وبدون هذه الاموال لن يكفي ما هو في حسابات الخزانة الاتحادية ووزارة المالية وغيرها من الهيئات التابعة للسلطة التنفيذية، بحسب أكثر التقديرات تفاؤلا، حتى أبعد من يوليو وأغسطس من هذا العام. بعد هذا الحد الزمني سيحصل انهيار مالي جزئي في الولايات المتحدة يفضي إلى تسريح أكثر من نصف مليون موظف فيدرالي، يقبضون أجورهم من الدولة، أو إلى إرسالهم في إجازة قسرية بدون أجر. فيما أفراد الجيش والدبلوماسيون وضباط المخابرات وغيرهم من "غير الممكن الاستغناء عنهم" لن تطاولهم عملية التقليص هذه، ولكنها بالنسبة للمجتمع الأمريكي ستكون أكثر من محسوسة، إذ ستطلق مسيرة "انفصال اقتصادي" لبعض الولايات، وفي المقام الأول - أغناها، مثل كاليفورنيا أو تكساس أو نيويورك ...

بالمناسبة، تمتلك الميزانية العمومية لنظام الاحتياط الفيدرالي الآن حوالي 4.5 من أصل الـ19.9 تريليون دولار الموجودة كسندات حكومية وإن زيادة الفائدة بنسبة 0.25٪ سنويا ستعني "ضريبة إضافية على الدولة" مقدارها 11,25 مليار $ فقط لصالح نظام الاحتياط الفيدرالي، ويمكن أن يصل مجموع العبء الإضافي على الاقتصاد الأمريكي إلى 175 مليار دولار سنوياً بنتيجة كل زيادة من الزيادات التي من المزمع أن يُقَرّ منها في عام 2017 ما يصل إلى أربع.

وهذا يعني أن رقعة الخيارات المالية لدى الرئيس الـ45 للولايات المتحدة غير كبيرة. فإما عليه الذهاب صاغرا إلى ييلن وشركاه (أو بالأحرى – إلى كتلة الضغط العاملة لصالح المؤسسات المالية الكبرى في الكونغرس)، سعيا وراء الحصول على دفعة جديدة من الزيادة على الدين الاتحادي؛ وإما العثور بصورة عاجلة على بعض مصادر التمويل البديلة التي يمكن أن تتكشف كنتيجة للسياسة الخارجية. وتشمل هذه المصادر:

-  اجتذاب استثمارات أجنبية. على سبيل المثال، وعد ممثلو رجال الأعمال اليابانيين في يناير الماضي ترامب، قبل تسلمه مقاليد الرئاسة رسمياً، بتوظيف تريليون دولار "في تطوير البنية التحتية" في مقابل تسهيل الوصول إلى سوق الولايات المتحدة.

-  استرداد المبالغ المترتبة على "الحلفاء". على سبيل المثال، كديون عليهم لمنظمة حلف شمال الأطلسي[i]، أو عقوبات على انتهاك قواعد فاتكا FATCA (Foreign Account Tax Compliance Act) أي قانون الامتثال الضريبي الأمريكي، وما إلى ذلك؛

-  تطبيق نظام "العصا والجزرة" الذي يهدف الى استرجاع شركات الأوفشور الخارجية لتنشط في اقتصاد الولايات المتحدة. على سبيل المثال، في حالة شركة"APPLE" . وهذا سيعني زيادة القاعدة الضريبية أكثر من 12 ضعفاً، من 16 إلى 220 مليار دولار. واسترجاع شركات الأوفشور إلى الاقتصاد الأميركي في ظل خفض معدلات الضرائب يمكن أن يجلب للاقتصاد الأمريكي أكثر من 7 تريليونات دولار، وللميزانية الاتحادية حوالي 150 مليار $ سنويا، مما سيخلق أكثر من مليون وظيفة.

هناك، بالطبع، طريقة أخرى: أن يبدأ ترامب "حرباً" واسعة النطاق على نظام الاحتياط الفدرالي، على الرغم من أن هذا مخالف تماما للتقليد السياسي الأمريكي ودائما ما كان ينتهي، من قبيل المصادفة الغريبة، إلى اغتيال أو- في أرقّ وأرحم الأحوال- إقالة "سيد البيت الأبيض" الذي تجرأ على اتخاذ مثل هذه الخطوة.

كان من المفترض حكماً أن يحاول أغنى رئيس في تاريخ الولايات المتحدة إيجاد لغة مشتركة مع نظام الاحتياط الفدرالي، هذا الذي كان لأكثر من قرن من الزمان السند المالي للـ"الحلم الأميركي". لكن انتقاد نظام الاحتياط الفدرالي احتل واحداً من أهم الأماكن في خطاب ترامب قبيل الانتخابات. وهو لم يكن مجرد انتقاد للإصدار المفرط للدولارات تحت ستار "التيسير الكمي" و"المال شبه المجاني" في ظل أسعار فائدة منخفضة - لا، لقد وعد الملياردير النيويوركي بإجراء أول مراجعة (تدقيق) كاملة لنظام الاحتياط الفيدرالي، وحتى جعلها مراجعة سنويةً، واقالة رئيس هذه الهيأة جانيت يلين بالسرعة الممكنة.

وقد أضحت هذه الوعود، ربما، الوحيدة التي لم يبدأ الرئيس الـ45 للولايات المتحدة تنفيذها بعد. لكنه في الوقت نفسه لم يتبرأ منها علناً. ولعله يجدر التأكيد مرة أخرى على أن ترامب رئيس غير عادي. فهو ليس بالسياسي المحترف، بل ملياردير، سبق أن قال خلال الانتخابات التمهيدية لواحد من خصومه، السيناتور تيد كروز من ولاية تكساس: "الفرق بيننا هو أنك تنتظر حتى يبدي أولياء أمرك في الوول ستريت استعداداً للقائك، أما أنا فأذهب وإياهم لنشرب القهوة ".

وراء "دونالد الكبير"، كما توضح التعيينات في كتلتي إدارته المالية والاقتصادية تقف، أقلّه، مؤسستا "جولدمان ساكس" و "جي بي مورجان تشيس"، اللتان يبدو أنهما قد توصلتا إلى استنتاج حول ضرورة تحقيق التوازن في ما بين الالتزامات العالمية والأصول المتوفرة. فـ"حوتا المحيط المالي" هذان شريكان في ملكية نظام الاحتياط الفدرالي، وبالتالي، لا يستبعد أن يكونا قررا تشغيل خطة "التفليسة المتحكم بها" لهذه الهيئة المالية من خلال ترامب، بعد أن كانت تقوم لأكثر من 70 عاما بأداء وظيفة مركز الإصدار المالي بالنسبة للاقتصاد العالمي. وإذا كانت التفليسة، كما في القول المأثور في أوساط رجال الأعمال الأميركيين، "هي الوسيلة المؤكدة للوصول إلى المليون"، فإن المطروح على بساط الهدف المرتجى في حالة الإفلاس المزعوم لنظام الاحتياط الفدرالي ليس هو المليون، بل عشرات التريليونات من الدولارات تُستلَب من القيمة المعادِ توزيعُها. فالأصول الحقيقية المضمونة حاليا ليست أكثر من 4-5٪ من الالتزامات المالية القائمة، أي أن 95-96٪ من هذه الأخيرة تمثل، في الواقع، أوراق كشك لا قيمة لها تعود لمحتالين ومزورين عالميين.

وبحسب كل "قوانين اللعبة"، يفترض أن يأتي الانهيار مفاجئاً وشاملاً، بحيث لا يكون ثمة وقت ومتسع للهروب أمام أي من كان "محللاً للذبح". ولكننا سنشهد حتى اللحظة الزيادة النهائية من أصل الأربع الزيادات المتتالية الموعودة في سعر الفائدة لصالح نظام الاحتياط الفيدرالي ... فاللعبة تستحق كل هذا العناء، وباريس تستحق الذبيحة!![ii]

 

اليكسي غوردييف - ترجمة ميشال يمين

"زافترا"، 23 مارس 2017

 



[i] مطالبة ترامب لميركل بالأمس بدفع مبلغ $375 مليار لأميركا لقاء خدمات حلف شمال الأطلسي خير دليل – المترجم

[ii] كما قال ذات يوم هنري الرابع الطامح إلى تبوء عرش ملك فرنسا – المترجم

ترجمة: