الولايات المتحدة الأمريكية الأمينة لسلوكها المعتاد، الجامح والغريب الاطوار، على الساحة العالمية، نشرت بكل بساطة سفنها الحربية موجهة إياها ناحية سواحل كوريا. هذا القرار كان مفاجأة مزعجة للمجتمع الدولي. وجاءت تفسيرات التصرف الأمريكي متنوعة غاية التنوع. فممثل وزارة الدفاع الكورية الجنوبية كيونغ سان مون رأى أن هذا يرجع إلى أن كوريا الشمالية تجري تجارب صاروخية، وأن الولايات المتحدة "تبدي قلقاً بالغاً إزاء الوضع في المنطقة".

"إن التهديد رقم واحد في المنطقة لا يزال كوريا الشمالية بسبب برنامجها الصاروخي غير المنطقي وغير المسؤول والمزعزع للاستقرار وسعيها لامتلاك أسلحة نووية"، - هذا الكلام في الأخلاقيات يقوله المتحدث باسم قيادة أسطول الولايات المتحدة في المحيط الهادئ ديفيد بينهام، وهو ابن البلد الذي ليس لديه فقط أسلحة نووية من دون أن يطلب إذناً من أي أحد، بل أيضا يلوح باستعماله جيئة ورواحاً دون رادع. وأمريكا هي الدولة الوحيدة في العالم التي استخدمت الأسلحة النووية - ضد اليابان - وعلى نحو فعال للغاية: فقد تراوح عدد قتلى القصف الذري الأمريكي آنذاك ما بين 90 و166 ألف شخص في هيروشيما وما بين 60 و80 ألف شخص في ناغازاكي. وقصف تينك المدينتين كان المثال الوحيد في تاريخ البشرية على الاستخدام العسكري للأسلحة النووية.

وبما أن الولايات المتحدة وجهت بالأمس ضربة صاروخية لسوريا تحت ذرائع واهية ملفقة مظهرة للملإ أنها لن تنسق أعمالها وتصرفاتها لا مع مجلس الأمن الدولي ولا مع أي أحد آخر، فقد وضعت العالم فعلا على شفا حرب نووية.

لقد قدم مجلس الأمن القومي الأمريكي لدونالد ترامب بالفعل عدة طرق للتأثير على كوريا الشمالية. بينها قتل زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون مع أقرب معاونيه. ومن بين الخيارات واحد يقضي بأن تهبط مجموعة مغاوير من القوات الخاصة الأميركية في أراضي كوريا الشمالية، وتنشر أسلحة نووية أمريكية (صواريخ كروز المجنحة، مع رؤوس حربية خاصة وقنابل لقاذفات القنابل الاستراتيجية) في كوريا الجنوبية. وقد اعتادت أمريكا على أن تقضي بنزق وعدم اكتراث على قادة الدول ذات السيادة غير المرغوب فيهم وعلى الدول نفسها غير المرضي عنها في جميع أنحاء العالم. ولحسن حظ الأميركيين أن سوريا وكوريا الشمالية بعيدتان كلتاهما عن الولايات المتحدة. والكارثة الأشبه بنهاية العالم في هذه المناطق لن تؤثر على الحياة العادية الهنيّة في أميركا لا لساكني البيوت المؤلفة من طابق واحد، ولا للقاطنين سعيداً في ناطحات السحاب.

كان ترامب قد قال في وقت سابق ان كوريا الشمالية "تتصرف بشكل سيئ للغاية." ما هو الجيد وما هو السيء أمر تحدده الآن للأسف الولايات المتحدة دون سواها.

"منذ بداية عام 2016، أطلقت كوريا الشمالية أكثر من 20 من الصواريخ الباليستية وأجرت تجارب نووية. وبعد سلسلة من حالات إطلاق الصواريخ بدأت الولايات المتحدة تتحدث بلغة الإنذارات مع كوريا الشمالية."

أوليس هنا ما يتبقى لكوريا الشمالية أن تقوم به؟ لا بد من ذكر أن كوريا الشمالية لا تهدد أحدا، ولم ولا تقصف أحداً. هي فقط تصنع السلاح كوسيلة للدفاع عن النفس! فلو لم يكن لديها قنبلة، لكانوا محوها عن وجه الأرض منذ زمن بعيد! لا يمكن للمرء إلا أن يتفق مع ليونيد إيفاشوف رئيس أكاديمية القضايا الجيوسياسية في قوله: "إن كوريا الشمالية تصنع هذه الصواريخ، لأن ليست لديها ضمانات أمنية عسكرية من أحد اليوم. وهي ترى ما يحدث في العالم: يجري تدمير شامل للدول، للدولة غير المحمية. وهي تصنع السلاح النووي من أجل الحفاظ على أمنها وسلامتها".

سوريا لم تستطع في حينه أن تصمد أمام الضغوط فوقعت اتفاقا على تدمير أسلحتها الكيميائية، ونفذت شروطه، كما هو مثبت من قبل المراقبين الدوليين. إلا أن الولايات المتحدة وجهت مع ذلك ضربة إلى القاعدة الجوية بحجة "هجمات كيماوية قام بها الجيش السوري في ادلب". هي حتى لم تكلف نفسها عناء التحقيق في مسألة من الذي استخدم أسلحة كيميائية! فأرسلت صواريخ توماهوك في الحال! ثمة من يزعم أن إيفانكا ترامب تأثرت بصور ضحايا هذا الهجوم، وأن والدها قرر مسح دموعها بالصواريخ! لكن المئات من ضحايا قصف الولايات المتحدة الأخير في الموصل لم تحنن قلب السيدة المصونة؟!!! فـ"في 4 و 5 أبريل هلك في الموصل وتلعفر جراء سلسلة هجمات قامت بها قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة ما يقرب من 300 من المدنيين". غير أن والد إيفانكا لم يطلق التوماهوك على أمريكا؟

لقد أعلن الأمريكيون، في الواقع، الحرب على كوريا الشمالية، ما داموا قد هددوا بقتل زعيم هذه الدولة، أي بضرب أغلى وأهم رمز لسيادة كوريا الشمالية. فكيف سيكون رد فعل كوريا الشمالية على التهديد الذي يزداد شدة يوماً بعد يوم؟ رباطة الجأش والصبر ليسا بلا حدود. ورد الفعل وارد. رد فعل كوريا الشمالية على إعلان الحرب من جانب الولايات المتحدة كان توجيهها قوات مسلحة ضخمة صوب الجنوب، وهذا يعني بداية الحرب في شبه الجزيرة. وإذا لم يتمكن الأميركيون من قصف كل شيء هناك، فمن المرجح إطلاق صواريخ وجهة اليابان، وربما الولايات المتحدة. إن هذا سيكون على ما يبدو حربا نووية على نطاق واسع ستنشب عند حدود روسيا والصين. لذلك نجد روسيا والصين مهتمتين للغاية في ألا يحدث ذلك. وهذا يفترض أن يقرب دبلوماسياً ما بين روسيا والصين في جميع القضايا.

نذكر أخيرا أن بيونغ يانغ ردت على التصرفات الاستفزازية للأميركيين. فقد صرحت وزارة خارجية كوريا الشمالية: "نحن لن نستجدي أبداً الرحمة وسنتخذ تدابير مضادة جدية ضد المحرضين الاستفزازيين لحماية نفسها بواسطة السلاح الهادر ومواصلة الطريق الذي اخترناه". "ولقد وصلت تصرفات الولايات المتحدة المجنونة، التي تهدف إلى غزو كوريا الديمقراطية، إلى مرحلة خطيرة"، وسلطات الولايات المتحدة "ستكون مسؤولة بالكامل عن عواقب أفعالها المشينة".

 

يكاترينا غلوشيك، جريدة "زافترا" بتاريخ 13/4/2017

ترجمة: ميشال يمّين