رجال العوامة قوادون بالفطرة. ورجب القاضي – الممثل، هو القواد الرئيسي وإن لم يكن يمارس القوادة على طريقة محجوب عبد الدايم وفرج إبراهيم. كل نساء العوامة مروا عليه في البداية، ثم ورَّثهم لبقية الأصدقاء. وعندما جاء بطالبة كلية الآداب سناء الرشيدي، ثم بدأت العلاقة تفتر مع ظهور سمارة بهجت، بدأ الأصدقاء نساء ورجالا يسألون عن الوريث القادم لسناء. وعندما خرج رجب القاضي، قالت سنية كامل ببساطة مذهلة "وإذا وقع المحظور، فعندك مصطفى وأحمد". النساء هنا يشاركن في عملية التوريث التي مررن هن بها بأنفسهن.

الشخصيات النسائية في "ثرثرة فوق النيل" غنية بتناقضاتها وثقافتها واهتماماتها. فيها من استسلمن مثل ليلى زيدان وسنية كامل لمصيريهما. ولم يتلق لهما إلا خوض حروب صغيرة توفر لهما مساحتهما الصغيرة في العوامة التي تبدو بشكل أو بآخر "زقاق مدق" من نوع آخر نسبيا، وفي زمن آخر مغلف بمنظومة ثقافية – اجتماعية مليئة بالشعارات التي لا تؤمن أي منهما بها. الشابة الصغيرة، طالية الجامعة، سناء الرشيدي، هي التي تمردت على رجب القاضي القواد العصري المناسب لزمنه ولثقافته الجديدة، وخرجت لتواصل طريقها مع ممثل آخر. وإمعانا في التمرد، أو الانتقام، جاءت به إلى العوامة لتثبت لرجب أن هناك بدائل أخرى. ولكن عقلية القواد، ونفسيته، تجعله دائما يتقدم ضحيته بخطوة. فرجب انشغل بالصحفية المعروفة والمجتهة و"الجادة" سمارة بهجت التي جاءت لتجرب أفكارها على أرض الواقع وتدونها في دفتر مذكراتها، حتى وإن كان ذلك علي شكل هوامش لنص درامي تنوي كتابته.

لا شك أن الصحفية الجادة انجذبت إلى الممثل المشهور لأسباب كثيرة. ولا شك أيضا أنها لفتت نظر الممثل كنوع جديد من النساء ينبغي تجريبه. وتظل جادة وصلبة ومنطقية. ولكنها كإنسان من لحم ودم لا يمكن أن تبقى منطقية حتى النهاية الأليمة. وهو ما كشفته حادثة السيارة ومقتل إنسان.

قبل الحادثة لم تكن هناك إجابات قاطعة لديها بشأن علاقتها برجب القاضي. كل ما كانت تملكه هو مجموعة من الاحتمالات الأنثوية للتعامل مع رجل يتمتع بثقة القواد وصلافته. إضافة إلى لعبتها المتعلقة بمهنتها وبطموحها في الكتابة. لكن الحادثة أظهرت جانبا آخر من تناقض سمارة الرشيدي التي تحولت مواقفها تماما، على عكس حميدة وإحسان اللتين مضيتا قدما، لأن لاشئ لديهما تخسرانه تقريبا. وإن كانت حميدة تختلف بدرجات عن كل من إحسان وسمارة. لكن الأخيرة هي الأرقى من حيث الوعي وتنوع الاحتياجات، والوعي بهذا التنوع، والرغبة في تغيير العالم وفقا لمستوى وعيها النظري. ولكن الأفكار النظرية المجردة شئ، والواقع المؤلم شئ آخر تماما يحتاج إلى أدوات إضافية للتعامل معه.

بعد الحادثة، تأرجحت سمارة بهجت بين التساؤلات الفلسفية الكبرى. ولكنها أفاقت على عبارة رجب التي وجهها لها بقوة وعناد وغضب، وربما كراهية وهو يلوِّح بقيضته:

-ماذا تريدين، يا رأس البلوى؟!

لم يكم رد فعلها إلا أنها "انكمشت في ذعر"! فماذا بعد؟ لا شئ تقريبا. ولا رد فعل على جملة قالها قواد عصري تحمل معنى الاحتقار، أو في أحسن الأحوال، معنى الاستغناء وعدم الجدية!

 

ان من الممكن أن تنتهي الرواية بجلستهم في العوامة، في مواجهة الموقف الوجودي الصعب الذي يطرح الكثير من الأسئلة الكلاسيكية ليس فقط على أبطال الرواية، وإنما على القارئ نفسه. ولكن نجيب محفوظ فضل إضافة المعارك والاشتباكات والمزيد من المناقشات، في محاولة لرصد عملية التغيير التي حدثت. وإن كان قد تردد على لسان الأبطال أن التغيير لا يوجد في الواقع، وإنما يوجد فقط على الورق في الأعمال الدرامية. هنا لا تغيير بالمعنى الواضح والمفهوم، وإنما ما حدث هو التحول في وعي شخصيتين أساسيتين، أنيس زكي وسمارة الرشيدي. أما مسألة اتجاه هذا التحول، فلا تشكل أزمة أو قضية أو حتى مشكلة على الورق بداخل الرواية، لأن الواقع نفسه هو المنوط بتحديد جدوى هذا التحول لامرأة كانت منذ قليل تسعى إلى تغيير العالم عبر نص مسرحي، ففوجئت بأن قوانين التغيير مرهونة باختبارات الواقع..

 

إن الكتابة الكبرى قد تضع صاحبها في مرمى نيران المجتمع، قبل نيران السلطة. والكتابة الكبرى هنا لا تندرح تحت بند البورنو أو الحديث، كما اصطلحت الثقافات والمعارف العربية، عن المحرمات والتابوهات الثلاثة. إنها أعمق وأشمل وأعم من ذلك.

على الرغم من التعامل الاستثنائي مع الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي، فقد رأينا المجتمع الروسي، قبل النقاد في روسيا وفي العالم كله، يتعامل بفخر وكبرياء مع الكاتب الكبير باعتباره من كتاب الرواية الكبار، ما حوَّلَه إلى رمز ومثار فخر وافتخار. لكن في الحقيقة، ومع مرور بعض الوقت وتجاذب أطراف الحديث مع العديد من المسرحيين والروائيين والمهتمين – المتخصصين في عالم دوستويفسكس، اكتشفنا أن الروس في قرارة أنفسهم لا يحبونه، وأحيانا يشيحون برؤسهم في ضيق وغضب عند ذكره أو ذكر أي من النماذج البشرية التي خلقها. والسبب هو أن دوستويفسكي وضع يده على أعمق المناطق المظلمة في الروح الروسية، بل والروح الإنسانية عموما.

نجيب محفوظ وضع يده على الكثير من المناطق النفسية والروحية المنحطة في الإنسان المصري، والمجتمع المصري. إن خلق نجيب محفوظ لنموذج "سي السيد"، والنماذج النسائية في العديد من أعماله، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أنه بعيد تماما عن شبهة عدم احترام المرأة. محفوظ كان يُشَرِّح المجتمع المصري، ويسخر من هذا المجتمع، مع كل نموذج للمرأة يقوم بخلقه وطرحه على العالم.. لقد نجح محفوظ في الوصول إلى الكثير من المناطق المظلمة في أرواحنا.. أرواح المجتمع المصري، والإنسان المصري، وسخر بجدية من بنية هذا المجتمع المنحط.

ملاحظتان مهمتان. الأولى بشأن علاقة نجيب محفوظ بالمرأة، وأنه كان لا يحترمها ولا يصادقها وكان لديه قناعة واضحة في كتابته بأن المرأه إما عاهرة أو أم للعيال، وأنه لم يكن لديه تلك المنطقة الوسطى! والثانية، حول التواطؤ بشقيه الأخلاقي والسياسي، وهل المصائر عند نجيب محفوظ، وبالذات مصائر النماذج النسائية، قدر أم اختيار!!

الإجابات كثيرة ومتنوعة ومتعددة في أعمال نجيب محفوظ: في الروايات وليس في الأفلام الرديئة التي تم بناؤها على رواياته. وهذا هو سر منهج الكاتب، وأهمية أن يكون لدى الكاتب منهج للكتابة وعالم متكامل متعدد ومتنوع، وليس مجرد كتابة روايات تضم شخصيات ما رائعة ومثيرة وتحمل الكثير من الدلالات.

لقد تعامل محفوظ مع المرأة ليس باعتبارها كائنا اجتماعيا مظلوما ومقهورا. بل تعامل معها باعتبارها مسؤولة مسؤولية كاملة عن نفسها وحياتها، باعتبارها فردا اجتماعيا يمتلك كل القدرات والإمكانيات التي تؤهله لتحقيق ما يريده. وبالتالي، فالمرأة عند نجيب محفوظ كانت كائنا من لحم ودم وليس كائنا نظريا مجردا في الأذهان والتصورات والمخيلات، أو مجرد كلمة "امرأة" سقطت من أحد الكتب السميكة التي تتحدث عن ما ينبغي أن يكون في ظل ظروف مختلفة.

لقد شوهت الأفلام التي تم بناؤها على روايات محفوظ غالبية النماذج التي خلقها، وبالذات نماذج المرأة. فروايات الكاتب وأعماله لا تتحدث إطلاقا عن أخطاء المرأة باعتبارها كائنا نورانيا - أخلاقيا يجب لمسه بهدوء وخوف لكي لا ينكسر ويتحطم، ولا حتى باعتبارها كائنا استثنائيا أفضل أو أسوأ أو لديه عيوب أو زوائد أو نواقص. وإذا كان دوستويفسكي قد غاص في النفس البشرية وقام بتشريح مناطق الضعف والنقاط المظلمة فيها، فمحفوظ قام بطرح نماذجه البشرية في علاقتها بالمجتمع الذي تعيش فيه. والمسألة ليست مقارنة بين محفوظ ودوستويفسكي، بقدر ما هي إلقاء المزيد من الإضاءات على أعمال نجيب محفوظ وعمقها، وعمق رؤيتها. (انتهى)