات أو في الميادين أو في العمل. وقد عبرت نساء كثيرات على الارتباك الذي يصيبهن والتوتر الذي يلحق بهن بسبب هذه النظرات المتفحصة والمراقبة، ويتحدثن عن ذلك في صيغ بلاغية من قبيل "حسيت كإنه بيعريني، أو كأني ماشيه عريانة" أو "رجلي خبطت في بعضها"، وهناك بعض النساء يرددن بأنهن يشعرن بالنظرات التي تأتيهن من الخلف، فيتوقفن فجأة لكي يمر من كان يحدق بهن. والنساء يصنفن الرجال تبعًا لنظراتهم، ففي فيلم سارق الفرح لدواد عبد السيد عبرت الشخصية التي لعبتها لوسي عن هذه النظرات، فقالت:

فيه نظرة تحسيها بطبطب عليك ونظرة تحسيها زي الزيت على جسمك، وفي نظرة تبقى عايزه تنهشك.

ولا يرتبط التحديق هنا بالوقاحة والغباء فقط ولكنه يرتبط أيضًا بالانتهاك والإهانة، فلقد تحولت النساء إلى موضوعات جنسية وفتشية. فالرجال لا ينظرون إلى المرأة بوصفها ذاتًا ولكن باعتبارها فريسة أو شيئًا ينبغي السيطرة عليه، يحضرن بوصفهن موضوعات للقنص. وتشير ريتا فريدمان في أسطورة المرأة بأن التحديق في الفتيات ومعاكسات الشوارع والصفير يؤدي إلى إدامة الاعتقاد بأن مظهر المرأة ملكية عامة وأن تشييئها أمر مشروع. (وما حدث في أيام عيد الفطر مؤخرًا وتداولته الصحف والمدونات مثال صارخ على التحديق الذي يستثمر جسد المرأة إلى ما لانهاية. هذه الحشود التي هرولت باتجاه النساء في الشوارع هي نفس الحشود التي استخدمها النظام في انتخابات الرئاسة 25 مايو 2005 وانتهكت النساء في الشوارع وفي وضح النهار فيما عرف بالأربعاء الأسود).

الدولة أيضًا تحدق

لا تظهر الدولة كتجسيد لعقد اجتماعي كما هو الحال في أوروبا، حيث الميلاد والنشأة، بل كمشروع أبوي بامتياز، خليط فذ من البطريركية والحداثة الزائفة، ربما بتعبير هشام شرابي "أبوية مستحدثة". في هذا المجتمع الأبوي المستحدث، حسب شرابي،

يهيمن جهازان متوازيان، عسكري- بيروقراطي وبوليسي سري، هذا الأخير يتحكم بشئون الحياة اليومية، فيقوم بضبط مجريات الأمور المدنية والسياسية.

وبناء على ذلك يتحرك المواطن وهو يشعر بعين ترصده، بأنه مراقب، فهناك جيش من المحدقين أو "البصاصين" يزرع الطرقات والمواصلات وأماكن العمل والترفيه وأدوار العبادة. فهل كان اختراع أوراق الهوية من أجل تسيير عملية المراقبة والتحديق، أم جاء التحديق من أجل تثبيت الذات وتشكيل هوية؟

 

قد عملت الدولة، عبر تحديقها في الحركات النسوية، على إنتاج ما أطلق عليه "نسوية الدولة"، حيث قامت الدولة بصياغة مطالب نساء الطبقة الوسطى اللواتي احتشدن من أجل الحق في التصويت والترشيح عام 1956، وفي نفس العام تم حل الاتحاد النسائي وإلحاقه كمكتب في الاتحاد الاشتراكي. لقد وسعت نسوية الدولة مكاسب نساء الطبقة الوسطي وذلك في مقابل إدماجهن في المشروع الوطني،

وقد أدى اعتماد النساء المصريات على الدولة - المساندة لهن شكليًا - إلى ترك القوانين البطريركية كما هي خاصة في الأسرة،... الأسوأ أن نسوية الدولة أسست لممارسات بطريركية جديدة في المجال العام. (ميرفت حاتم).

وترى مان Mann أنه بحصول النساء على حقوق قانونية فإن شكل السلطة الأبوية في الدولة الحديثة قد تطور ليصبح سلطة أبوية جديدة neo-patriarchy. ووفقًا لشرابي ومان تقترح ولبي Walby:

رصدًا متعدد الجوانب للسلطة الأبوية فتفرق بين شكلين أساسيين للأبوية من منطلق العام والخاص، فالسلطة الأبوية الخاصة تعتمد على الاستبعاد النسبي للنساء من مجالات الحياة الاجتماعية بخلاف المنزل وكذلك الاستيلاء على خدماتهن من قبل بعض أفراد يتمتعون بسلطة أبوية داخل حدود البيت، في حين تعتمد السلطة الأبوية العامة على عنصري التوظيف والدولة، حيث لا يتم استبعاد النساء من المجال العام وإنما يتم إخضاعهن داخله.

لقد اتخذت الدولة من حضور النساء وسيلة لنيل التأييد وكسب المشروعية، وأيضًا علامة على حداثتها. وهناك من رأى أن هذه التعبئة العامة فرصة لولوج النساء إلى المجال العام ونيل حقوقهن، وأن هذه التعبئة بمثابة "الباب المفتوح". ولكن سرعان ما اكتشفن أن هناك من يمسك بالمفتاح وبيده قوانين اللعب في هذه الساحة. هناك خلف الباب دهليز يقود إلى متاهة أبوية، وهذه المتاهة تحيط بكل الجسد وتسيجه، لا من أجل استثماره ودمجه في قوة العمل ولا من أجل إخضاعه وحسب بل لكي يعكس صورة النظام. وهنا تصبح النساء مرآة حداثته ومشروعه في التنمية، مثلها مثل صورة مولد كهرباء أو أية آلة حديثة.

إذا كان الخطاب القومي أضعف قدرة النساء على تطوير خطاب نسوي خاص بهن مقابل بعض المكاسب التي نالتها نساء الطبقة الوسطى، خاصة مع استبعاد تام لنساء الريف، فحقبة السادات ومبارك ألقت بهن إلى تحديق ذكوري للنيل من مطالبهن وأيضًا لدعم قدرة الدولة التفاوضية مع هذه الجماعات الذكورية السلفية، ولكنها لم تترك الحقل بكامله لحرث السلفيين بل سعت إلى سيطرة أخرى وذلك عبر تشريعاتها ووزاراتها ومجالسها القومية واحتفالاتها. إن المرأة التي تستجيب لتحديق الدولة، أي التي تحيا وفق شروط الدولة/الذكر/الأب، يتم تكريمها، مرة بوصفها أمًا مثالية، أو امرأة فاضلة،...الخ، يتم تكريمها لأنها لعبت دورًا في خدمة المجتمع الأبوي واستجابت لتقاليده وظروفه الخاصة وأنجبت له رجالاً..الخ . (يتبع)

 

المصدر : الحداثة وما بعد الحداثة: ٢-٧-٢٠١٧