الخبير السياسي، والباحث في دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، والذي يكتب عن شؤون الشرق الأوسط في العديد من الصحف، منها Foreign Affairs، وForeign Policy، وThe Atlantic."، أحد أولئك الذين اعترفوا أخيرا بالخطأ في تقدير توجهات السياسة الخارجية الروسية في الشرق الأوسط، وبعدم دقة التقديرات الغربية في التعامل الواقعي مع مصالح روسيا وقدراتها.
في مقال له، بتاريخ 5 مارس الحالي، يرى الكاتب أنه منذ اليوم الذي صار فيه فلاديمير بوتين رئيسا لروسيا، قام بتنفيذ خطة ما. فبينما كان الأمريكيون منشغلين بأفغانستان، والعراق، وحل الصراع العربي - الإسرائيلي، والتخفيضات الضريبية، وترويج الديمقراطية في الشرق الأوسط، وشهادة ميلاد أوباما، وحركة حزب الشاي، ووضع حدٍ للديون، وإغلاق الهيئات الحكومية، وقانون الرعاية الصحية، أعادت روسيا بناء إمكانياتها العسكرية، كما أعادت التفكير في عقائدها في الحرب والقتال.
وفي الوقت ذاته، سعى بوتين لإعادة بناء هيبة موسكو العالمية، مستغلا في الأغلب الخطوات الأمريكية الخاطئة، داخليا وخارجيا، لتقديم بديل، الأمر الذي أتاح للروس فرصةً للبدء في بناء مناطق نفوذ جديدة.
ويتساءل الخبير الأمريكي: ما الذي يعنيه كل ذلك في الشرق الأوسط؟ 
ويرى أنه لم يمر وقت طويل على الفترة التي كانت فيها الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة في المنطقة. وفي مجالاتٍ عدة، لا تزال الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة، وذلك بالنظر إلى استمرار النفوذ الدبلوماسي، والعسكري، والتجاري لواشنطن، خصوصاً فيما يتعلَّق بمبيعات الأسلحة. ومع ذلك، أعادت روسيا بناء نفسها كقوة في المنطقة. فعلى أقل تقدير، تُدرِك دول الخليج الموالية للولايات المتحدة بصورة واضحة أن عليها الآن أن تضع المصالح والأهداف الروسية في حسبانها. وهذا أمرٌ لم تكن ترى له أي ضرورة طوال السنوات الـ25 الماضية.
ستيفن كوك يرى أن الولايات المتحدة وحلف الناتو لم يتصرفا بشكل منطقي أو عملي منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، وهو الأمر الذي أثار غضب موسكو. فمنذ تلك اللحظة التاريخية، ولزيادة الطينة بلة، وفقا لتعبير الكاتب، توسَّع حلف الناتو شرقا، وتصرَّفت الولايات المتحدة في العالم موليةً اهتمامٍ واحترامٍ قليلين للمصالح الروسية. في حين قوَّضت الثورة البرتقالية في أوكرانيا القيادة المؤيدة لموسكو هناك لصالح مَن كانوا يتطلعون للغرب. فمن وجهة نظر روسية، بدا هذا كله مخططا أمريكيا غامضاً لمحاصرة موسكو وزعزعة استقرارها والتقليل من احترامها.
 
ينطلق ستيفن كوك من هذه الأرضية إلى نجاحات روسيا وسياساتها الخارجية في منطقة الشرق الأوسط. ولكنه يؤكد على جملة من العوامل التي تشكِّل خطأ أو عدم دقة في التقدير من جانب الخبراء والمحللين الغربيين. فهو يرى، على سبيل المثال، أنه عندما تُطرَح فكرةُ استقلال الأكراد عن العراق، يؤكِّد جميع أنواع الخبراء، والدبلوماسيين والمسؤولين السابقين على زنه "لن يحدث ذلك أبداً". 
ويسخر الكاتب بقوله "وحتما، ودائما ما يكون التأكيد مدعوما ببيان منمق ينم عن اطلاع على التحديات الخطيرة التي يواجهها أكراد العراق، الأمر الذي يجعل استنتاج إعلان الاستقلال أمرا غير منطقي". ولكن تظل احتمالية أن أكراد العراق قد ينوون اتخاذ قرار عقلاني تماما، ربما في المستقبل القريب. فالفجوة هنا مُتصلة بالفرق بين ما يعتقد المحلِّلون ما يجب على الأكراد فِعله، وهي قائمة على هذه الحسابات الخاصة بالمراقبين لسياسات الأكراد ومصالحهم، وبين الطريقة التي ينظر بها الأكراد وقادتهم إلى العالم بالفعل. هذه المشكلة من الممكن أن تتسبَّب في مفاجأة للمسؤولين الأمريكيين "بأحداثٍ غير متوقعة".
 
ويُعد النقاش، حسب الخبير الأمريكي، حول الأكراد واحدا من ضمن أمثلة كثيرة على هذا التفكير المشكوك فيه والذي تتصف به السياسة الخارجية الأمريكية، مؤكدا ذلك بمثال آخر. إذ يقول "انظروا، على سبيل المثال، إلى قضية إيران في سوريا. من المفترض أن يكون الإيرانيون قد أُرهَقوا من دعم الرئيس بشار الأسد الآن، وجزءٌ كبيرٌ من السبب يرجع إلى الضغوط المالية للمحافظة على القتال. إلا أن الإيرانيين مستمرون... وهناك أيضاً الروس، الذين لم يكن من المُفتَرَض أن يدخلوا شرق أوكرانيا أو يضموا القرم نتيجة إمكانيات موسكو المحدودة، وردّ حِلف الناتو العقابي المُرجَّح عليه. ومع ذلك، يساعد الإيرانيون والروس حكومة الأسد دون أي موانع، ولم تتراجع روسيا عن تدخلها في أوكرانيا، على الرغم من عقوباتِ الغرب".
وإذا تجاوزنا الخلاف مع الخبير الأمريكي حول رؤيته لموضوع القرم، وأزمة منطقة دونباس في شرق أوكرانيا، فهو يرى أن التحليلات والتقديرات الغربية لتصرفات الآخرين يجانبها الصواب، وينقصها أخذ "الأفكار" بعين الععتبار، نظرا لأنها تمثلا عاملا مهما للغاية. فبالنسبة للأكراد، هناك أفكار مهمة عن الهوية على المحك. وفي طهران، لا يُقاس دعم الأسد بالمال، وإنما بالأفكار القوية عن الحالة التي يجب أن يكون عليها الشرق الأوسط ومكانة إيران فيها. 
 
ويعتقد الخبير الأمريكي ستيفن كوك أن هذا هو السبب وراء استهانة المحلِّلين الغربيين والأمريكيين بأهداف روسيا، خاصة في الشرق الأوسط، الأمر الذي لا يصب في صالحهم. وحتى عندما أصبح تفكير موسكو الاستراتيجي واضحاً خلال الأشهر القليلة الماضية، استمر الشعور الغالب بين خبراء السياسة الخارجية هو أن خطط الكرملين في المنطقة كان مُعداً لها، وأن نجاحات المنطقة كانت نتيجة حماقات وليس نتيجة ذكاء.
 
ويذهب كوك إلى الاعتراف بأخطاء أخرى. إذ يرى أن هناك جانبا آخر للأمر، حيث توجد "افتراضات" بأن الرئيس الروسي ليس لديه خطة أو موارد كثيرة، وهذه الافتراضات هي التي تسببت في سلبية الولايات المتحدة والغرب، الأمر الذي في المقابل فتح المجال لفرص جديدة أمام الروس.
 
هذا المقال المهم يرصد تحولات ملموسة في مواقف بعض القوى الإقليمية في الشرق الأوسط. ويرى أن جزء كبيرا من هذا التحول في ديناميات القوة يرجع إلى دخول القوات الجوية الروسية في سوريا. و"هي العملية التي اعتقد عددٌ لا بأس به من المُحلِّلين الغربيين (بمن فيهم ستيفن كوك نفسه) أنها ستكون قصيرة الأمد، وغير فعَّالة، وذات آثار سلبية على الجيش الروسي"، وفقا لاعتراف الخبير الأمريكي، الذي يرى أيضا أنه "بقدر ما برهنت موسكو على مكرها، فقد حقَّقت أيضا عددا من الأهداف المهمة. إذ بعث الروس بإشارة مفادها أنهم سيقفون إلى جانب حلفائهم، الأمر الذي أبرز التمايز بين موسكو وواشنطن، التي يعتقد الكثيرون في المنطقة أنها باتت عاجزة عن ذلك". وأرغم الروس أيضا حلفاء مهمين للولايات المتحدة، مثل تركيا وإسرائيل، على اللجوء لروسيا نتيجة رغبة أولئك الحلفاء في تحقيق أهدافهم في سوريا. وتعاون بوتين كذلك مع الإيرانيين الذين يشعرون بالانزعاج، مثلهم في ذلك مثل الروس، من النظام السياسي الإقليمي الذي أسَّسته الولايات المتحدة.
 
ويذهب كوك إلى الطرف المصري، محللا موقفه ومخاوفه وتطلعاته، مشيرا إلى أن المصريين، الذين استفادوا من المساعدات الاقتصادية والعسكرية السخيَّة للولايات المتحدة على مدى سنوات طويلة، ينظرون إلى روسيا باعتبارها بديلا للولايات المتحدة. لدرجة أن الحكومة المصرية عارضت التدخُّل الأمريكي المُحتَمل في سوريا أواخر صيف 2013، لكنَّها أيَّدت العمليات العسكرية الروسية هناك. ويعترف بأن "الولايات المتحدة منحت المصريين دافعا لكي يسعوا وراء الحصول على دعم من طرف آخر".
وذهب إلى أن "الدبلوماسيين والمُلحقين العسكريين المصريين في واشنطن يتابعون بدأب السياسة الأمريكية. وخلال السنوات الأخيرة، بدأوا في الشعور بالقلق حيال الخلل في عمل الكونجرس والتوجُّهات الانعزالية المتنامية تدريجيا داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وأدرك المصريون أن تلك التطوُّرات قد تؤثر سلباً على الـ1.3 مليار دولار المُخصَّصة للمساعدات الأمريكية التي تُقدَّم لهم". كما أن مصر تتهم الولايات المتحدة، عن طريق الخطأ، بأنها دعمت الإخوان المسلمين. وبقدر ما قد تكون اتِّهاماتهم بلا أساس واقعي، إلّا أنها تُقدِّم فرصةً للقيادة الروسية، التي تخلو رؤاها إزاء الإسلام السياسي من التمييز (بين الجماعات والتنظيمات المختلفة المُتبنية لهذا النهج) على نحوٍ لافت، للموائمة بالتالي مع وجهات نظر القادة المصريين.
 
وعلى صعيد الأحداث في ليبيا، يرى الكاتب أن "الروس التقوا بالجنرال خليفة حفتر، الذي يُعَد مُتشدِّداً تجاه الإسلاميين بنفس قدر رعاته الإقليميين: الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وولي عهد الإمارات العربية المتحدة محمد بن زايد. لكن ما يجري في ليبيا أكبر من مجرد معركة ضد التطرُّف. إذ تمتلك البلاد أكبر احتياطياتٍ مُثبَتَة للنفط الخام الحلو الخفيف عالي الجودة في العالم. وتمتلك كذلك الكثير من حقول الغاز الطبيعي. وكلا الأمرين يجعلان ليبيا بلدا مهما لأوروبا. ويُفكِّر الروس على نحو واضح في المستقبل، فربما ينتهي الحال بحفتر ليصبح هو رجل ليبيا القوي الجديد، لكن حتى إذا لم يصبح كذلك، فإنَّه يُمثِّل السلطة في شرقي البلاد، حيث يوجد الكثير من النفط. وبينما يبحث الأوروبيون عن سُبُلٍ لتقليص اعتمادهم على مصادر الطاقة الروسية، فإن موسكو تبحث عن سبل للإبقاء عليهم مُحاصرين وبالتالي ضعفاء".
 
في الحقيقة، لم يأت الكاتب بجديد، سوى التأكيد على سوء تقدير ليس الخبراء والمراقبين الغربيين، بل وأيضا كبار الساسة والزعماء في الولايات المتحدة وأوروبا. ليصل في نهاية المقال إلى أن "الولايات المتحدة والغرب يدركان الآن فقط أن الروس لا يدعمون أهدافا فحسب، بل لديهم أيضا أهدافا واضحة، وفهماً لكيفية تحقيقها، وموارد قومية مُكرَّسةً لتلك العملية"، أي ببساطة "كان الروس يفكرون بطريقة استراتيجية". ويذهب مباشرة إلى أن "التحدي الروسي كان يمثل دعوة واضحة للتحالف الغربي من أجل القيام بالرد، لكن رئاسة ترامب جعلت فكرة وجود تهديد روسي من الأساس موضع شك".
 
وفي نهاية المقال يكشف الكاتب عن توجه في غاية الخطورة، إذ يرى أن إدارة ترامب مهتمة بفكرة تدمير ما أسماه بـ "الإرهاب الإسلامي المُتطرِّف" لدرجة أن لديهم رغبة جامحة للدخول في شراكة مع الكرملين. وبصرف النظر عن جموح الكاتب وجنوحه في استخدام المصطلحات، فهو يحذِّر إدارة ترامب من التعاون مع روسيا حتى في مكافحة "الإرهاب". ويقول: "لكن ما يغفلون عن رؤيته هو أنه في حين قد يكون هناك التقاء للمصالح في مسألة محاربة المتطرفين، إلّا أن استراتيجية روسيا تذهب أبعد كثيراً من هذا الهدف المرحلي".
وفي ضوء هذه الفرضية يحدد هو بنفسه طموحات روسيا واستراتيجيتها المقبلة، مشيرا إلى أن "بوتين يرغب في إعادة صياغة قواعد الشرق الأوسط وقَلْبِ النظام السياسي الإقليمي الذي جعل من ضمان التدفُّق الحر لمصادر الطاقة من المنطقة، وضمان أمن إسرائيل، ومحاربة الإرهاب، ومنع انتشار الأسلحة النووية بالنسبة لواشنطن أمرا أكثر سهولة وأقل كلفة نسبيا"، معتبرا أن "هذه هي الخطة الروسية - سهلة وبسيطة".